من الحروب بالوكالة إلى الأمن الجماعي: معضلة السيادة العربية

عمرو حمزاوي
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00
تتزايد في الشرق الأوسط، بالتوازي مع الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، خطورة ظاهرة الميليشيات المسلحة المدعومة من طهران، ليس فقط باعتبارها أدوات تستخدمها إيران في صراعها الإقليمي والدولي، وإنما كذلك باعتبارها مصادر مستدامة لتهديد وحدة الدول التي تنشط فيها وتماسك مجتمعاتها واستقرار مؤسساتها. وفي العراق واليمن ولبنان على وجه الخصوص، تكشف خبرة السنوات الماضية أن وجود جماعات مسلحة تمتلك من القوة العسكرية والسياسية ما يتيح لها العمل خارج السيطرة الكاملة للدولة الوطنية يضعف احتكار الدولة للسلاح، ويحول دون بناء مؤسسات أمنية موحدة، ويجعل القرار الوطني عرضة باستمرار للتأثيرات الإقليمية.
وتزداد خطورة المسألة اليوم لأن إيران، على الرغم من الحرب التي تخوضها ضد الولايات المتحدة وعلى الرغم من التوتر غير المسبوق في علاقاتها مع عدد من دول الجوار العربي، لا تزال تراهن على شبكتها من الجماعات المسلحة باعتبارها إحدى أهم أدوات إدارة سياستها في الشرق الأوسط. بل إن التطورات الأخيرة تشير إلى قدرة هذه الشبكة على التكيف مع الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها. وبعد تراجع أدوار بعض حلفائها الإقليميين، ولا سيما في سوريا ولبنان، تبدو طهران أكثر اعتمادا على الميليشيات العراقية والحوثيين في اليمن، بما يجعل العراق واليمن ساحتي نفوذ متزايد الأهمية في استراتيجيتها الإقليمية.
في العراق، تبدو المشكلة شديدة التعقيد بسبب الطبيعة القانونية والسياسية للحشد الشعبي. فقد نشأت قوات الحشد في سياق الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وأسهمت فصائلها بالفعل في مواجهة خطر بالغ على الدولة والمجتمع العراقيين. غير أن إدماج الحشد في البنية الرسمية للدولة لم يؤد بالضرورة إلى إنهاء استقلالية جميع فصائله، إذ لا تزال جماعات مسلحة نافذة تحتفظ بقدرات عسكرية وشبكات سياسية واقتصادية واسعة، فيما تشير تقارير إلى أن بعض الفصائل تستجيب في ممارساتها وتوجهاتها لإيران والحرس الثوري الإيراني بقدر يفوق استجابتها للحكومة العراقية.
وهنا تكمن المفارقة العراقية: فالدولة التي تحتاج إلى توحيد مؤسساتها الأمنية والعسكرية تجد نفسها أمام جماعات تمتلك السلاح والقوة السياسية والنفوذ الاقتصادي، وبعضها جزء رسمي من المنظومة الأمنية، وبعضها الآخر يحتفظ بهامش واسع من الاستقلال عن القيادة السياسية العراقية. وقد أصبحت هذه المعضلة أكثر وضوحا خلال الحرب الأمريكية الإيرانية الراهنة، إذ تعرضت جماعات عراقية مرتبطة بإيران لضغوط وهجمات، بينما قامت بعض الفصائل بشن هجمات على أهداف أمريكية وأهداف في دول عربية. وفي يوليو الماضي، شنت الولايات المتحدة والسعودية ضربات مشتركة على مواقع لفصائل موالية لإيران داخل العراق ردا على هجمات نسبت إليها ضد منشآت سعودية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد امتداد للصراع الأمريكي الإيراني. فالمشكلة الأعمق هي أن استمرار وجود قوى مسلحة قادرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج الإطار الحصري للدولة يهدد العراق نفسه. إذ يصبح من الصعب على بغداد أن تضمن حياد أراضيها في الصراعات الإقليمية، كما يصبح من الصعب عليها أن تقيم علاقات متوازنة مع جيرانها العرب أو مع الولايات المتحدة وإيران من دون أن تجد نفسها تحت ضغط جماعات تمتلك أجندات تتجاوز المصلحة الوطنية العراقية.
وفي اليمن، تبدو الصورة أكثر وضوحا من حيث تأثير الميليشيا المسلحة على وحدة الدولة. فقد أدى صعود جماعة أنصار الله الحوثية إلى تقسيم فعلي للسلطة والأرض، وإلى إطالة أمد الحرب الأهلية، وإلى تحويل اليمن إلى ساحة رئيسية للتنافس الإقليمي. ومع استمرار الدعم الإيراني للحوثيين، باتت الجماعة قادرة على الجمع بين النفوذ الداخلي واستخدام القوة الصاروخية والطائرات المسيرة والقدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقد حذر المبعوث الأممي أخيرا من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل تصاعد الاشتباكات بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
إن أخطر ما في التجربة اليمنية هو أن السلاح لم يعد مجرد وسيلة لخوض الحرب الأهلية، بل أصبح أداة لإعادة تعريف موقع اليمن الإقليمي. فحين تتمكن جماعة داخل دولة عربية من اتخاذ قرارات تتعلق بالملاحة الدولية والهجمات على دول الجوار والانخراط في صراعات إقليمية واسعة، فإن السيادة الوطنية تصبح مجزأة، وتصبح الدولة عاجزة عن تحديد سياساتها الخارجية والأمنية بصورة مستقلة. وتزداد خطورة ذلك في حالة اليمن بسبب موقعه الجغرافي عند باب المندب، بما يجعل النزاع الداخلي ذا تداعيات مباشرة على أمن التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
أما لبنان، فقد قدم خلال العقود الماضية نموذجا آخر للمشكلة نفسها. فحزب الله ليس مجرد جماعة مسلحة، بل هو قوة سياسية واجتماعية وعسكرية عميقة الجذور داخل النظام اللبناني، ويمتلك قدرات عسكرية تفوق قدرات أي فصيل لبناني آخر. وقد أدى ذلك إلى خلق معادلة مزدوجة للسلطة، حيث توجد دولة بمؤسساتها الدستورية والعسكرية من جهة، وقوة مسلحة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تتصل بالحرب والسلام من جهة أخرى.
وتظهر خطورة هذه المعادلة في أن لبنان يدفع في أحيان كثيرة ثمن صراعات لا يقررها وحده. فارتباط حزب الله بإيران جعله جزءا من شبكة إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، بينما أدت المواجهات المتكررة مع إسرائيل إلى تعريض الدولة والمجتمع اللبنانيين لحروب ودمار واسع. وحتى الآن لا يزال ملف سلاح حزب الله يمثل عقبة مركزية أمام تثبيت احتكار الدولة اللبنانية للسلاح؛ إذ تربط إسرائيل انسحابها من بعض الأراضي اللبنانية بنزع سلاح الحزب، بينما يرفض الحزب مناقشة نزع السلاح قبل انسحاب إسرائيل، وهو ما يخلق حلقة أمنية وسياسية مفرغة.
والدرس المشترك بين العراق واليمن ولبنان هو أن الميليشيا حين تتحول إلى مؤسسة دائمة لا تعود مجرد أداة للدفاع عن الدولة أو مواجهة خصومها، وإنما تصبح دولة داخل الدولة. وعندما تكون هذه الميليشيا مرتبطة بقوة إقليمية خارج حدود الدولة الوطنية، تصبح المشكلة أكثر تعقيدا، لأن الولاء لا يعود موزعا فقط بين الدولة والمجتمع والقوى السياسية الداخلية، وإنما يدخل إليه ولاء خارجي قادر على التأثير في القرارات الأمنية والعسكرية.
ومن هنا فإن استمرار إيران في توظيف الميليشيات المسلحة يطرح سؤالا يتجاوز حدود العلاقات الإيرانية العربية أو الإيرانية الأمريكية. فالمشكلة ليست في أن تمتلك إيران حلفاء سياسيين في الدول العربية؛ فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. المشكلة هي اعتمادها على جماعات مسلحة تستطيع استخدام القوة بصورة مستقلة عن المؤسسات الوطنية، وتستطيع في الوقت نفسه أن تمنح طهران قدرة على الضغط والمناورة دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية الكاملة لأفعالها.
وقد أثبتت الحرب الراهنة أن هذه الاستراتيجية لا تزال حاضرة بقوة. فمع توسع المواجهة الأمريكية الإيرانية، منحت طهران قادة ميدانيين في العراق قدرا أكبر من الاستقلال في إدارة عمليات الميليشيات، بما يسمح لها بالعمل في ظروف الحرب من دون الحاجة إلى موافقة مباشرة من القيادة الإيرانية على كل عملية. (AP News⁠Attachment.png) وهذه المرونة قد تمنح إيران قدرة تكتيكية على مواصلة الضغط، لكنها في المقابل تجعل المنطقة أكثر عرضة للحسابات الخاطئة والتصعيد غير المنضبط.
الدرس المشترك بين العراق واليمن ولبنان هو أن الميليشيا حين تتحول إلى مؤسسة دائمة لا تعود مجرد أداة للدفاع عن الدولة، وإنما تصبح دولة داخل الدولة
والأخطر أن استخدام الميليشيات لا يهدد الدول العربية وحدها، بل يهدد إيران نفسها على المدى البعيد. فكلما توسعت شبكات القوة المسلحة العابرة للحدود، ازداد احتمال اندلاع حروب إقليمية لا تستطيع طهران التحكم الكامل في مساراتها. كما أن الجماعات المسلحة قد تطور مصالحها الخاصة، وقد تتخذ قرارات لا تتطابق تماما مع الحسابات الإيرانية. وحينها يتحول النفوذ إلى عبء، وتصبح شبكة الحلفاء المسلحين مصدرا إضافيا لعدم الاستقرار بدلا من كونها أداة للردع.
لذلك فإن المطلوب من العراق ولبنان واليمن ليس الدخول في مواجهة مفتوحة مع المكونات الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء هذه الجماعات، وإنما بناء مسارات تدريجية لإعادة توحيد السلاح والقرار الأمني تحت سلطة الدولة. ويجب أن تكون عملية نزع السلاح أو دمج المقاتلين جزءا من تسويات سياسية وطنية واسعة، تضمن لجميع المكونات حقوقها وتمثيلها السياسي والأمني، وتمنع في الوقت نفسه استمرار وجود مراكز قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
كما أن على الدول العربية الوازنة أن تدرك أن التعامل مع هذه المشكلة لا يمكن أن يقتصر على الاحتواء العسكري. فالضربات العسكرية قد تدمر مواقع للميليشيات، لكنها لا تنهي الأسباب السياسية والاجتماعية التي تسمح لها بالبقاء، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تعزيز شرعيتها الشعبية. الحل الأكثر استدامة هو دعم بناء الدولة الوطنية، وتعزيز مؤسساتها، وفتح مسارات تفاوضية إقليمية تعالج مخاوف إيران وجيرانها في وقت واحد.
وهنا تعود قضية الأمن الجماعي في الشرق الأوسط إلى الواجهة. فإذا ظلت المنطقة محكومة بمنطق الأحلاف المسلحة والحروب بالوكالة والقوى الخارجية، فسوف تستمر إيران في استخدام الميليشيات، وسوف تستمر إسرائيل في الاعتماد على القوة العسكرية، وسوف تستمر الولايات المتحدة في إدارة أزمات المنطقة من خلال الردع والضربات العسكرية. أما إذا نشأت ترتيبات أمن جماعي حقيقية تقوم على احترام سيادة الدول واحتكارها للسلاح، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية النزاعات بالتفاوض، فإن المجال سيضيق تدريجيا أمام جميع القوى الإقليمية لاستخدام الجماعات المسلحة كأدوات للسياسة الخارجية.
إن العراق واليمن ولبنان لا يحتاجون إلى مزيد من السلاح، ولا تحتاج المنطقة إلى مزيد من الحروب بالوكالة. ما تحتاجه هو استعادة الدولة الوطنية لحقها الحصري في تنظيم القوة، وإقامة علاقات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة بدلا من النفوذ المسلح. وإذا كانت إيران تريد بالفعل الخروج من أزمتها الراهنة والحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط، فإن عليها أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يبنى إلى الأبد على شبكات الميليشيات، وأن الاعتراف بسيادة الدول العربية واستقلال قرارها السياسي والأمني هو الطريق الأكثر واقعية إلى علاقة مستقرة مع الجوار.
فالمعادلة التي تقف أمام الشرق الأوسط اليوم باتت واضحة: إما أن يستمر منطق الميليشيات والحروب بالوكالة، بما يعنيه ذلك من إضعاف للدولة الوطنية وتفكيك للمجتمعات وإدامة للصراعات، وإما أن تبدأ القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران والدول العربية وتركيا، في الانتقال من منطق إدارة النفوذ بالقوة إلى منطق الأمن الجماعي والتفاوض والتسويات السياسية. وحده الخيار الثاني يستطيع أن ينقذ العراق واليمن ولبنان من أن تظل أراضيها ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، وأن يضع الشرق الأوسط على طريق مختلف يقوم على استعادة الدولة، وحماية السيادة، وتغليب الدبلوماسية على السلاح.
    نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00