لماذا يخجل الجزائري من لغته؟
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00
قرّرت وزارة التّربية في الجزائر تدريس اللغة الإنكليزية للأطفال، بدءًا من الصفّ الثالث وتأجيل الفرنسية إلى الصفّ الرّابع. وبالتّالي تصير الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأولى في المدارس، وهذه سابقة في التّاريخ، بعدما احتلت الفرنسية هذه المرتبة منذ ستّة عقود.
هذا أمر يحتاج إلى مناقشة هادئة، أن نخوض فيه بتأن بعيدًا عن لغة التشنج أو الاستقطاب، بحكم أن الفرنسية ليست لغة المُستعمِر القديم فحسب، كما يروّج البعض، بل هي لغة قائمة بحدّ ذاتها، كما أن الجزائر ناضلت من أجل تحرّرها وكسبت بنود الاستقلال عام 1962 من موضع قوة، ولكن باللغة الفرنسية.
وهذه اللغة كانت عمودًا للحركة الوطنية في سنوات الاستعمار، ثم أن الفرنسية هي لغة الجوار، في مالي والنّيجر، وكذا في دول الساحل الإفريقي الأخرى، التي تربطها علاقات متينة مع الجزائر.
أن تحتلّ مكانتها اللغة الإنكليزية فهو أمر لا يدعو للقلق إلى هذا الحدّ، بحكم أنّها لغة واسعة الانتشار في العالم، لكن هل تتوافر البلاد على الموارد البشرية الكافية من المدرّسين؟ وهل توجد كفاءات من شأنها تعليم الأطفال الإنكليزية؟
لقد استطاعت المدارس الجزائرية أن تلقن الفرنسية بمضمون جزائري، فهل نتوافر على مناهج كافية بالإنكليزية، ولكن مضمونها جزائري؟ هذه الأسئلة كان يفترض أن تفرد لها أستوديوهات، أن تنفتح الفضائيات المحلية على هذه القضيّة، وأن ينضم إليها كذلك التّلفزيون العمومي، لكن يبدو أن الفضائيات لم تخرج من عطلتها، بالتّالي فإن نقاشها عن التّغييرات التي طرأت في التّعليم جاءت بنبرة محتشمة، ولم تخض في الموضوع بالحماسة والجدية المرجوتين!
وكأن الأمر لا يعنيها بالضرورة، مع العلم أن الطفل هو مستقبل البلد، وما يحصل له سيكون له انعكاس على البالغين. وعندما انسحبت الفضائيات من هذا النّقاش، تحوّل الموضوع إلى روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، صار أهل الفيسبوك و»تيك توك» يناقشون مستقبل الأطفال، ويشيرون على أهل البيداغوجيا بفضائل ومساوئ كلّ لغة.
لقد ناب أصحاب الحسابات الافتراضية عن أصحاب الخبرات الواقعية، وصارت قضية جادّة تتعلّق باللغات في المدرسة حكرًا على جدال في المنصات الرّقمية.
وعندما يدخل نقاش إلى الـ»سوشيال ميديا» فلا بدّ أن يفقد قيمته ويتحوّل إلى ثرثرة، لذلك فإن الأحاديث التي دارت، في الأيام الأخيرة، لم تذهب إلى لبّ الأشياء، بل ظلّت تدور في المفاضلة بين الفرنسية والإنكليزية، في ترويج كلمات من قاموس الشعبوية، بين من يقول إن الفرنسية ميراث استعماري، ومن يقول إن الإنكليزية لغة العالم، وهو كلام لا يفيد التّلميذ ولا التّعليم. كما تحوّلت هذه القضية إلى صراع لا يفضي إلى نتيجة بين إسلامويين ويساريين.
وفي خضم هذه المعركة الرّقمية، التي لا تزال تدور وقائعها حتى الساعة، يغيب سؤال مهمّ: ما هي الإصلاحات التي تنوي وزارة التّربية إدخالها على تعليم اللغة العربية؟ لماذا نعيش هوسا باللغات الأجنبية ونتغافل عن اللغة الوطنيّة؟
تعيش اللغة العربية في الجزائر غربة لا تُحسد عليها، يظنّ البعض أن الحديث بالعامية يعني تمكنًا من الفصحى، ورغم أنها اللغة الوطنية، ولغة دستورية، وأسند لها مجلس أعلى في صيانتها وتطويرها، فهذه اللغة تعاني من اعوجاج على الألسنة، وتكفي مشاهدة الفضائيات المحلية والإصغاء إلى لسان المذيعين لندرك أنهم يتفننون في تفتيت اللغة وسحلها، أما إذا خرجنا إلى الشارع فإن المشهد يزداد قتامة، ونكاد لا نعرف ما هي اللغة التي يتحدّث بها النّاس، بل إنها مزيج من كلّ شيء وتتداخل فيها اللغات واللهجات إلى درجة يصعب أن نطلق عليها: لغة عربية.
الطريف في الأمر أن الذين يتخاصمون بشأن الفرنسية والإنكليزية خاضوا في الكلام بلغة عربية مهزوزة، بما يعني أنهم أنفسهم لا يتقنون لغتهم الوطنية.
وقد ساد اعتقاد وتكرّس منذ عقود أن اللغات الأجنبية في الجزائر هي ممرّ إلى سوق العمل، وكسب السمعة الاجتماعية، وأن العربية ليست سوى لغة الدّين والمساجد.
إن الخطوة الأولى صوب تخليص الجزائر من سطوة التشدّد في العقيدة وفي الممارسة الدّينية تبدأ من تخليص اللغة العربية من حمولتها الدّينية، وإعادتها إلى أصلها بوصفها لغة تفكير وتأمل وتواصل.
وبدل أن يتوجّه النّقاش حول التّعديلات التي أدخلت على اللغات في المدرسة، بدل أن يتوجه إلى سبل تطوير هذه اللغة العربية وأن تستعيد توازنها، انحرف النقاش في إعلاء من قيمة لغة أجنبية على حساب أخرى، وكأن الجزائري يخجل من لغته الوطنية، يريد أن يتماهى مع الغرب في اللسان لا العمل، في الشكل لا في الفحوى، يريد أن يصير شبيهًا بالإنكليزي في لغته ولا يعلم أن الإنكليزي نفسه يدافع عن لغته القومية.
أن تصير الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأولى في المدرسة أو تستعيد الفرنسية مكانتها، فهذا لا يغير من الواقع شيئًا. بحكم أن العربية تعيش تحت الظلّ، ولم تجد مكانة لها تحت الشمس.
يكفي أن نطوف المكتبات القليلة في الجزائر العاصمة ونرى أنها تعرض في واجهاتها كتبًا بالفرنسية، ثم تخفي الكتب بالعربية في الدّاخل، وكأنّها تخفي عيبًا!
يكفي أن نتابع هذا الاهتمام من طرف السلطة بكتّاب بالفرنسية ثم تغاضيها عن كتّاب باللغة العربية، كي ندرك حجم الفجوة التي نحيا فيها. لقد عجّت مواقع التواصل في البلاد بنقاش بين الفرنسية والإنكليزية والخاسر هو اللغة العربية.
ولحدّ الساعة لا نزال ننتظر إجابة من وزارة التّربية: ما هو العمل من أجل إصلاح اللسان العربي وتحريره من المخيّلة الدّينية؟
كاتب من الجزائر
هذا أمر يحتاج إلى مناقشة هادئة، أن نخوض فيه بتأن بعيدًا عن لغة التشنج أو الاستقطاب، بحكم أن الفرنسية ليست لغة المُستعمِر القديم فحسب، كما يروّج البعض، بل هي لغة قائمة بحدّ ذاتها، كما أن الجزائر ناضلت من أجل تحرّرها وكسبت بنود الاستقلال عام 1962 من موضع قوة، ولكن باللغة الفرنسية.
وهذه اللغة كانت عمودًا للحركة الوطنية في سنوات الاستعمار، ثم أن الفرنسية هي لغة الجوار، في مالي والنّيجر، وكذا في دول الساحل الإفريقي الأخرى، التي تربطها علاقات متينة مع الجزائر.
أن تحتلّ مكانتها اللغة الإنكليزية فهو أمر لا يدعو للقلق إلى هذا الحدّ، بحكم أنّها لغة واسعة الانتشار في العالم، لكن هل تتوافر البلاد على الموارد البشرية الكافية من المدرّسين؟ وهل توجد كفاءات من شأنها تعليم الأطفال الإنكليزية؟
لقد استطاعت المدارس الجزائرية أن تلقن الفرنسية بمضمون جزائري، فهل نتوافر على مناهج كافية بالإنكليزية، ولكن مضمونها جزائري؟ هذه الأسئلة كان يفترض أن تفرد لها أستوديوهات، أن تنفتح الفضائيات المحلية على هذه القضيّة، وأن ينضم إليها كذلك التّلفزيون العمومي، لكن يبدو أن الفضائيات لم تخرج من عطلتها، بالتّالي فإن نقاشها عن التّغييرات التي طرأت في التّعليم جاءت بنبرة محتشمة، ولم تخض في الموضوع بالحماسة والجدية المرجوتين!
وكأن الأمر لا يعنيها بالضرورة، مع العلم أن الطفل هو مستقبل البلد، وما يحصل له سيكون له انعكاس على البالغين. وعندما انسحبت الفضائيات من هذا النّقاش، تحوّل الموضوع إلى روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، صار أهل الفيسبوك و»تيك توك» يناقشون مستقبل الأطفال، ويشيرون على أهل البيداغوجيا بفضائل ومساوئ كلّ لغة.
لقد ناب أصحاب الحسابات الافتراضية عن أصحاب الخبرات الواقعية، وصارت قضية جادّة تتعلّق باللغات في المدرسة حكرًا على جدال في المنصات الرّقمية.
وعندما يدخل نقاش إلى الـ»سوشيال ميديا» فلا بدّ أن يفقد قيمته ويتحوّل إلى ثرثرة، لذلك فإن الأحاديث التي دارت، في الأيام الأخيرة، لم تذهب إلى لبّ الأشياء، بل ظلّت تدور في المفاضلة بين الفرنسية والإنكليزية، في ترويج كلمات من قاموس الشعبوية، بين من يقول إن الفرنسية ميراث استعماري، ومن يقول إن الإنكليزية لغة العالم، وهو كلام لا يفيد التّلميذ ولا التّعليم. كما تحوّلت هذه القضية إلى صراع لا يفضي إلى نتيجة بين إسلامويين ويساريين.
وفي خضم هذه المعركة الرّقمية، التي لا تزال تدور وقائعها حتى الساعة، يغيب سؤال مهمّ: ما هي الإصلاحات التي تنوي وزارة التّربية إدخالها على تعليم اللغة العربية؟ لماذا نعيش هوسا باللغات الأجنبية ونتغافل عن اللغة الوطنيّة؟
تعيش اللغة العربية في الجزائر غربة لا تُحسد عليها، يظنّ البعض أن الحديث بالعامية يعني تمكنًا من الفصحى، ورغم أنها اللغة الوطنية، ولغة دستورية، وأسند لها مجلس أعلى في صيانتها وتطويرها، فهذه اللغة تعاني من اعوجاج على الألسنة، وتكفي مشاهدة الفضائيات المحلية والإصغاء إلى لسان المذيعين لندرك أنهم يتفننون في تفتيت اللغة وسحلها، أما إذا خرجنا إلى الشارع فإن المشهد يزداد قتامة، ونكاد لا نعرف ما هي اللغة التي يتحدّث بها النّاس، بل إنها مزيج من كلّ شيء وتتداخل فيها اللغات واللهجات إلى درجة يصعب أن نطلق عليها: لغة عربية.
الطريف في الأمر أن الذين يتخاصمون بشأن الفرنسية والإنكليزية خاضوا في الكلام بلغة عربية مهزوزة، بما يعني أنهم أنفسهم لا يتقنون لغتهم الوطنية.
وقد ساد اعتقاد وتكرّس منذ عقود أن اللغات الأجنبية في الجزائر هي ممرّ إلى سوق العمل، وكسب السمعة الاجتماعية، وأن العربية ليست سوى لغة الدّين والمساجد.
إن الخطوة الأولى صوب تخليص الجزائر من سطوة التشدّد في العقيدة وفي الممارسة الدّينية تبدأ من تخليص اللغة العربية من حمولتها الدّينية، وإعادتها إلى أصلها بوصفها لغة تفكير وتأمل وتواصل.
وبدل أن يتوجّه النّقاش حول التّعديلات التي أدخلت على اللغات في المدرسة، بدل أن يتوجه إلى سبل تطوير هذه اللغة العربية وأن تستعيد توازنها، انحرف النقاش في إعلاء من قيمة لغة أجنبية على حساب أخرى، وكأن الجزائري يخجل من لغته الوطنية، يريد أن يتماهى مع الغرب في اللسان لا العمل، في الشكل لا في الفحوى، يريد أن يصير شبيهًا بالإنكليزي في لغته ولا يعلم أن الإنكليزي نفسه يدافع عن لغته القومية.
أن تصير الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأولى في المدرسة أو تستعيد الفرنسية مكانتها، فهذا لا يغير من الواقع شيئًا. بحكم أن العربية تعيش تحت الظلّ، ولم تجد مكانة لها تحت الشمس.
يكفي أن نطوف المكتبات القليلة في الجزائر العاصمة ونرى أنها تعرض في واجهاتها كتبًا بالفرنسية، ثم تخفي الكتب بالعربية في الدّاخل، وكأنّها تخفي عيبًا!
يكفي أن نتابع هذا الاهتمام من طرف السلطة بكتّاب بالفرنسية ثم تغاضيها عن كتّاب باللغة العربية، كي ندرك حجم الفجوة التي نحيا فيها. لقد عجّت مواقع التواصل في البلاد بنقاش بين الفرنسية والإنكليزية والخاسر هو اللغة العربية.
ولحدّ الساعة لا نزال ننتظر إجابة من وزارة التّربية: ما هو العمل من أجل إصلاح اللسان العربي وتحريره من المخيّلة الدّينية؟
كاتب من الجزائر
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00