حزب العدالة والتنمية في ربع قرن

بكر صدقي
نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00
في ظل مناخ إقليمي عاصف، وبيئة داخلية متوترة، احتفل حزب العدالة والتنمية في تركيا، قبل أيام، بذكرى تأسيسه الخامسة والعشرين، منها 24 عاماً في السلطة بصورة متصلة. ستحاول الأسطر التالية تقديم تاريخ موجز للحزب، في أبرز محطاته، وما حققه في تركيا من تغييرات، وما طرأ عليه من تحولات وتقلبات.
تعود جذور هذا الحزب إلى تيار «مللي غوروش» الإسلامي الذي أسسه، في أواخر الستينيات، نجم الدين أربكان. وصعد نجم أربكان وحزبه، بسرعة، في عقد السبعينيات، فشارك في عدد من الحكومات الائتلافية، إلى أن جاء انقلاب كنعان إفرين في العام 1980 الذي ألغى الحياة السياسية، فحل الأحزاب، واعتقل بعض قادتها، وحكم على الجميع بالحرمان من مزاولة العمل السياسي. لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، فبعد استلام تورغوت أوزال رئاسة الحكومة، في العام 1983، عادت الحياة السياسية، وأعيد تشكيل الأحزاب التي تم حلها بأسماء جديدة، وأحدها حزب الرفاه بقيادة أربكان. وفي منتصف التسعينيات ترأس أربكان حكومة ائتلافية للمرة الأولى في تاريخ الحركة السياسية الإسلامية. لكن قيادة الجيش سرعان ما تدخلت بفظاظة ووجهت إليه إنذارها الشهير في العام 1998، فقدم استقالته، ثم أصدرت المحكمة الدستورية قراراً بحل الحزب الذي عاد وشكل نفسه تحت اسم «حزب الفضيلة». لكن قرارات الحظر لم تتوقف، وأدى ذلك، عشية الألفية الجديدة إلى نقاشات داخلية حامية برز فيها تياران: التقليدي والمجدّد، سرعان ما افترقت بهما السبل، فاتجه التقليديون إلى تأسيس حزب السعادة، في حين قام تيار التجديد بتأسيس حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وعبد الله غل.
في أول انتخابات عامة تلت تأسيس الحزب الجديد فاز بنسبة 34% من أصوات الناخبين، فشكل حكومة بمفرده، وذلك بسبب سقوط أحزاب اليمين ويمين الوسط تحت حاجز 10%، وبالتالي توزع أصواتها بين الحزبين الكبيرين. وقد شكل الحكومة الأولى عبد الله غل، بسبب قرار قضائي بحرمان أردوغان من النشاط السياسي. لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، فتم تعديل الدستور بأصوات نواب كلا الحزبين (العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري)، ثم أعيد انتخاب أردوغان نائباً في البرلمان في انتخابات تكميلية بعد شغور أحد المقاعد. فقام غل بـ»تسليم الأمانة» لأردوغان الذي أصبح رئيساً للحكومة (2003).
في العام نفسه جرى تصويت في البرلمان على طلب أمريكي باستخدام الأراضي التركية في غزو العراق، وكان أردوغان يدافع عن قرار الموافقة الذي لم يحصل على الغالبية المطلوبة. شكل هذا القرار برفض الطلب الأمريكي منعطفاً مهماً في مسيرة حزب العدالة والتنمية، فأدى من جهة أولى إلى فتور في العلاقات مع واشنطن، ومن جهة أخرى إلى صعود نجم تركيا إقليمياً وخاصة على المستوى الشعبي.
يقسم المحللون الأتراك بين مرحلتين متمايزتين في مسيرة «العدالة والتنمية» في السلطة، وإن كانوا يختلفون في تحديد نقطة التحول تاريخياً. ولكن يمكن القول إن الفترة الأولى الممتدة من 2002 إلى 2013، هي فترة الإنجازات الكبيرة، ففيها تم التغلب على الأزمة الاقتصادية الحادة التي كانت قد أودت بالحكومة الائتلافية التي سبقت حكم العدالة والتنمية. وفيها تم تحجيم دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وكسر هيمنتها. وفيها تم تطبيق الكثير من معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وما عناه ذلك من اتساع مساحة الحريات العامة والخاصة، وتحرير السوق وربطها بالاقتصاد العالمي، واستقرت قيمة العملة المحلية مقابل العملات الصعبة، وتمت حماية الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، وساد مبدأ الفصل بين السلطات…
كان الانكسار الأول في ربيع العام 2013، حين أدت المواجهة العنيفة للشرطة لجماعة مدافعة عن البيئة كانت في وقفة احتجاجية على قطع أشجار حديقة «غزي» في ساحة تقسيم في إسطنبول إلى تحول الوضع إلى انتفاضة شعبية شاركت فيها كل التيارات السياسية المناهضة للسلطة، وامتدت الاحتجاجات إلى مختلف المدن التركية، وسقط قتلى وجرحى، في أول مواجهة عنيفة مع المدنيين. تمكنت قوات الأمن من إخماد هذه الحركة بالقوة في غضون ثلاثة أسابيع. وتزامن ذلك إقليمياً مع الانقلاب العسكري في مصر الذي أنهى حكم الإخوان المسلمين، كما مع تعمق التدخل التركي في سوريا بدعم الجماعات المناهضة لنظام الأسد واحتضان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتسهيل تسلل الجهاديين الأجانب إلى سوريا من جهة، والتساهل مع تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا من جهة أخرى.
احتفل حزب العدالة والتنمية في تركيا، قبل أيام، بذكرى تأسيسه الخامسة والعشرين، منها 24 عاماً في السلطة
واكتملت محنة السلطة في أواخر العام نفسه حين قامت جماعة فتح الله غولن بنشر تسريبات تثبت ضلوع عدد من الوزراء، وأردوغان نفسه وعائلته، في عمليات فساد كبيرة. الجماعة الإسلامية التي كان يقودها غولن، كانت حليفة لحزب العدالة والتنمية إلى حين تضاربت المصالح بينهما، فبدأت السلطة بالتضييق على أنشطتها، لترد الجماعة بتلك الضربة القاسية. لكن أردوغان تمكن من التغلب على هذه الأزمة وحقق حزبه فوزاً انتخابياً كبيراً في الانتخابات المحلية بعد ثلاثة أشهر، فاستعادت السلطة شيئاً من ثقتها المهزوزة، وخاضت حرباً لا هوادة فيها ضد جماعة غولن المتغلغلة في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى محاولة انقلابية فاشلة قام بها، في تموز 2016، بعض ضباط الجيش من الموالين للداعية الإسلامي. فشكلت هذه المحاولة نقطة اللاعودة في مسار السلطة الانحداري بالقياس إلى مرحلتها الأولى.
فقد اتجهت السلطة إلى مزيد من التضييق على الحياة السياسية، فاستخدمت القضاء الذي بات تابعاً إلى حد كبير للسلطة التنفيذية، في تصفية خصومها السياسيين، بالتوازي مع تراجع شعبية الحزب الحاكم الذي مضى بعيداً عن مناخ التأسيس المفعم بالآمال العريضة، فتحول إلى جهاز بيروقراطي متداخل مع جهاز الدولة. لقد أصبح حزب السلطة، فنبذ كوادره المؤسسين تباعاً، كعبد الله غل وأحمد داوود أوغلو وعبد اللطيف شنر وبولند آرنج وغيرهم، ليحل محلهم جيل جديد من المداهنين الانتهازيين ممن لا علاقة تربطهم بإرث الحركة الإسلامية. كما تم استتباع وسائل الإعلام ونبذ الأقلام المستقلة منها، فتحول قسم كبير منها إلى أبواق للسلطة بعيداً عن وظيفتها الرقابية والنقدية.
ومحل جماعة غولن حل حليف جديد تمثل في حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، تغلغل في الجهاز البيروقراطي، الأمن والقضاء بصورة خاصة، منذ ما بعد الانقلاب العسكري. هذا الحليف الجديد دعم طموحات أردوغان السلطوية فتم تحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي تمركزت فيه كل السلطات بيد أردوغان.
يتوقع كثير من المحللين الأتراك المستقلين أن ينتهي الحزب بانتهاء قيادة أردوغان على رأس الدولة. فالحزب الذي بدأ بزخم شعبي تجاوز البيئة الإسلامية المحافظة في بداياته، تحول أولاً إلى حزب الدولة، وأخيراً إلى حزب الرئيس. والهدف المعلن حالياً هو إيجاد طريقة تسمح لأردوغان بالترشح لولاية رئاسية جديدة، وصنع بيئة تضمن فوزه في الانتخابات المقبلة أمام أي مرشح معارض.
وتحاول السلطة تقديم ما تعتبره نجاحاً في وزن تركيا الإقليمي والدولي تعويضاً عن فشلها في التغلب على الأزمة الاقتصادية. وما تعتبره حلاً لمشكلة تركيا الكردية تعويضاً عن تغولها السياسي ومحاربتها لصعود المعارضة في الرأي العام.
٭ كاتب سوري
    نيسان ـ نشر في 2026/08/18 الساعة 00:00