من يدري يا معالي المعارض؟.. قد يحتاج الوطن إلى تضحياتك مرة أخرى
نيسان ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
لا أدري إن كان الطريق إلى بعض المناصب الرفيعة في الأردن ما زال يمر بمحطة المعارضة، لكن بعض المسؤولين السابقين يتصرفون كما لو أن الخريطة القديمة ما تزال صالحة: غادر الكرسي ثم ارفع صوتك قليلا..اكتشف أوجاع الناس فجأة ثم أبق الهاتف قريبا منك. فقد يرن.
كان الأمر أشبه بكلمة سر حفظها البعض، ما إن يغادر المسؤول موقعه حتى يكتشف أن للحكومة أخطاء، وللاقتصاد أزمات، وللحريات أوجاعا، وأن الناس الذين كان يراهم من خلف زجاج السيارة الرسمية لديهم مشكلات حقيقية.
يكتب معاليه منشورا غاضبا، ثم آخر أشد غضبا، ويجلس في الصالونات السياسية مستعيدا حاسة النقد التي يبدو أن المنصب كان قد عطلها مؤقتا.
ثم ينظر إلى الساعة.
إذا رن الهاتف في منتصف الليل لا يستيقظ مذعورا كبقية البشر، يبتسم ابتسامة النصر، يعدل حمالات بنطاله وهو ما يزال في فراشه، ويرتب ملامحه استعدادا للتضحية الوطنية الجديدة.
فالوطن يناديه، ومن يكون هو حتى يرفض نداء الوطن؟
في السادسة مساء يكون معاليه قد اكتشف أن الاقتصاد يتهاوى، وأن الإدارة العامة تحتاج إلى ثورة، وأن الحريات ليست بخير، في الثامنة يأتي الهاتف وفي التاسعة يبدأ البحث عن كرافتة تليق بحلف اليمين.
وفي الصباح يقف أمام الكاميرات ليعلن بوقار أن "المرحلة الدقيقة تتطلب رص الصفوف وتأجيل الخلافات".
وهكذا، بعد تجربة معارضة استمرت ثلاث ساعات وربع الساعة، يتحول الكرسي من جزء من المشكلة إلى "موقع مسؤولية وتكليف لا تشريف".
أما المواطن الأردني، فقد شاهد الفيلم بما يكفي ليحفظ الحوار قبل الممثلين. لم يعد يسأل من أصبح وزيرا، بل كم استغرقت فترة المعارضة التي سبقت الوزارة. والمشكلة ليست في أن يغير المسؤول موقفه؛ فالسياسة ليست عقدا أبديا مع الموالاة أو المعارضة، المشكلة عندما تصبح المسافة بين الموقفين أقصر من أن تتسع لمبدأ.
عندها تصبح المعارضة أشبه بـإجازة غير مدفوعة الأجر من السلطة؛ يخرج إليها المسؤول قليلا، يتنفس هواء الناس، يكتشف البطالة والفقر وغلاء الأسعار، ثم يعود إلى مكتبه عندما تستدعي "المصلحة الوطنية" ذلك.
ولهذا، ربما لا يحتاج الطامح إلى منصب إلى كثير من العلوم السياسية والاقتصاد، يكفي أن يرفع صوته قليلا عن الحريات، وينتقد الموازنة، ويتحدث عن البطالة وسعر البندورة، ثم يضع هاتفه قرب الوسادة.
لكن وراء النكتة سؤالا ثقيلا: إذا كان المسؤول لا يرى أخطاء السلطة إلا عندما يغادرها، ثم يتوقف عن رؤيتها بمجرد أن يعود إليها، فأين كان موقفه الحقيقي في المرتين؟
أما الهاتف، فأبقه قريبا يا معاليك.
من يدري يا صاحب المعالي المعارض؟ قد يحتاج الوطن إلى تضحياتك مرة أخرى.
لا أدري إن كان الطريق إلى بعض المناصب الرفيعة في الأردن ما زال يمر بمحطة المعارضة، لكن بعض المسؤولين السابقين يتصرفون كما لو أن الخريطة القديمة ما تزال صالحة: غادر الكرسي ثم ارفع صوتك قليلا..اكتشف أوجاع الناس فجأة ثم أبق الهاتف قريبا منك. فقد يرن.
كان الأمر أشبه بكلمة سر حفظها البعض، ما إن يغادر المسؤول موقعه حتى يكتشف أن للحكومة أخطاء، وللاقتصاد أزمات، وللحريات أوجاعا، وأن الناس الذين كان يراهم من خلف زجاج السيارة الرسمية لديهم مشكلات حقيقية.
يكتب معاليه منشورا غاضبا، ثم آخر أشد غضبا، ويجلس في الصالونات السياسية مستعيدا حاسة النقد التي يبدو أن المنصب كان قد عطلها مؤقتا.
ثم ينظر إلى الساعة.
إذا رن الهاتف في منتصف الليل لا يستيقظ مذعورا كبقية البشر، يبتسم ابتسامة النصر، يعدل حمالات بنطاله وهو ما يزال في فراشه، ويرتب ملامحه استعدادا للتضحية الوطنية الجديدة.
فالوطن يناديه، ومن يكون هو حتى يرفض نداء الوطن؟
في السادسة مساء يكون معاليه قد اكتشف أن الاقتصاد يتهاوى، وأن الإدارة العامة تحتاج إلى ثورة، وأن الحريات ليست بخير، في الثامنة يأتي الهاتف وفي التاسعة يبدأ البحث عن كرافتة تليق بحلف اليمين.
وفي الصباح يقف أمام الكاميرات ليعلن بوقار أن "المرحلة الدقيقة تتطلب رص الصفوف وتأجيل الخلافات".
وهكذا، بعد تجربة معارضة استمرت ثلاث ساعات وربع الساعة، يتحول الكرسي من جزء من المشكلة إلى "موقع مسؤولية وتكليف لا تشريف".
أما المواطن الأردني، فقد شاهد الفيلم بما يكفي ليحفظ الحوار قبل الممثلين. لم يعد يسأل من أصبح وزيرا، بل كم استغرقت فترة المعارضة التي سبقت الوزارة. والمشكلة ليست في أن يغير المسؤول موقفه؛ فالسياسة ليست عقدا أبديا مع الموالاة أو المعارضة، المشكلة عندما تصبح المسافة بين الموقفين أقصر من أن تتسع لمبدأ.
عندها تصبح المعارضة أشبه بـإجازة غير مدفوعة الأجر من السلطة؛ يخرج إليها المسؤول قليلا، يتنفس هواء الناس، يكتشف البطالة والفقر وغلاء الأسعار، ثم يعود إلى مكتبه عندما تستدعي "المصلحة الوطنية" ذلك.
ولهذا، ربما لا يحتاج الطامح إلى منصب إلى كثير من العلوم السياسية والاقتصاد، يكفي أن يرفع صوته قليلا عن الحريات، وينتقد الموازنة، ويتحدث عن البطالة وسعر البندورة، ثم يضع هاتفه قرب الوسادة.
لكن وراء النكتة سؤالا ثقيلا: إذا كان المسؤول لا يرى أخطاء السلطة إلا عندما يغادرها، ثم يتوقف عن رؤيتها بمجرد أن يعود إليها، فأين كان موقفه الحقيقي في المرتين؟
أما الهاتف، فأبقه قريبا يا معاليك.
من يدري يا صاحب المعالي المعارض؟ قد يحتاج الوطن إلى تضحياتك مرة أخرى.
نيسان ـ نشر في 2026/08/19 الساعة 00:00