العثمانيون ودبلوماسية المائدة

توران قشلاقجي
نيسان ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 00:00
ينبغي دائما عدم قراءة التاريخ من خلال الحروب والمعاهدات وصراعات العرش؛ ففي أحيان كثيرة، قد تكشف تفاصيل صغيرة، كطبق طعام، أو لحظة تردد على مائدة، أو حتى كلمة عجز طاهٍ عن فهمها، جوانب أكثر دلالة من أحداث كبرى.
جان دو لافوريه، أحد أوائل السفراء الفرنسيين المقيمين لدى الدولة العثمانية، وصل إلى دار السعادة، إسطنبول، عام 1535، في عهد السلطان سليمان القانوني. وبينما كان السفير يتفاوض مع الصدر الأعظم إبراهيم باشا البرغلي بشأن الامتيازات السياسية والتجارية، لم يكن النفوذ العثماني وحده ما لفت انتباهه في إسطنبول، بل استحوذ مطبخ القصر أيضاً على إعجابه. وهناك رواية تقول إن ملك فرنسا فرانسوا الأول، عندما عاد سفيره من إسطنبول، سأله قبل أن يستفسر عن مهمته الدبلوماسية: «لا تخبرني بما رأيت، بل أخبرني بما أكلت؛ كيف كانت أطعمتهم؟». فاستعاد لافوريه أطباق الموتانجانة، وكباب الدجاج المكسّر، ومحشي الشمام، وأطباق الأرز، والحلويات والشرابات التي تذوقها في إسطنبول، ثم أشار إلى بطنه قائلاً: «لديهم مطبخ رائع يا جلالتك؛ انظر إلى ما أصبحت عليه في غضون بضعة أشهر!».
إثر ذلك، قرر الملك إرسال طاهٍ فرنسي إلى إسطنبول، فعمل الطاهي في مطبخ القصر أشهرا، وانتظر بجوار القدور، وراقب الطباخين، وتعلم الوصفات، ثم عاد في النهاية إلى باريس. وعندما سأله الملك: «هل أصبحت الآن قادرا على إعداد جميع الأطعمة؟»، أجاب: «نعم يا جلالتك، لكنني لم أتمكن من تعلم ثلاثة أشياء». كان الطهاة الأتراك يستخدمون باستمرار العبارة نفسها: «ملح بقدر الحاجة، زيت بقدر الحاجة، وطبخ بقدر الحاجة». لقد تعلم الطاهي الفرنسي جميع المكونات، لكنه لم يتمكن من معرفة كم غراما، وكم ملعقة، وكم دقيقة تعني كلمة «بقدر الحاجة» هذه. ولعل سر المطبخ العثماني، بل حتى سر الحضارة العثمانية إذا ذهبنا أبعد قليلا، كان يكمن هنا تحديداً: «بقدر الحاجة». لا زيادة ولا نقصان؛ مقياس وقوام وتوازن. فما كان الغرب يبحث عنه بأدوات القياس، كان الشرق يجده أحيانا من خلال الخبرة والحدس والذاكرة المتراكمة بين يدي المعلم. مرت أكثر من ثلاثة قرون، وهذه المرة تغير اتجاه المائدة. ففي 21 يونيو 1867، خرج السلطان عبد العزيز في رحلة إلى أوروبا برفقة ابني أخويه، الأمير مراد والأمير عبد الحميد. وكان أول سلطان عثماني يذهب إلى أوروبا من دون أن يكون هدفه فتحا أو حملة عسكرية. وجلس في باريس إلى موائد نابليون الثالث، وفي لندن إلى مائدة الملكة فيكتوريا، وفي فيينا إلى مائدة الإمبراطور فرانز يوزف. فبعد أن كان السفير الفرنسي قبل ثلاثمئة عام يراقب مائدة القصر العثماني بإعجاب، كان السلطان العثماني الآن يُستقبل في قصور أوروبا. ولم تتغير الموائد وحدها، بل تغير أيضا ميزان القوى في العالم. ففي عهد سليمان القانوني كانت أوروبا تحاول فهم إسطنبول، بينما كان العثمانيون في القرن التاسع عشر يتابعون عن كثب لغة أوروبا الدبلوماسية وتقنياتها وبروتوكولاتها.
ما كان الغرب يبحث عنه بأدوات القياس، كان الشرق يجده أحيانا من خلال الخبرة والحدس والذاكرة المتراكمة بين يدي المعلم
لكن عبد العزيز لم يترك عالمه في إسطنبول عندما ذهب إلى أوروبا. ويقول خلوق يوسف شهسوار أوغلو، في كتابه القيّم «السلطان عزيز: حياته الخاصة والسياسية، وعصره ووفاته»، أن السلطان اصطحب معه طهاته الخاصين من منطقة بولو لإعداد أطباقه الخاصة. وكان من أكثر الأمور التي أثارت فضول الصحافة البريطانية أيضا مسألة ما إذا كان السلطان يأكل اللحوم. هل كان سيتم ذبح الحيوانات وفقا للطرق الإسلامية؟ وهل اصطحب السلطان جزارَه الخاص؟ وهل كان سيمتنع عن أكل اللحوم في إنكلترا؟ حتى مجلة «بانش» الساخرة الشهيرة جعلت من المسألة موضوعا لها. فخليفة كانت أوروبا قد رأته على مدى قرون في ساحات القتال، أصبح الآن يجلس إلى مائدة في لندن؛ وما سيأكله، وكيف سيُذبح لحمه، وكيف سيمسك بالشوكة، كلها أمور دخلت في أجندة الصحف. لقد وصلت الدبلوماسية، فعليا، إلى المطبخ. في باريس، كانت الولائم الفخمة التي يقيمها نابليون الثالث تضم ممثلي الأسر الحاكمة الأوروبية، ومئات المدعوين من الشخصيات المرموقة، وأطقم تقديم من الذهب والفضة. وكانت الأطباق تقدم على مراحل وفق تقاليد المطبخ الفرنسي الراقي «أوت كوزين». لكن أنظار الصحافة الأوروبية كانت منصبة على السلطان أكثر من الطعام: كيف سيجلس؟ كيف سيستخدم الشوكة والسكين؟ وهل سيتمكن من الالتزام بالبروتوكول الأوروبي؟ ولم تظهر الصورة التي كانت الصحافة الأوروبية المعتادة على النظر فيها بتعالٍ إلى حكام الشرق تتوقعها، أي صورة «الحاكم الشرقي» الغريب والمندهش. وتذكر المصادر أن عبد العزيز كان شديد الوقار حول المائدة، وقليل الكلام، يتناول طعامه ببطء، ولم يواجه أي صعوبة في استخدام الشوكة والسكين، وفق الطريقة الغربية، وهكذا اجتاز السلطان بامتياز ذلك الاختبار الحضاري الغريب الذي أعدته له أوروبا على طريقتها.
وتدور رواية لطيفة أخرى حول الرحلة، حدثت حول موائد الطعام في إنكلترا. فحسب ما يُروى، كانت توضع أمام الضيوف أوعية صغيرة من الماء لتنظيف أصابعهم. ولما لم يُشرح للسلطان الغرض من وضعها، رفع عبد العزيز الوعاء وشرب الماء. ففوجئ الجالسون إلى المائدة للحظة، ثم بدأ الجميع يشربون الماء الموجود أمامهم حتى لا يحرجوا السلطان. ولا يوجد مصدر تاريخي قاطع لهذه الحكاية؛ لكن سواء أكانت حقيقية أم لا، فإنها تحكي أرقى جوانب الدبلوماسية: فعندما يُخرق البروتوكول أحيانا من أجل عدم إحراج الطرف المقابل، فإنه يتحول إلى تحضر. وكان الأمير مراد، الذي يتحدث الفرنسية ويعزف البيانو ومطلع على الثقافة الغربية، من الشخصيات الأخرى التي حظيت باهتمام الصحافة الأوروبية. ومن المؤسف أن مصير العم وابن أخيه، اللذين استقبلا بإعجاب في القصور الأوروبية، كان بالغ القسوة بعد عودتهما إلى إسطنبول.
والآن ضعوا المائدتين جنبا إلى جنب: في عام 1535، كان السفير الفرنسي يحاول فك سر المطبخ العثماني؛ وفي عام 1867، كان السلطان العثماني يجلس إلى موائد باريس ولندن تحت أنظار أوروبا الفضولية. بين المشهدين ثلاثة قرون وعالم متغير. لكن المسألة الأساسية ليست من جلس إلى مائدة من، بل أن يتمكن المرء من الحفاظ على ذاته وهو يجلس إلى مائدة الآخر. فقد التزم عبد العزيز بالبروتوكول الأوروبي، لكنه اصطحب معه طهاته من بولو؛ واستخدم الشوكة والسكين، لكنه لم يترك حساسياته الخاصة خارج الباب. ولعل كلمة «بقدر الحاجة» التي عجز طاهي لافوريه عن فهمها قبل خمسة قرون، ليست سر المطبخ وحده، بل سر الحضارة أيضا؛ ملح بقدر الحاجة، وزيت بقدر الحاجة، وطبخ بقدر الحاجة؛ وقوة بقدر الحاجة، وفخامة بقدر الحاجة، وكلام بقدر الحاجة، وصمت بقدر الحاجة، لأن الوصفة قد تكون بين يديك، لكن إذا كنت لا تعرف معنى «بقدر الحاجة»، فإن المذاق سيظل في يد الآخر.
كاتب تركي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 00:00