هل حان وقت طي صفحة الميليشيات في اليمن؟
نيسان ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 00:00
منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 وحتى هذه اللحظة ظل الحوثيون يرفضون أية فرصة للحل السلمي في البلاد، معتقدين أن بإمكانهم بما تحصلوا عليه من سلاح من الداعم الإيراني، وبالسلاح الذي سيطروا عليه من مخازن الجيش اليمني، بعد سيطرتهم على العاصمة ومعظم المحافظات، ظلوا يعتقدون أنهم القوة التي لن تضعف مع مرور الوقت، ما شجعهم على المضي في رفض كافة الحلول السلمية التي طرحت منذ جنيف 1 إلى جنيف 2 إلى الكويت، إلى استكهولم، وما تخلل ذلك من محادثات ولقاءات كثيرة.
وقد ساعدت الجهات التي صاغت عبارة «الحل العسكري وصل إلى طريق مسدود»، ساعدت الحوثيين على الاعتقاد بأنهم سيظلون في مأمن من إسقاطهم عسكرياً، خاصة بعد وقف معركة الحديدة التي كانت القوات الحكومية تقترب من تحريرها من قبضة الحوثيين، حين ظن الحوثيون أن الحرب في اليمن انتهت، أو ستنتهي لصالحهم، وبدأوا في توسيع عملياتهم العسكرية، باتجاه محافظات أخرى، في الجوف ومأرب والبيضاء وشبوة والساحل الغربي، الأمر الذي جعلهم يعتقدون أنهم أصبحوا في مأمن من تداعيات أية معركة أخرى.
لكن الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن كما وصف رئيس وزرائها الأسبق محسن العيني عبارة عن «رمال متحركة»، لا يمكن بقاؤها ثابتة لفترة طويلة، حيث تعرضت الحياة السياسية والأمنية في اليمن، شمالاً وجنوباً، لتقلبات كثيرة، رجع فيها المنتصر مهزوماً، ضمن دوائر الصراع التي عصفت بالبلاد، خلال العقود الماضية.
وبعد مغامرات كثيرة داخلية وخارجية، وبعد انكشاف الكثير من الشعارات التي رفعتها الجماعة، والتي جندت وحشدت بسببها الكثير من اليمنيين في الحرب، وبعد تردي الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرتها، وعدم دفع المرتبات، مع استمرار فرض الإتاوات، وتواتر التقارير عن حجم الفساد لدى قياداتها، بدأ الكثير ممن التفوا حولها ينفضون عنها، ما أضعف قدرتها على الحشد، بعد أن ظهر للكثيرين، وبشكل واضح، مؤخراً أن الجماعة إنما تخوض حروبها نيابة عن الإيرانيين.
وعلى الجانب الآخر حصلت الحكومة اليمنية على فرصة كافية، لإعادة ترتيب صفوف قواتها، وتسليح فرقها العسكرية، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، بعد التخلص من ازدواجية القرار، وبعد الحصول على الطائرات المسيرة المتطورة، وسلاح المدفعية النوعية، الأمر الذي يشعر معه الحوثيون أن ميزان القوى تغير، بشكل لم يكن في الحسبان.
كل هذه المتغيرات جعلت الجماعة تستشعر قرب عملية برية تعد لها القوات الحكومية، في ظل ضعف قدرة الحوثيين على الحشد، للأسباب التي ذكرناها، عدا عن ضرب ترسانتهم العسكرية اللازمة لخوض المعركة البرية.
ومع استشعار الحوثيين للخطر حاولوا التحرك بالسلاح الذي يحتكرونه، وهو الصواريخ البالستية، وبدأوا بالإعلان عن فرض حصار بحري على السفن السعودية، حسب بيان للناطق العسكري باسم الجماعة، ثم استهدفوا القوات الحكومية والموانئ والأحياء السكنية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وهم بهذا التصرف يهدفون إلى الظهور بمظهر من يملك زمام المبادرة، كما يهدفون إلى إرسال رسالة لليمنيين في مناطق سيطرتهم، مفادها أنهم لا يزالون أقوياء، وذلك لمنع انفجار الأوضاع الداخلية ضدهم.
وهناك هدف جوهري آخر لعملياتهم الجوية، يتمثل في محاولة تأخير المعركة البرية، قدر الإمكان، عدا عن هدف آخر يتمثل في أنهم يريدون أن يضغطوا على الجانب الحكومي، وعلى المملكة العربية السعودية، من أجل العودة إلى خارطة الطريق التي كانوا يرفضون التوقيع عليها من قبل.
إن استشعار الخطر هو ما جعل الحوثيين يفقدون صوابهم بالتهديد في اتجاهات مختلفة، غير مدركين لتغير الأوضاع، بعد إضعاف حلفائهم
أما عملياتهم في استهداف خطوط الملاحة البحرية فتهدف إلى إسناد الإيرانيين من جهة، كما تعكس – من جهة أخرى – محاولة لإدراج ملفهم، ضمن أية تسوية للنزاع مع إيران، أسوة بملف حزب الله، ذلك أنهم يبحثون عن ضمانات لعدم شن معركة برية ضدهم.
ومع استمرار رفض الحكومة العودة لخارطة الطريق التي يبدو أنها كانت الفرصة الضائعة بالنسبة للحوثيين تشعر الجماعة باقتراب الخطر، خاصة مع دقة الضربات الجوية التي نفذتها القوات الحكومية، مستخدمة وللمرة الأولى الطيران المسير، ناهيك عن حجم الخسائر التي لحقت بالجماعة جراء دخول سلاح المدفعية على خط النار، وهو الأمر الذي جعل الحوثي يحجم عن الدخول في مغامرة برية غير محسوبة العواقب، رغم توجسه من إعداد القوات الحكومية العدة لمعركة لم تتحدد ملامحها بعد.
ومع قدرة الحوثي على الإيذاء باستخدام الصواريخ البالستية والطيران المسير، ومع اعتقاده بأن المنجز الاقتصادي السعودي هو نقطة ضعف ستدفع بالمملكة للتفاوض، نظراً لحرصها على إنجاح خططها وبرامجها الاقتصادية العملاقة ظلت الجماعة تعتقد أن السعودية ستبقى تحت الابتزاز، غير مدركين للمتغيرات الإقليمية والدولية التي بموجبها أصبحت الرياض ضمن تحالف دفاعي، مع باكستان وتركيا، وهو الأمر الذي يعني حرفياً، صعوبة تحقيق أهداف الحوثي، ومن ورائه الإيرانيون، في الاستمرار بابتزاز المملكة، نظراً للقدرة الذاتية للسعودية في صد الهجمات الجوية، ولتصميم الرياض على حماية سمائها، ضد الهجمات الإيرانية، ومع الأخذ بعين الاعتبار دخول عامل جديد في المعادلة، وهو التحالف الدفاعي الجديد.
بقي القول إن استشعار الخطر هو ما جعل الحوثيين يفقدون صوابهم بالتهديد في اتجاهات مختلفة، غير مدركين لتغير الأوضاع، بعد إضعاف حلفائهم الإيرانيين، وبعد استهداف رفاقهم في العراق ولبنان، وبعد خسارة محور إيران لسوريا، الأمر الذي يجعل الظروف التي أنتجت الهيمنة الحوثية على بعض محافظات اليمن غير موجودة، أو على أقل تقدير غير مواتية لاستمرار الحوثيين في بسط سيطرتهم على تلك المحافظات.
ويبقى السؤال حول توقيت المعركة البرية التي يتوجس منها الحوثيون، وهو توقيت لا بد أن القوات اليمنية لن تحدده بمفردها، نظراً لتشابك الملفات المحلية بالإقليمية، ولارتباط الأزمة في اليمن، بأبعادها الدولية، التي يبدو أنها أصبحت مواتية، بعد أن أدركت الكثير من القوى الدولية والإقليمية أن فترة عبث الميليشيات بالأمن القومي والدولي قد طالت أكثر مما ينبغي، الأمر الذي يجعل مواجهة الميليشيا، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة شأناً لا مناص منه.
٭ كاتب يمني
وقد ساعدت الجهات التي صاغت عبارة «الحل العسكري وصل إلى طريق مسدود»، ساعدت الحوثيين على الاعتقاد بأنهم سيظلون في مأمن من إسقاطهم عسكرياً، خاصة بعد وقف معركة الحديدة التي كانت القوات الحكومية تقترب من تحريرها من قبضة الحوثيين، حين ظن الحوثيون أن الحرب في اليمن انتهت، أو ستنتهي لصالحهم، وبدأوا في توسيع عملياتهم العسكرية، باتجاه محافظات أخرى، في الجوف ومأرب والبيضاء وشبوة والساحل الغربي، الأمر الذي جعلهم يعتقدون أنهم أصبحوا في مأمن من تداعيات أية معركة أخرى.
لكن الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن كما وصف رئيس وزرائها الأسبق محسن العيني عبارة عن «رمال متحركة»، لا يمكن بقاؤها ثابتة لفترة طويلة، حيث تعرضت الحياة السياسية والأمنية في اليمن، شمالاً وجنوباً، لتقلبات كثيرة، رجع فيها المنتصر مهزوماً، ضمن دوائر الصراع التي عصفت بالبلاد، خلال العقود الماضية.
وبعد مغامرات كثيرة داخلية وخارجية، وبعد انكشاف الكثير من الشعارات التي رفعتها الجماعة، والتي جندت وحشدت بسببها الكثير من اليمنيين في الحرب، وبعد تردي الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرتها، وعدم دفع المرتبات، مع استمرار فرض الإتاوات، وتواتر التقارير عن حجم الفساد لدى قياداتها، بدأ الكثير ممن التفوا حولها ينفضون عنها، ما أضعف قدرتها على الحشد، بعد أن ظهر للكثيرين، وبشكل واضح، مؤخراً أن الجماعة إنما تخوض حروبها نيابة عن الإيرانيين.
وعلى الجانب الآخر حصلت الحكومة اليمنية على فرصة كافية، لإعادة ترتيب صفوف قواتها، وتسليح فرقها العسكرية، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، بعد التخلص من ازدواجية القرار، وبعد الحصول على الطائرات المسيرة المتطورة، وسلاح المدفعية النوعية، الأمر الذي يشعر معه الحوثيون أن ميزان القوى تغير، بشكل لم يكن في الحسبان.
كل هذه المتغيرات جعلت الجماعة تستشعر قرب عملية برية تعد لها القوات الحكومية، في ظل ضعف قدرة الحوثيين على الحشد، للأسباب التي ذكرناها، عدا عن ضرب ترسانتهم العسكرية اللازمة لخوض المعركة البرية.
ومع استشعار الحوثيين للخطر حاولوا التحرك بالسلاح الذي يحتكرونه، وهو الصواريخ البالستية، وبدأوا بالإعلان عن فرض حصار بحري على السفن السعودية، حسب بيان للناطق العسكري باسم الجماعة، ثم استهدفوا القوات الحكومية والموانئ والأحياء السكنية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وهم بهذا التصرف يهدفون إلى الظهور بمظهر من يملك زمام المبادرة، كما يهدفون إلى إرسال رسالة لليمنيين في مناطق سيطرتهم، مفادها أنهم لا يزالون أقوياء، وذلك لمنع انفجار الأوضاع الداخلية ضدهم.
وهناك هدف جوهري آخر لعملياتهم الجوية، يتمثل في محاولة تأخير المعركة البرية، قدر الإمكان، عدا عن هدف آخر يتمثل في أنهم يريدون أن يضغطوا على الجانب الحكومي، وعلى المملكة العربية السعودية، من أجل العودة إلى خارطة الطريق التي كانوا يرفضون التوقيع عليها من قبل.
إن استشعار الخطر هو ما جعل الحوثيين يفقدون صوابهم بالتهديد في اتجاهات مختلفة، غير مدركين لتغير الأوضاع، بعد إضعاف حلفائهم
أما عملياتهم في استهداف خطوط الملاحة البحرية فتهدف إلى إسناد الإيرانيين من جهة، كما تعكس – من جهة أخرى – محاولة لإدراج ملفهم، ضمن أية تسوية للنزاع مع إيران، أسوة بملف حزب الله، ذلك أنهم يبحثون عن ضمانات لعدم شن معركة برية ضدهم.
ومع استمرار رفض الحكومة العودة لخارطة الطريق التي يبدو أنها كانت الفرصة الضائعة بالنسبة للحوثيين تشعر الجماعة باقتراب الخطر، خاصة مع دقة الضربات الجوية التي نفذتها القوات الحكومية، مستخدمة وللمرة الأولى الطيران المسير، ناهيك عن حجم الخسائر التي لحقت بالجماعة جراء دخول سلاح المدفعية على خط النار، وهو الأمر الذي جعل الحوثي يحجم عن الدخول في مغامرة برية غير محسوبة العواقب، رغم توجسه من إعداد القوات الحكومية العدة لمعركة لم تتحدد ملامحها بعد.
ومع قدرة الحوثي على الإيذاء باستخدام الصواريخ البالستية والطيران المسير، ومع اعتقاده بأن المنجز الاقتصادي السعودي هو نقطة ضعف ستدفع بالمملكة للتفاوض، نظراً لحرصها على إنجاح خططها وبرامجها الاقتصادية العملاقة ظلت الجماعة تعتقد أن السعودية ستبقى تحت الابتزاز، غير مدركين للمتغيرات الإقليمية والدولية التي بموجبها أصبحت الرياض ضمن تحالف دفاعي، مع باكستان وتركيا، وهو الأمر الذي يعني حرفياً، صعوبة تحقيق أهداف الحوثي، ومن ورائه الإيرانيون، في الاستمرار بابتزاز المملكة، نظراً للقدرة الذاتية للسعودية في صد الهجمات الجوية، ولتصميم الرياض على حماية سمائها، ضد الهجمات الإيرانية، ومع الأخذ بعين الاعتبار دخول عامل جديد في المعادلة، وهو التحالف الدفاعي الجديد.
بقي القول إن استشعار الخطر هو ما جعل الحوثيين يفقدون صوابهم بالتهديد في اتجاهات مختلفة، غير مدركين لتغير الأوضاع، بعد إضعاف حلفائهم الإيرانيين، وبعد استهداف رفاقهم في العراق ولبنان، وبعد خسارة محور إيران لسوريا، الأمر الذي يجعل الظروف التي أنتجت الهيمنة الحوثية على بعض محافظات اليمن غير موجودة، أو على أقل تقدير غير مواتية لاستمرار الحوثيين في بسط سيطرتهم على تلك المحافظات.
ويبقى السؤال حول توقيت المعركة البرية التي يتوجس منها الحوثيون، وهو توقيت لا بد أن القوات اليمنية لن تحدده بمفردها، نظراً لتشابك الملفات المحلية بالإقليمية، ولارتباط الأزمة في اليمن، بأبعادها الدولية، التي يبدو أنها أصبحت مواتية، بعد أن أدركت الكثير من القوى الدولية والإقليمية أن فترة عبث الميليشيات بالأمن القومي والدولي قد طالت أكثر مما ينبغي، الأمر الذي يجعل مواجهة الميليشيا، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة شأناً لا مناص منه.
٭ كاتب يمني
نيسان ـ نشر في 2026/08/20 الساعة 00:00