غزة.. بين ريفيرا كوشنر وسلاح حماس

عبدالناصر سلامة
نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00
لم يذكر التاريخ الحديث قوماً حصلوا على التحرر من الاحتلال، إلا وكان السلاح هو القوة الفاعلة في ذلك التحرر، إضافة إلى توافر الإرادة بالطبع، كما هي الحالة الجزائرية والفيتنامية والأفغانية بشكل خاص، كما لم يذكر التاريخ أيضاً قوماً تنازلوا عن حقوقهم، وحُرموا من السلاح وتنازلوا عن المقاومة، إلا وكانت عاقبتهم الذل والانكسار والندم، كما هي الحالة الفلسطينية في اتفاقية أوسلو، والحالة البوسنية في حرب يوغوسلافيا، ثم الحالة الأوكرانية في الحرب الروسية، بعد أن تنازلت أوكرانيا عن سلاحها النووي الضخم عام 1994، من خلال مذكرة بودابست، برعاية روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا.
وفي الوقت الذي يبدي فيه ساسة إيران الندم الآن، على عدم التعجيل بصنع سلاح نووي، كرادع مؤكد في الحرب الدائرة حالياً مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يجمع المراقبون على أن القوة العسكرية الإيرانية، بشكلها الحالي، هي التي حالت دون هزيمة ساحقة لإيران، ودون اجتياح بري، كان يمكن أن يعيد الجمهورية الإيرانية إلى العصر الحجري، كما حدث مع العراق عامي 1991
و2003، ما جعل طهران ترفض من حيث المبدأ مناقشة التخلي عن الصواريخ الباليستية، أو التصنيع الدفاعي بشكل عام، باعتبار ذلك من أعمال السيادة من جهة، واتعاظاً من أحداث العراق من جهة أخرى.
من هنا أيضاً، جاء موقف حزب الله اللبناني، الذي عانى أيما معاناة، من مراوغات الكيان الصهيوني، على مدى أكثر من أربعة عقود، حيث لا اتفاقيات تردع، ولا مواثيق تمنع، ولا أخلاقيات تحول دون تنفيذ كل ما يتعارض مع الشرائع والإنسانية، من إبادة، واستهداف أطفال ونساء، وتدمير بنية تحتية، حتى إن عدد الشهداء في لبنان، منذ دخول اتفاقية وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 27 نوفمبر 2024 حتى الآن، يزيد على 4700 شهيد، رغم البلاء الحسن للمقاومة في صد العدوان، في مواقع عديدة، وإلحاق الخسائر بجيش الاحتلال، ما يشير إلى أهمية سلاح حزب الله في المواجهة الدائرة الآن.
لا يمكن تجاهل أن المنطقة العربية، كما القضية الفلسطينية، تمر بأخطر مراحلها، وهي التقسيم عربياً، والتصفية فلسطينياً، ما يوجب الربط بين الحالتين، سواء على مائدة أي مفاوضات، أو على أرض الواقع
الأحداث الفلسطينية على مدى ثمانية عقود، واللبنانية على مدى أربعة عقود، أثبتت استحالة حسم الكيان الصهيوني للصراع عسكرياً، ما جعل البوصلة تتجه إلى سحب السلاح، أو تسليمه طوعاً هنا وهناك، دون أي مقابل، ودون تحقيق أي من أهداف حمل السلاح، ممثلاً في إقامة الدولة الفلسطينية في الأولى، والانسحاب من جنوب لبنان في الثانية، وهو ما يفتح الساحة أمام كيان الاحتلال، لأن يصول ويجول، قتلاً وذبحاً ونهباً ودماراً، كما جرت العادة، وما أكثر المذابح التي سجلها التاريخ، داخل دول المواجهة كافة، بل تعداها بعمليات دموية عديدة في أقطار أخرى خارج جغرافيا المواجهة، من تونس إلى العراق واليمن، وحتى إيران. الغريب في الأمر، تلك الاستجابة للحالة الراهنة، من بعض دول المنطقة، إما ضعفاً أمام الجبروت الأمريكي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الساعي إلى إقامة مشروع «ريفيرا» صهره جاريد كوشنر، مبعوثه إلى المنطقة، وإما انطلاقاً من حسن نية، لا تستند بالتأكيد إلى أية قواعد، أو ماضٍ أو حاضر، وإما تسليماً بتصفية القضية، وهو ما أستبعده، من خلال معطيات التصريحات المتداولة من هذه العاصمة أو هذا الرئيس، ما يثير حالة من الدهشة دون إجابات.
الشاهد في الأمر، أنه خلال زيارة كوشنر الأخيرة للمنطقة، بداية الأسبوع، ولقاء خليل الحية القيادي في حركة حماس، إضافة إلى الرئيس المصري ورئيس المخابرات، وبعد مناقشات طويلة، حول كيفية تنفيذ اتفاق شرم الشيخ، الموقع في أكتوبر من العام الماضي، بشأن وقف الحرب في قطاع غزة، توجه بعدها كوشنر إلى الكيان الصهيوني، للقاء بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان، وعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، سرّب الإعلام الصهيوني على الفور، أنباء عن اتفاق تمخض عن اللقاء، باستمرار عمليات الاغتيالات في غزة، واستمرار احتلال القطاع بما يزيد على 50% من المساحة، واستمرار منع مواد البناء، لمنع إعادة الإعمار، بدعوى أن تسليم سلاح المقاومة شرط رئيسي لتنفيذ أي من البنود، الذي تضمنها اتفاق شرم الشيخ. الطبيعي أن مثل تلك الأنباء، تؤكد أنه يجب ألا يُعتد بكوشنر كوسيط، في أي من قضايا المنطقة، استناداً إلى يهوديته المتعصبة من جهة، وانحيازه للكيان الصهيوني من جهة أخرى، ناهيك من أنه لا يخفي أطماعه في القطاع، كقطعة أرض ساحرة، في منطقة متميزة من العالم، على حد قوله، لإقامة منتجعه السياحي عليها، خصوصاً بعدما فشل حتى الآن، هو وزوجته، إيفانكا، ابنة الرئيس الأمريكي، في تنفيذ مشروع مشابه في ألبانيا، بجزيرة سازان، ومنطقة زفيرنيك/ فيجوسا، وارتا الساحلية، بعد احتجاجات صاخبة هناك، واجهتها الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع، رفعت شعار (ألبانيا ليست للبيع) مع اتهامات بالفساد، ومطالب باستقالة رئيس الوزراء، الذي يتبنى المشروع، الذي قدرت استثماراته بمليارات الدولارات.
المخطط بشأن قطاع غزة واضح للعيان، يستهدف نزع سلاح المقاومة، حتى يمكن تحويل القطاع في وضح النهار -كما هو معلن- إلى مشروع سياحي أمريكي-إسرائيلي، بأموال خليجية في جزء كبير منه، وفي هذه الأثناء يتم فتح الباب مباشرة أمام الهجرة الطوعية وغير الطوعية لأبناء القطاع، نحو وجهات عديدة من دول العالم، افريقية وآسيوية وأمريكية وأوروبية، بالتزامن مع توسعات احتلال أخرى في كل من لبنان وسوريا بشكل خاص، تنفيذاً لمشروع إسرائيل الكبرى، الذي تضمنته كتب لاهوتية عبثية، وتراثية هزلية. وإذا كان هذا المخطط، قد اصطدم بعقبة السابع من أكتوبر، على مدى ثلاث سنوات حتى الآن، فمن المفترض أنه اصطدم أيضاً بعقبة المواجهة العسكرية مع إيران، إلا أن الكيان الصهيوني بالتعاون مع رجالاته في الإدارة الأمريكية، مثل كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، يبذلون أقصى جهودهم لإدخال المشروع مرحلة التنفيذ، خلال فترة ولاية ترامب، إدراكاً منهم أنه قد يستحيل تنفيذه فيما بعد، نظراً للتحولات التي طرأت على المجتمع الأمريكي، فيما يتعلق بالموقف من الكيان الصهيوني، والتي تشير إلى صعوبة دعمه مستقبلاً، وقد يكون ذلك في المستقبل القريب، مع انتخابات الكونغرس المقرر لها نوفمبر المقبل، والتي تشير التوقعات إلى خسارة كبيرة قد يمنى بها الجمهوريون، الداعمون للكيان وممارساته الدامية، وجميعها تطورات يعود السبب فيها أيضاً إلى رؤية السنوار بعيدة المدى.
في كل الأحوال، لا يمكن تجاهل أن المنطقة العربية، كما القضية الفلسطينية، تمر بأخطر مراحلها على الإطلاق، وهي التقسيم عربياً، والتصفية فلسطينياً، وهو ما يوجب الربط بين الحالتين، سواء على مائدة أي مفاوضات، أو على أرض الواقع، انطلاقاً من أن المقاومة هي الطريق الوحيد لدحر الاحتلال، وأن الصمود الفلسطيني على مدى تاريخ القضية، كان السبب الرئيسي في استمرارها حية فاعلة حتى الآن، تفرض نفسها على كل الساحات، حتى أصبحت الشغل الشاغل للشارع من أقصى العالم إلى أقصاه، كما هو الحال مع المقاومة اللبنانية، والتي قدمت النموذج في الصمود ومواجهة الاحتلال، ثم جاء الصمود الإيراني هو الآخر ليضيف إلى الحالتين.
من هنا يمكن التأكيد، على أن عملية تسليم سلاح المقاومة الفلسطينية، رجس شيطاني، صهيوني- أمريكي، بدعم عربي للأسف، أو على الأقل صمت عربي مهين، إلا أن تسلسل تاريخ القضية يشير دائماً وأبداً، إلى أن لها أبناء أشداء، أو (قوماً جبارين) لا يستسلمون حتى في أصعب أوقات الشدة، وكانت المطبات الواحد تلو الآخر، بمثابة داعم جديد، يزيد المقاومة صلابة، ويثري القضية أيما ثراء، وها هو الحق الفلسطيني تحمله الآن ضمائر عالمية لم تكن أبداً في الحسبان، سوف تجعل من مشروع الريفيرا سراباً، ومن الخذلان العربي مجرد تاريخ، يضاف إلى صفحات سابقة مخزية، آن لها أن تتوارى، إن لم يكن خجلاً، فلأن المخاطر أصبحت تهدد الجميع.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00