نتنياهو اللاهوتي: عندما تتحوّل النبوءة إلى خرائط وحروب

لطفي العبيدي
نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00
لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد رئيس حكومة يقود إسرائيل في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا، ولا مجرد سياسي بارع في المناورة والبقاء في السلطة، بل أصبح يمثل عند تقاطع السياسة والأيديولوجيا نموذجا أكثر خطورة في إعادة تعريف الأمن الإسرائيلي وحدوده. فنتنياهو الذي أتقن لعقود تحويل الأزمات إلى فرص سياسية، يتحرك اليوم داخل تصور يتجاوز حسابات الائتلاف الحكومي، وأبعد من حدود الحرب على غزة أو المواجهة مع إيران، إذ تقف خلف خطاب الأمن والردع والقضاء على التهديدات رؤية ترى في القوة العسكرية أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وفي الفوضى المحيطة بإسرائيل فرصة لإعادة تعريف مجالها الحيوي.
ولا تكمن خطورة نتنياهو في امتلاك إسرائيل جيشا قويا، فهذا أمر معروف، وإنما في التحول الذي طرأ على مفهوم «الأمن الإسرائيلي» نفسه؛ فعندما يصبح الأمن مبررا لضرب غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وعندما يتحول الخطر المحتمل إلى سبب كافٍ لضربه قبل أن يصبح خطرا فعليا، فإننا لا نكون أمام استراتيجية ردع تقليدية، بل أمام عقيدة تقوم على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة. وهذا ما يمكن تسميته بـ«الدفاع التوسعي»، أي أن يصبح الدفاع عن الدولة مبررا للتوسع في المجال الجغرافي المحيط بها، وأن تتحول الحدود من خطوط سيادة إلى مناطق أمنية مفتوحة، وأن يصبح لإسرائيل، وفق هذا المنطق، حق تحديد ما يجوز لجيرانها امتلاكه من قوة وما لا يجوز، ومن يحق له أن يتحالف مع من، وما هي الحكومات أو التنظيمات التي ينبغي إخضاعها للضغط العسكري.
إذا كانت غزة مسألة أمنية إسرائيلية، ولبنان، وسوريا وإيران مسألة أمنية، فإن حدود «الأمن الإسرائيلي» تصبح بلا حدود تقريبا وعندما تتوسع دائرة التهديدات تتحول المنطقة كلها إلى مجال عمليات محتمل
وفي هذه النقطة تحديدا يلتقي نتنياهو السياسي مع نتنياهو الأيديولوجي؛ فهو ليس منفصلا عن بيئة فكرية صهيونية تشكلت داخل عائلته وامتدت إلى التيارات اليمينية الإسرائيلية التي لم تتعامل تاريخيا مع فكرة «إسرائيل الكبرى» باعتبارها مجرد شعار انتخابي، وكان والده بن صهيون نتنياهو قريبا من التيار التصحيحي المرتبط بفلاديمير جابوتنسكي، بما حمله ذلك التيار من تصور يقوم على القوة والرفض الصريح للتنازلات الإقليمية الكبرى. لكن نتنياهو لم يكن يوما أيديولوجيا بسيطا، فقوته السياسية تكمن تحديدا في قدرته على الجمع بين البراغماتية والاعتقاد، وبين الحساب الانتخابي والرؤية التاريخية، وبين التفاوض عندما يكون التفاوض مفيدا، والحرب عندما تخدم الحرب موقعه أو تصوراته، ولذلك فإن اختزاله في صورة سياسي يريد فقط إنقاذ نفسه من المحاكم والانتخابات قد يكون خطأ استراتيجيا، لأن البقاء السياسي حاضر بالتأكيد، لكنه يتحرك أيضا داخل تصور أوسع لإسرائيل وموقعها في المنطقة، وفي هذا التصور لا يكفي أن تكون إسرائيل متفوقة عسكريا، بل ينبغي أن تكون البيئة المحيطة بها عاجزة عن تشكيل تهديد حقيقي لها.
ولهذا تبدو حرب غزة، رغم توقف العمليات العسكرية الكبرى وانتقال الصراع إلى مرحلة الاتفاقات والمفاوضات، أكثر من مجرد فصل انتهى؛ فقد كشفت حدود القوة الإسرائيلية، لكنها كشفت أيضا استعداد القيادة الإسرائيلية لاستخدام قوة هائلة عندما ترى أن موازين الأمن والردع قد تغيرت، ودفعت قطاعات واسعة في المنطقة إلى إعادة النظر في السؤال القديم حول إمكانية بناء نظام إقليمي مستقر بينما تظل إسرائيل صاحبة الحق الحصري في تعريف مصادر الخطر وحدود استخدام القوة. ومن هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل تدريجيا من غزة إلى إيران، فالمواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع طهران لم تكن مجرد معركة حول منشآت نووية أو صواريخ بعيدة المدى، وإنما كانت صراعا على تعريف من يملك حق رسم قواعد الأمن في الشرق الأوسط؛ إسرائيل تقول عمليا إن وجود قوة إقليمية قادرة على تهديدها أو تطوير قدرات استراتيجية مستقلة لا يمكن السماح به، وإيران ترفض أن تتحول المنطقة إلى فضاء أمني تديره إسرائيل تحت المظلة الأمريكية، وبين الموقفين دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم اليقين. والمفارقة أن كل نجاح عسكري إسرائيلي يفتح سؤالا أكبر حول اليوم التالي، فإذا كانت غزة مسألة أمنية إسرائيلية، ولبنان مسألة أمنية، وسوريا مسألة أمنية، وإيران مسألة أمنية، فإن حدود «الأمن الإسرائيلي» تصبح بلا حدود تقريبا، وعندما تتوسع دائرة التهديدات إلى هذا الحد تتحول المنطقة كلها إلى مجال عمليات محتمل.
لكن التحول الأكثر دلالة جاء من مكان آخر، ففي 7 أغسطس الجاري وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقا للدفاع المشترك يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداء عليها جميعا، مع إنشاء آليات للتنسيق السياسي والعسكري والتعاون في التدريب والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وهو تطور لا يمكن اختزاله في مجرد تعاون عسكري بين ثلاث دول، لأن أهمية الاتفاق تكمن في تركيبته السياسية والاستراتيجية: تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان دولة نووية، والسعودية قوة مالية واقتصادية مركزية في العالم العربي، واجتماع هذه العناصر في إطار دفاعي مشترك يكشف أن دولا رئيسية بدأت تفكر في أمنها من زاوية أكثر استقلالا وتنوعا، بدل الاعتماد على مظلة واحدة مهما كانت قوتها. وقد أكدت أنقرة أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها ولا يحل محل التحالفات القائمة، لكن السياسة الدولية لا تُقرأ فقط من خلال التصريحات الرسمية، بل من خلال ما تكشفه التحركات عن المخاوف والحسابات؛ وما تكشفه هذه الخطوة هو أن فكرة «الأمن الإقليمي» نفسها بدأت تتحول من الاعتماد على قوة خارجية لضمان الأمن إلى بناء شبكات إقليمية متعددة المستويات للردع والتنسيق. وهذا الاتجاه سبقه أيضا الاتفاق الدفاعي السعودي-الباكستاني، بما يعني أن المنطقة لا تنتظر بالضرورة هندسة أمنية تأتي جاهزة من واشنطن أو تل أبيب، بل بدأت بعض قواها الرئيسية في بناء ترتيباتها الخاصة، وهو تحول بالغ الدلالة في لحظة تتراجع فيها الثقة بقدرة المظلة الأمريكية على ضبط الصراعات أو منع انتقالها من جبهة إلى أخرى.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى أمام نتنياهو، فالمشروع الذي كان يفترض أن يجعل التفوق الإسرائيلي مركز النظام الإقليمي قد يدفع، بفعل الإفراط في استخدام القوة، إلى إنتاج توازنات مضادة، ولذلك فإن مشروع «إسرائيل الكبرى» قد يواجه حدوده الحقيقية لا على خطوط الجبهات، وإنما في العواصم التي بدأت تكتشف أن أمنها لا يمكن أن يكون مرهونا بمزاج قوة واحدة، وأن المنطقة التي أراد نتنياهو إخضاعها لمنطق الردع الإسرائيلي قد تتحول تدريجيا إلى منطقة تبحث عن ردع جماعي ومتعدد المصادر.
كاتب تونسي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00