حجية الأحكام القضائية وحدود امتدادها إلى الإجراءات الإدارية
نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00
كثيرا ما يثار الحديث عن حجية الأحكام القضائية في المسائل الإدارية بطريقة توحي بأن صدور حكم في قضية معينة يعني إغلاق الباب نهائيا أمام أي إجراء لاحق يتعلق بالشخص ذاته أو بالفعل ذاته، حتى لو تغيرت الوقائع أو الأماكن أو الظروف وهنا، برأيي، يقع الخلط.
مما لا شك فيه أن لا أحد يجادل في أن الأحكام القضائية واجبة الاحترام، وأن الحكم القطعي تكون له حجية فيما فصل فيه ولا يجوز للجهات الإدارية أو لأي جهة أخرى أن تتجاهله أو تتصرف على خلافه، لكن في المقابل احترام الحكم لا يعني تحميله ما لم يقله ولا يعني منحه اثارا تتجاوز حدود القضية التي نظرتها المحكمة أصلا.
فالحكم القضائي لا يصدر في فراغ و هناك خصوم ووقائع وطلبات ودفوع محددة وفي النهاية تصدر المحكمة حكمها بناء على ما عرض أمامها، ولذلك حجية الحكم تبقى مرتبطة بما فصل فيه فعلا لا بكل ما يمكن أن يحدث لاحقا أو بكل الوقائع المشابهة التي لم تكن معروضة على المحكمة، وهنا يظهر الفرق بين الواقعة التي صدر الحكم بشأنها والوقائع الأخرى التي قد تظهر بعد ذلك.
فمثلا صدر حكم يتعلق بممارسة إجراء معين في واقعة محددة فهذا لا يعني بالضرورة أن الحكم أصبح ترخيصا مفتوحا لممارسة ذلك الإجراء في أي مكان وتحت أي ظرف، كما لا يعني أن الشخص أصبح بمنأى عن الرقابة أو أن الجهات المختصة فقدت حقها في تطبيق التشريعات التي تنظم تلك المهنة ومكان مزاولتها.
وهذه نقطة جوهرية لأن هناك فرقا بين السؤال عن جواز ممارسة فعل معين وبين السؤال عن المكان الذي يجوز فيه ممارسة هذا الفعل ومدى استيفائه للشروط اللازمة
فقد يكون هناك حكم تناول جانبا معينا من المسألة لكنه لم يبحث أصلا في مشروعية المكان الذي تم فيه ممارسة هذا الفعل أو مدى مطابقته لأحكام التشريعات ذوات العلاقه.
وفي هذه الحالة لا يمكن القول إن المحكمة حسمت مسألة لم تكن مطروحة أمامها، و ببساطة يمكن القول ان الحكم لا تكون له حجية إلا فيما فصل فيه.
كما أن تكرار فعل ما أو وقوعه في مكان اخر أو في ظروف مختلفة يشكل واقعة جديدة تماما من الناحية القانونية وبالتالي فإن القول بأن هناك حكما سابقا يمنع اتخاذ أي إجراء جديد تجاه هذا الفعل يحتاج إلى التحقق هل نحن أمام الواقعة ذاتها، أم أمام واقعة مختلفة؟
ذلك أن حجية الأمر المقضي لا تقوم لمجرد وجود حكم سابق بين الأطراف بل تتطلب وحدة الخصوم والمحل والسبب تطبيقا لنص المادة ٤١/١ من قانون البينات الأردني، فإذا اختلفت الواقعة أو تغير سبب النزاع فإننا لا نكون أمام القضية ذاتها، ومن الخطورة بمكان أن يتحول الحكم القضائي الصادر في واقعة محددة إلى وسيلة لتعطيل القانون في مواجهة أي مخالفة لاحقة.
فلو أخذنا بهذا المنطق لأصبح بإمكان أي شخص أن يتمسك بحكم صدر لصالحه في واقعة معينة ليقول بعد ذلك إن الجهة المختصة لم يعد لها الحق في مراقبة أعماله أو ضبط أي مخالفة جديدة يرتكبها وهذا بالتأكيد ليس المقصود من حجية الأحكام القضائية.
ومن هنا، فإن احترام القضاء لا يكون بتعطيل دور الإدارة كما أن ممارسة الإدارة لا تعني تجاوز الحكم القضائي فالمعادلة القانونية الصحيحة هي أن يلتزم الجميع بالحكم في الحدود التي صدر بها وان لا يتعداه إلى غيرها من وقائع وعلى الجهات المختصة الاستمرار في ممارسة صلاحياتها تجاه أي واقعة جديدة وفقا للقانون، فالقضاء يقول كلمته في النزاع المعروض أمامه أما الوقائع الجديدة فلها حكمها الخاص وإجراءاتها الخاصة وتبحث في ضوء ظروفها وأدلتها والتشريعات التي تحكمها.
وفي تقديري تبدأ المشكلة عندما نحاول قراءة الأحكام خارج سياقها فنأخذ حكما صدر في واقعة محددة ونمد أثره إلى وقائع لم يرها القاضي ولم تعرض على المحكمة ولم تكن جزءا من الخصومة، وهذا ليس احتراما للحكم، بل توسعا في تفسيره.
والأهم من ذلك كله، أن سيادة القانون لا تتحقق بالانتصار لطرف على حساب طرف آخر ولا بتوسيع حجية حكم أو تضييقها بحسب المصلحة وإنما بوضع كل حكم في حدوده القانونية الصحيحة.
مدير مديرية ترخيص المهن والمؤسسات الصحية
مما لا شك فيه أن لا أحد يجادل في أن الأحكام القضائية واجبة الاحترام، وأن الحكم القطعي تكون له حجية فيما فصل فيه ولا يجوز للجهات الإدارية أو لأي جهة أخرى أن تتجاهله أو تتصرف على خلافه، لكن في المقابل احترام الحكم لا يعني تحميله ما لم يقله ولا يعني منحه اثارا تتجاوز حدود القضية التي نظرتها المحكمة أصلا.
فالحكم القضائي لا يصدر في فراغ و هناك خصوم ووقائع وطلبات ودفوع محددة وفي النهاية تصدر المحكمة حكمها بناء على ما عرض أمامها، ولذلك حجية الحكم تبقى مرتبطة بما فصل فيه فعلا لا بكل ما يمكن أن يحدث لاحقا أو بكل الوقائع المشابهة التي لم تكن معروضة على المحكمة، وهنا يظهر الفرق بين الواقعة التي صدر الحكم بشأنها والوقائع الأخرى التي قد تظهر بعد ذلك.
فمثلا صدر حكم يتعلق بممارسة إجراء معين في واقعة محددة فهذا لا يعني بالضرورة أن الحكم أصبح ترخيصا مفتوحا لممارسة ذلك الإجراء في أي مكان وتحت أي ظرف، كما لا يعني أن الشخص أصبح بمنأى عن الرقابة أو أن الجهات المختصة فقدت حقها في تطبيق التشريعات التي تنظم تلك المهنة ومكان مزاولتها.
وهذه نقطة جوهرية لأن هناك فرقا بين السؤال عن جواز ممارسة فعل معين وبين السؤال عن المكان الذي يجوز فيه ممارسة هذا الفعل ومدى استيفائه للشروط اللازمة
فقد يكون هناك حكم تناول جانبا معينا من المسألة لكنه لم يبحث أصلا في مشروعية المكان الذي تم فيه ممارسة هذا الفعل أو مدى مطابقته لأحكام التشريعات ذوات العلاقه.
وفي هذه الحالة لا يمكن القول إن المحكمة حسمت مسألة لم تكن مطروحة أمامها، و ببساطة يمكن القول ان الحكم لا تكون له حجية إلا فيما فصل فيه.
كما أن تكرار فعل ما أو وقوعه في مكان اخر أو في ظروف مختلفة يشكل واقعة جديدة تماما من الناحية القانونية وبالتالي فإن القول بأن هناك حكما سابقا يمنع اتخاذ أي إجراء جديد تجاه هذا الفعل يحتاج إلى التحقق هل نحن أمام الواقعة ذاتها، أم أمام واقعة مختلفة؟
ذلك أن حجية الأمر المقضي لا تقوم لمجرد وجود حكم سابق بين الأطراف بل تتطلب وحدة الخصوم والمحل والسبب تطبيقا لنص المادة ٤١/١ من قانون البينات الأردني، فإذا اختلفت الواقعة أو تغير سبب النزاع فإننا لا نكون أمام القضية ذاتها، ومن الخطورة بمكان أن يتحول الحكم القضائي الصادر في واقعة محددة إلى وسيلة لتعطيل القانون في مواجهة أي مخالفة لاحقة.
فلو أخذنا بهذا المنطق لأصبح بإمكان أي شخص أن يتمسك بحكم صدر لصالحه في واقعة معينة ليقول بعد ذلك إن الجهة المختصة لم يعد لها الحق في مراقبة أعماله أو ضبط أي مخالفة جديدة يرتكبها وهذا بالتأكيد ليس المقصود من حجية الأحكام القضائية.
ومن هنا، فإن احترام القضاء لا يكون بتعطيل دور الإدارة كما أن ممارسة الإدارة لا تعني تجاوز الحكم القضائي فالمعادلة القانونية الصحيحة هي أن يلتزم الجميع بالحكم في الحدود التي صدر بها وان لا يتعداه إلى غيرها من وقائع وعلى الجهات المختصة الاستمرار في ممارسة صلاحياتها تجاه أي واقعة جديدة وفقا للقانون، فالقضاء يقول كلمته في النزاع المعروض أمامه أما الوقائع الجديدة فلها حكمها الخاص وإجراءاتها الخاصة وتبحث في ضوء ظروفها وأدلتها والتشريعات التي تحكمها.
وفي تقديري تبدأ المشكلة عندما نحاول قراءة الأحكام خارج سياقها فنأخذ حكما صدر في واقعة محددة ونمد أثره إلى وقائع لم يرها القاضي ولم تعرض على المحكمة ولم تكن جزءا من الخصومة، وهذا ليس احتراما للحكم، بل توسعا في تفسيره.
والأهم من ذلك كله، أن سيادة القانون لا تتحقق بالانتصار لطرف على حساب طرف آخر ولا بتوسيع حجية حكم أو تضييقها بحسب المصلحة وإنما بوضع كل حكم في حدوده القانونية الصحيحة.
مدير مديرية ترخيص المهن والمؤسسات الصحية
نيسان ـ نشر في 2026/08/21 الساعة 00:00