صعود تركيا يقلق نتنياهو
نيسان ـ نشر في 2026/08/27 الساعة 00:00
لم تكن معركة ملاذكرد قبل 955 عاما مجرد انتصار عسكري، بل كانت نقطة تحوّل تاريخية أطلقت إرادة سياسية جديدة غيّرت مسار الأناضول، ثم تركت أثرا عميقا في تاريخ المنطقة بأكملها. ومن هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع كلمات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ملاذكرد، حين قال: «تُعاد اليوم كتابة التاريخ في منطقتنا. تركيا توجه التاريخ بسياساتها القائمة على الضمير والمبادئ والسلام، ولم يعد بإمكان أحد أن يقطع الطريق أمام ذلك»، على أنها مجرد عبارات في خطاب لإحياء ذكرى معركة تاريخية. فالمشهد الإقليمي اليوم يشهد مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الشرق الأوسط: الأولى تمثلها سياسة نتنياهو القائمة على إطالة أمد الحروب، وتفكيك الدول وإبقاء الخوف حاضرا كوسيلة للبقاء؛ والثانية تمثلها تركيا الصاعدة بوصفها مركز قوة إقليمية جديدة، مستندة إلى تنامي قدراتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. ومن هنا، تتبلور المواجهة الحقيقية تدريجيا بين هذين النهجين.
نتنياهو اليوم محاصر، ليس فقط بسبب السياسات التي ينتهجها في غزة وسوريا أو على جبهات أخرى في المنطقة، وإنما أيضا بسبب مستقبله السياسي. فقضية الفساد المستمرة منذ سنوات لم تُحسم بعد؛ ومع اقتراب احتمال إجراء انتخابات، يزداد ارتباط مستقبله السياسي بمستقبله القانوني. وهنا تحديدا يصبح الخط الفاصل بين الحرب والسياسة ضبابيا بصورة خطيرة. وهذا هو أيضا سبب تزايد حدة الانتقادات الصادرة من داخل إسرائيل. ولم يعد احتمال محاولة نتنياهو فتح جبهات جديدة، أو عدم إغلاق الجبهات القائمة، أو إبقاء التوتر الإقليمي مرتفعا بصورة مستمرة من أجل توفير مساحة لنفسه في السياسة الداخلية، مجرد اتهام يوجّه إليه من الخارج؛ بل أصبح احتمالا جديا يُناقش أيضا في أوساط الرأي العام والأمن في إسرائيل. فالحرب تتحول تدريجيا، بالنسبة إلى نتنياهو، من أداة لأمن الدولة إلى أداة لإطالة عمره السياسي.
ما أورده المعلق العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد لافت للغاية من هذه الناحية. فقد كتب أن مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى يشعرون بالقلق من أن نتنياهو يبحث عن مبرر من شأنه تغيير الجدول الزمني للانتخابات. لكن الأهم من ذلك هو أن الجيش الإسرائيلي بدأ يتعرض للإرهاق تدريجيا تحت وطأة حرب متعددة الجبهات، تقترب من عامها الثالث. تعرض سلاح الجو لوتيرة عمليات استثنائية؛ كما تشكل ضغط هائل على الدبابات والعربات المدرعة ومخزونات الذخيرة والقوى البشرية، وقُتل آلاف الجنود أو أصيبوا بجروح جسدية ونفسية. وتشير التقارير إلى وجود أفراد حتى ضمن القوات الدائمة يرغبون في الابتعاد عن مهام الجبهة. وأخطر لحظة بالنسبة إلى أي دولة هي عندما تبدأ القيادة السياسية، من أجل الحفاظ على بقائها، باستنزاف قدرة جيشها على الصمود. وهذه هي المفارقة التي يواجهها نتنياهو بالضبط. يعتقد أنه يعزز إسرائيل كلما أظهر القوة؛ لكنه كلما أطال الحرب، استنزف قوة إسرائيل من الداخل.
أخطر لحظة بالنسبة إلى أي دولة هي عندما تبدأ القيادة السياسية، من أجل الحفاظ على بقائها، باستنزاف قدرة جيشها على الصمود
أما تركيا، فعلى العكس تماما، تمضي في اتجاه آخر، ولهذا السبب تكتسب مواقف أنقرة إزاء الاستفزازات المحتملة من جانب نتنياهو أهمية كبيرة. ورسالة تركيا واضحة: «لن نقع في فخ الاستفزاز، ولن نكون جزءا من لعبته». وتقرأ أنقرة بهدوء محاولات إسرائيل جر تركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى معادلة توتر جديدة، بما في ذلك التطورات المحيطة بمطار أبو الظهور في سوريا. لأن الدولة القوية ليست الدولة التي تندفع نحو كل فخ يُنصب لها؛ بل هي الدولة التي تدرك أين تُدار اللعبة، وتتحرك في الوقت الذي تحدده هي، وليس في الوقت الذي يريده خصمها. وهذا هو بالضبط المنطق الاستراتيجي الذي طورته تركيا خلال السنوات الأخيرة: الردع من دون الوقوع في الاستفزاز، وإظهار القوة من دون الانجرار إلى الحرب، والقدرة، عند الضرورة، على الوجود في الميدان، وفي الوقت نفسه إقامة طاولة للدبلوماسية. وهنا تظهر الصورة الأكثر إزعاجا بالنسبة إلى نتنياهو، فلم تعد أمامه تركيا التسعينيات، التي كانت مضطرة إلى التحرك ضمن منظومة أمنية رسمها آخرون، بل هناك اليوم تركيا توسع قدراتها الذاتية في مجال الصناعات الدفاعية، وقادرة على تشكيل ثقل دبلوماسي وعسكري في جغرافيا واسعة تمتد من سوريا إلى القوقاز، ومن شرق المتوسط إلى الخليج؛ وتركيا قادرة في الوقت نفسه على التحدث مع واشنطن وموسكو وأوروبا والعالم العربي والعالم التركي.
إن تعزيز قوة أنقرة لا يعني فقط نمو قدرات تركيا؛ بل يعني أيضا تغير معادلة القوى القديمة في الشرق الأوسط، وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة إلى إسرائيل، لأن عقيدة نتنياهو الأمنية تستند إلى بيئة إقليمية مجزأة، ومعادية بعضها لبعض، ومنغلقة على ذاتها، وغير قادرة على التشكيك في التفوق العسكري الإسرائيلي، أما تركيا القوية والقادرة على التحرك باستقلالية، فتصعد بوصفها لاعبا كبيرا يقف خارج هذه المعادلة. ولهذا السبب، فإن قول الرئيس أردوغان في ملاذكرد: «ليس أمامنا في هذه المنطقة أي خيار سوى أن نكون أقوياء، وأن نكون متحدين ومتضامنين»، ليس مجرد دعوة إلى الوحدة موجهة إلى السياسة الداخلية. بل ينبغي قراءته أيضا باعتباره بيانا جيوسياسيا للمرحلة المقبلة. ويتعين على تركيا زيادة قدراتها في مجالات الدفاع والدبلوماسية والنقل والطاقة والتعليم والتكنولوجيا. لأن المسألة لم تعد تقتصر على أمن 85 مليون إنسان فحسب. فهناك جغرافيا واسعة تنظر إلى تركيا، تمتد من البلقان إلى القوقاز، ومن سوريا إلى غزة، ومن آسيا الوسطى إلى افريقيا. ولهذا تتحول تركيا القوية إلى عنصر حاسم ليس فقط في الأهداف الوطنية لأنقرة، وإنما أيضا في التوازنات الإقليمية. إن الردع التركي المتنامي ضروري ليس من أجل إشعال الحرب، بل لمنع الآخرين من فرض الحرب التي يريدونها على تركيا.
قد يكون حساب نتنياهو هو إطالة الحروب؛ أما حساب تركيا فهو قراءة التاريخ على المدى الطويل. أحدهما يحاول إنقاذ الجدول الزمني للانتخابات، بينما يعمل الآخر على بناء منظومة القوى للعقود المقبلة. أحدهما يسعى إلى تحويل نيران غزة، وهشاشة سوريا، ومخاوف المنطقة إلى رأسمال سياسي؛ بينما يحول الآخر قدرته الدفاعية، وأرضية السلام الناشئة في المنطقة، وثقله الدبلوماسي ونفوذه الإقليمي إلى قوة دائمة. وهذه هي الرسالة التي يُراد إيصالها بعد 955 عاما من ملاذكرد: إن حسابات من يريدون إعادة تركيا إلى دولة سلبية لا صوت لها في هذه المنطقة، هي الآن حسابات بُنيت على أساس تركيا القديمة. وأكبر أوهام نتنياهو ستكون اعتقاده أن تركيا يمكن أن تكون أحد الكومبارس في سيناريو حربه. لأن أنقرة لم تعد تؤدي الدور الممنوح لها في سيناريو يكتبه الآخرون؛ بل إنها تبني لعبتها الخاصة. وإذا كان التاريخ تُعاد بالفعل كتابته في المنطقة، فمن الواضح أنه لم يعد من الممكن كتابة ذلك التاريخ من دون تركيا.
كاتب تركي
نتنياهو اليوم محاصر، ليس فقط بسبب السياسات التي ينتهجها في غزة وسوريا أو على جبهات أخرى في المنطقة، وإنما أيضا بسبب مستقبله السياسي. فقضية الفساد المستمرة منذ سنوات لم تُحسم بعد؛ ومع اقتراب احتمال إجراء انتخابات، يزداد ارتباط مستقبله السياسي بمستقبله القانوني. وهنا تحديدا يصبح الخط الفاصل بين الحرب والسياسة ضبابيا بصورة خطيرة. وهذا هو أيضا سبب تزايد حدة الانتقادات الصادرة من داخل إسرائيل. ولم يعد احتمال محاولة نتنياهو فتح جبهات جديدة، أو عدم إغلاق الجبهات القائمة، أو إبقاء التوتر الإقليمي مرتفعا بصورة مستمرة من أجل توفير مساحة لنفسه في السياسة الداخلية، مجرد اتهام يوجّه إليه من الخارج؛ بل أصبح احتمالا جديا يُناقش أيضا في أوساط الرأي العام والأمن في إسرائيل. فالحرب تتحول تدريجيا، بالنسبة إلى نتنياهو، من أداة لأمن الدولة إلى أداة لإطالة عمره السياسي.
ما أورده المعلق العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد لافت للغاية من هذه الناحية. فقد كتب أن مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى يشعرون بالقلق من أن نتنياهو يبحث عن مبرر من شأنه تغيير الجدول الزمني للانتخابات. لكن الأهم من ذلك هو أن الجيش الإسرائيلي بدأ يتعرض للإرهاق تدريجيا تحت وطأة حرب متعددة الجبهات، تقترب من عامها الثالث. تعرض سلاح الجو لوتيرة عمليات استثنائية؛ كما تشكل ضغط هائل على الدبابات والعربات المدرعة ومخزونات الذخيرة والقوى البشرية، وقُتل آلاف الجنود أو أصيبوا بجروح جسدية ونفسية. وتشير التقارير إلى وجود أفراد حتى ضمن القوات الدائمة يرغبون في الابتعاد عن مهام الجبهة. وأخطر لحظة بالنسبة إلى أي دولة هي عندما تبدأ القيادة السياسية، من أجل الحفاظ على بقائها، باستنزاف قدرة جيشها على الصمود. وهذه هي المفارقة التي يواجهها نتنياهو بالضبط. يعتقد أنه يعزز إسرائيل كلما أظهر القوة؛ لكنه كلما أطال الحرب، استنزف قوة إسرائيل من الداخل.
أخطر لحظة بالنسبة إلى أي دولة هي عندما تبدأ القيادة السياسية، من أجل الحفاظ على بقائها، باستنزاف قدرة جيشها على الصمود
أما تركيا، فعلى العكس تماما، تمضي في اتجاه آخر، ولهذا السبب تكتسب مواقف أنقرة إزاء الاستفزازات المحتملة من جانب نتنياهو أهمية كبيرة. ورسالة تركيا واضحة: «لن نقع في فخ الاستفزاز، ولن نكون جزءا من لعبته». وتقرأ أنقرة بهدوء محاولات إسرائيل جر تركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى معادلة توتر جديدة، بما في ذلك التطورات المحيطة بمطار أبو الظهور في سوريا. لأن الدولة القوية ليست الدولة التي تندفع نحو كل فخ يُنصب لها؛ بل هي الدولة التي تدرك أين تُدار اللعبة، وتتحرك في الوقت الذي تحدده هي، وليس في الوقت الذي يريده خصمها. وهذا هو بالضبط المنطق الاستراتيجي الذي طورته تركيا خلال السنوات الأخيرة: الردع من دون الوقوع في الاستفزاز، وإظهار القوة من دون الانجرار إلى الحرب، والقدرة، عند الضرورة، على الوجود في الميدان، وفي الوقت نفسه إقامة طاولة للدبلوماسية. وهنا تظهر الصورة الأكثر إزعاجا بالنسبة إلى نتنياهو، فلم تعد أمامه تركيا التسعينيات، التي كانت مضطرة إلى التحرك ضمن منظومة أمنية رسمها آخرون، بل هناك اليوم تركيا توسع قدراتها الذاتية في مجال الصناعات الدفاعية، وقادرة على تشكيل ثقل دبلوماسي وعسكري في جغرافيا واسعة تمتد من سوريا إلى القوقاز، ومن شرق المتوسط إلى الخليج؛ وتركيا قادرة في الوقت نفسه على التحدث مع واشنطن وموسكو وأوروبا والعالم العربي والعالم التركي.
إن تعزيز قوة أنقرة لا يعني فقط نمو قدرات تركيا؛ بل يعني أيضا تغير معادلة القوى القديمة في الشرق الأوسط، وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة إلى إسرائيل، لأن عقيدة نتنياهو الأمنية تستند إلى بيئة إقليمية مجزأة، ومعادية بعضها لبعض، ومنغلقة على ذاتها، وغير قادرة على التشكيك في التفوق العسكري الإسرائيلي، أما تركيا القوية والقادرة على التحرك باستقلالية، فتصعد بوصفها لاعبا كبيرا يقف خارج هذه المعادلة. ولهذا السبب، فإن قول الرئيس أردوغان في ملاذكرد: «ليس أمامنا في هذه المنطقة أي خيار سوى أن نكون أقوياء، وأن نكون متحدين ومتضامنين»، ليس مجرد دعوة إلى الوحدة موجهة إلى السياسة الداخلية. بل ينبغي قراءته أيضا باعتباره بيانا جيوسياسيا للمرحلة المقبلة. ويتعين على تركيا زيادة قدراتها في مجالات الدفاع والدبلوماسية والنقل والطاقة والتعليم والتكنولوجيا. لأن المسألة لم تعد تقتصر على أمن 85 مليون إنسان فحسب. فهناك جغرافيا واسعة تنظر إلى تركيا، تمتد من البلقان إلى القوقاز، ومن سوريا إلى غزة، ومن آسيا الوسطى إلى افريقيا. ولهذا تتحول تركيا القوية إلى عنصر حاسم ليس فقط في الأهداف الوطنية لأنقرة، وإنما أيضا في التوازنات الإقليمية. إن الردع التركي المتنامي ضروري ليس من أجل إشعال الحرب، بل لمنع الآخرين من فرض الحرب التي يريدونها على تركيا.
قد يكون حساب نتنياهو هو إطالة الحروب؛ أما حساب تركيا فهو قراءة التاريخ على المدى الطويل. أحدهما يحاول إنقاذ الجدول الزمني للانتخابات، بينما يعمل الآخر على بناء منظومة القوى للعقود المقبلة. أحدهما يسعى إلى تحويل نيران غزة، وهشاشة سوريا، ومخاوف المنطقة إلى رأسمال سياسي؛ بينما يحول الآخر قدرته الدفاعية، وأرضية السلام الناشئة في المنطقة، وثقله الدبلوماسي ونفوذه الإقليمي إلى قوة دائمة. وهذه هي الرسالة التي يُراد إيصالها بعد 955 عاما من ملاذكرد: إن حسابات من يريدون إعادة تركيا إلى دولة سلبية لا صوت لها في هذه المنطقة، هي الآن حسابات بُنيت على أساس تركيا القديمة. وأكبر أوهام نتنياهو ستكون اعتقاده أن تركيا يمكن أن تكون أحد الكومبارس في سيناريو حربه. لأن أنقرة لم تعد تؤدي الدور الممنوح لها في سيناريو يكتبه الآخرون؛ بل إنها تبني لعبتها الخاصة. وإذا كان التاريخ تُعاد بالفعل كتابته في المنطقة، فمن الواضح أنه لم يعد من الممكن كتابة ذلك التاريخ من دون تركيا.
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026/08/27 الساعة 00:00