ما هو مصير 'حرب نورماندي' الترامبية؟

عبدالحليم قنديل
نيسان ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 00:00
هل التاريخ يعيد نفسه؟ سؤال فكري فلسفي قديم، كان جواب كارل ماركس عليه ذات مرة، أن التاريخ لا يكرر نفسه، وإن تصور البعض أن الإعادة ممكنة، فهي تجري على النحو التالي، تحدث الواقعة أولا كمأساة أو تراجيديا، ثم تكون الاستعادة ملهاة أو كوميديا، وقد جرى شيء من ذلك مع العملية نيبتون العسكرية، أو عملية إنزال الحلفاء لقواتهم على شواطئ نورماندي الفرنسية، قرب نهايات الحرب العالمية الثانية، وكانت نقطة تحول هائلة في حرب الحلفاء ضد ألمانيا النازية، قادت إلى الهزيمة النهائية لقوات أدولف هتلر، ودخول الحلفاء الغربيين لاحتلال برلين، بعد أن كانت سبقتهم إليها القوات السوفييتية الزاحفة من الشرق.
هذه فكرة عامة عما جرى في عملية انزال نورماندي، التي يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكرارها في عملية معاقبة إيران وسحقها اقتصاديا، ويسميها عملية إنزال اقتصادي، تشبيها لها بعملية إنزال نورماندي الشهيرة، وتبدو تكرارا كوميديا للواقعة الأصلية التراجيدية، وقد لا يمكن اعتبار ترامب صاحب براءة اختراع تكرار عملية نورماندي، فقد سبقه إليها عام 1957 الفنان الكوميدي المصري عبد الفتاح القصري، وسمى مركب صيده في فيلم «ابن حميدو» باسم «نورماندي 2»، وعرض على ابن حميدو (إسماعيل ياسين) شراء المركب الهزيل، وأقام حفل غناء ورقص ومبالغات فجة في مناسبة بيع «نورماندي2»، وكانت المفاجأة الأكثر كوميدية، أن نورماندي عبد الفتاح القصري غرقت في ثوان، ولم تستطع الطفو ثانية، تماما كما تبدو سيرة نورماندي ترامب، الذي يملأ الدنيا ضجيجا عن عبقرية إنزاله الاقتصادي الماحق لإيران، بينما لا يبدو حظه أفضل كثيرا من حظ عبد الفتاح القصري، الذي تجمعه مع ترامب خصال أخرى، بينها تراجعه في كل مرة يقسم فيها «كلمتي ما تنزلش الأرض»، ثم يعود إلى سحب تهديده على طريقة «تنزل المرة دي».
ولأن الشيء بالشيء يذكر، ففي مصر أيضا مثل شعبي دارج يقول «اللي يجرب المجرب عقله مخرب»، ومعنى المثل الشعبي قريب من عبارة شهيرة لأذكى علماء الفيزياء والرياضيات ألبرت أينشتاين، كان أينشتاين يعرف الغباء كالتالي، الغباء أن تكرر فعل الشيء نفسه وتتوقع نتائج مختلفة، وأن تمضي في الطريق الخاطئ مجددا، وتأمل في سلامة الوصول وسرعته، وهو ما لن يحدث بالبداهة العقلية.
وترامب في حربه على إيران، التي انتهت إلى خسارته المتكررة، رغم دخول الحرب شهرها السابع، يعود كالتاجر المفلس إلى تقليب دفاتره القديمة، ويعيد تجريب ما جربه من قبل، من دون جدوى مؤكدة، ويفرض ما سماه أعنف عقوبات اقتصادية ومالية في التاريخ على إيران، وربما ينسى أو يتناسى ما فعله هو بنفسه قبل أكثر من ثماني سنوات، حين قرر في رئاسته الأولى في مايو 2018، انسحاب أمريكا مما سمي إعلاميا الاتفاق النووي الإيراني، وقرر فرض عقوبات الحد الأقصى على إيران، كان وقتها داخلا في مباراة مزايدة على رؤساء أمريكيين سبقوه، لم يتوقفوا أبدا عن فرض عقوبات ضد إيران منذ فوز ثورتها الخمينية عام 1979، وكانت إيران قد احتجزت عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين ورجال المخابرات في مقر السفارة الأمريكية بطهران، ورد الرئيسان الأسبقان جيمى كارتر ورونالد ريغان بتجميد المليارات من أموال إيران المحتجزة، ومن وقتها، أبدت الإدارة الأمريكية، رغبات محمومة في فرض المزيد من العقوبات على اقتصاد إيران، وعلى شركاء إيران التجاريين في الظل، أو في العلن، وهو ما زادت وتيرته منذ عام 2006، مع محاولات البيت الأبيض إضفاء صفة دولية ملزمة على عقوباتها الأحادية، واستصدرت واشنطن قرارات عقوبات من مجلس الأمن الدولي، واتجهت العقوبات السابقة والتالية إلى خنق إيران بتروليا وماليا.
ترامب في حربه على إيران، التي انتهت إلى خسارته المتكررة، يعود كالتاجر المفلس إلى تقليب دفاتره القديمة، ويعيد تجريب ما جربه من قبل، ويفرض ما سماه أعنف عقوبات اقتصادية ومالية في التاريخ على إيران
وأثرت العقوبات بالفعل على الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تحقق هدفها في خنق إيران، ولا في وقف أو إعاقة تطوير أسلحتها الصاروخية وبرامجها النووية، بل جرى العكس بالضبط، وطورت إيران حيل التفاف على العقوبات، واتجهت إلى ما سماه المرشد الراحل علي خامنئي باقتصاد المقاومة أو اقتصاد البقاء، وزادت من معدلات الاكتفاء الذاتي في الغذاء بالذات، ومن معدلات التصنيع الذاتي للماكينات والسيارات والآلات والأدوية، وأقامت نظاما تعليميا غاية في الكفاءة والإنتاجية، وأفادتها العزلة عن العالم في تجنب الاستدانة، وإلى حد أن إيران ـ حتى اليوم ـ ليست مدينة لأحد ولا بدولار واحد، وحاولت تطوير فضاء اقتصادي يخدمها، من الانضمام إلى تحالف شنغهاي، وحتى الانضمام إلى مجموعة البريكس، وساعدها امتدادها الجغرافي، واتصال حدودها مباشرة أو عبر الماء مع 15 دولة، وأبدعت في صيغ تبادل تجاري متجنبة التعامل بالدولار، وصار لها حلفاء أقوياء، وجيران تتعامل بسلاسة معهم، من الصين إلى روسيا وباكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى والعراق وبعض الدول الأوروبية، فلدى إيران ما تصدره ويحتاجه الآخرون، ليس في مجال البترول والغاز الطبيعي والبتروكيماويات فحسب، بل في سلع زراعية وصناعية كثيرة، فدرجة اعتماد الاقتصاد الإيراني على تصدير البترول ومشتقاته لا تزيد على الثلاثين في المئة.
والمعنى ببساطة، أن حلم ترامب في خنق إيران، لا يبدو قابلا للتحقق، ومهما كانت ضراوة الضغوط الأمريكية على شركاء إيران، وهو ما بدا ظاهرا في ردود الفعل الأولى على خطة ترامب ووزير خزانته سكوت بيسنت، فقد اعتبرت الصين عقوبات واشنطن إجراءات أحادية لا تلزم أحدا، وفي رئاسة ترامب الثانية الجارية، تحدت الصين ترامب وحروب رسومه الجمركية، واستخدمت ضد واشنطن أسلحة اقتصادية ثقيلة، من نوع الحظر الجزئي الفعال الذي فرضته على تصدير المعادن الثمينة النادرة إلى أمريكا، وقامت بكين بتنويع وتوسيع خرائط تعاملاتها التجارية، ونزلت بنسبة احتياجها التجاري للسوق الأمريكية إلى عشرة في المئة من مجموع تجارتها العالمية، وحققت فائضا تجاريا مرعبا بمئات مليارات الدولارات في تعاملاتها مع واشنطن ذاتها، وكسبت الصين شركاء تجاريين كبارا من الغرب الناقم على رعونة وعجرفة ترامب، من كندا إلى إسبانيا وألمانيا وغيرها، وأصبح حجم تجارتها السنوية العالمية يفوق الثلاثة تريليونات دولار، بينما الفائض التجاري السنوي لصالحها زاد إلى 1200 مليار دولار، وفي المقابل، تضخمت ديون أمريكا الداخلية والخارجية، وقفزت أخيرا إلى ما يفوق الأربعين تريليون دولار.
وتغيرات العالم التي تقودها الصين، لم تعد تتيح لواشنطن فرص التسلط اللانهائي على الآخرين، ولا منعهم بالقسر والتخويف من التعامل مع إيران، فقد أفرط الغرب عموما، وأفرطت واشنطن بالذات، في استخدام سلاح العقوبات، والقاعدة الفيزيائية السارية، تقول إن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، وقد أثقلوا كاهل إيران بما يزيد على خمسة آلاف نوع من العقوبات، لم تسقط إيران بسببها عبر خمسة عقود مضت، ولا يتصور عاقل أنها ستسقط من التكرار الذي يعلم الشطار، ولا يتعلم منه أمثال الرئيس الكوميدي دونالد ترامب، الذي لن يكون مصير إنزاله النورماندي أفضل كثيرا من نهاية مركب نورماندي 2 لصاحبها الكوميدى الشهير عبد الفتاح القصري .
لا يعني ما نقول طبعا أن الشعب الإيراني لن يتأثر سلبا بالمزيد من العقوبات، التي لن تقعده عن مواصلة صموده المذهل رغم المحن، وربما بفضل المحن، التي تعيد صهر الشعوب الحية وتخلقها خلقا جديدا، فالشعور بالخطر يوقظ الحواس، وأن يعيش أحد في خطر أفضل من أن يموت، والشعوب لا تموت أبدا مهما بلغ ضيق الحياة وشظف العيش، ومالا يفهمه أمثال ترامب في التاريخ الإنساني، أن ثقافة شعوب الشرق مختلفة، وبالذات في دائرة شعوب الإسلام، التي لا ترى الموت نهاية للحياة، بل تراه ذهابا إلى حياة أخرى أخلد وأكرم، تكون فيها مكانة الشهداء في أعلى عليين، وثقافة الإسلام الإيراني تقدس الشهادة والثبات على الحق وتحدي الطغاة والمستكبرين، وفي المنازلة الجارية منذ عقود، أثبتت إيران مقدرتها المذهلة على الصمود والتعافي في أقسى الظروف، بينما معسكر الاستكبار الأمريكي، لا يملك بعضا من مقدرة إيران على الصبر وتحمل المكاره، أضف إلى ذلك، أن العقل الإيراني الحضاري معروف بطاقته الإبداعية، والاعتزاز بتاريخه ضارب الجذور لآلاف السنين، وفي ظروف الخطر الخارجي الماحق، تتوحد الشعوب الإيرانية في قبضة يد، سواء ممن يعارضون نظام الجمهورية الإسلامية أو من يؤيدونه، والنظام القائم ليس معلقا في هواء، وقاعدة تأييده الشعبي واسعة، والحلم بإسقاطه عبث من العبث، سواء بحملات التدمير بالسلاح، أو بضغوط الخنق الاقتصادي.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 00:00