مدنية تقنية تعليمها مصمم لتصنيع النسيان

مالك التريكي
نيسان ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 00:00
عندما تطرقنا السبت الماضي للإشكاليات المتجددة التي تثيرها، في بلدان المغرب العربي، مسألة تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية، بدأنا المقال برواية عَجْلَى لمسار ألبير كامو، ألمعنا فيها إلى أنه تخصص في الفلسفة أثناء الدراسة الجامعية، لمجرد التذكير بأن تعليم الفلسفة راسخ أصيل في عموم المغرب العربي منذ إنشاء الجامعة الجزائرية العصرية (الفرنسية بطبيعة الحال) مطلع القرن العشرين. ولأن المسألة ذات شجون، فقد كان من بين القراء الكرام الذين تفضلوا بالتفاعل مع المقال الكاتب الجزائري المعروف الأستاذ عز الدين مصطفى جلولي الذي أتى في تعليقه المهم ما يلي: «الجزائر المتفلسفة مرتبطة بأسماء ولغة في إبان عهد استعماري طويل مؤلم، وهذا واضح من الكرونولوجيا التي أوجزها الكاتب التونسي بإحكام. ولكن ماذا لو زهدنا في سُلّم الارتقاء الذي علاه ألبير كامو لينال جائزة نوبل؟ السُّلّم ومن استلم وما استلم لنستبدله بسلّم آخر درج عليه علماء الإسلام كلهم تقريبا هو حفظ كتاب الله تعالى منذ الصغر، ثم التدرج في علوم الإسلام والعربية، ثم الانفتاح على المعارف الإنسانية والكونية».
نحن عرب هذا الزمان، مصابون، بل منكوبون، بفادح الخسران اللغوي والثقافي والديني. خسران بدأ منذ أكثر من ثلاثة أجيال أو أربعة
رأي وجيه أوافق عليه تمام الموافقة، ولو أني لست أرى وجه العلاقة بين دراسة جمهور التلامذة والطلبة للفلسفة أو الآداب واللغات الأجنبية، بما فيها أدب المستعمر السابق وفكره ولغته، وبين الطمع أو الزهد في الجوائز العالمية. وإنما الرأي الذي دأبتُ على القول به شخصيا أننا، نحن عرب هذا الزمان، مصابون، بل منكوبون، بفادح الخسران اللغوي والثقافي والديني. خسران بدأ منذ أكثر من ثلاثة أجيال أو أربعة، أي منذ أن فرضت دولة الاستقلال العربية على أبنائها وبناتها نظاما تعليميا قائما على القطيعة شبه التامة مع المعارف العربية والإسلامية النابعة من روح الأمة والملازمة لسيرتها التاريخية. وأول ما خسرناه بلا ريب هو نعمة حفظ القرآن الكريم منذ الصغر. فقد كان الأطفال، حتى عهد تاريخي قريب، يبدؤون رحلة طلب العلم بإتمام حفظ كلام الله تعالى وهُم بين سن التاسعة والحادية عشرة، ثم ما يلبث أن يتعزز هذا الأساس بحفظ شتى المتون اللغوية والبلاغية والأشعار والمأثورات.
ذلك أن مما أُنْسيناهُ في زمننا هذا أن الحفظ ملَكة بشرية خارقة الإمكانات، ولكن تطور المدنية، بتوالي الاختراعات التقنية المريحة، أصاب هذه الملكة بالضمور، فالعطالة. وقد كان سقراط أول المنذرين من هذا الخطر عندما انتقد الكتابة بحسبانها سببا لإضعاف الذاكرة وذريعة لإلغاء وجوبها. بل إنه عدّ اختراع الكتابة بداية للنسيان، المانع لحسن الفهم ولبلوغ الحكمة، عند من يثقون فيها ويتّكلون عليها. وقد بلغت هذه الحال «النّسيانية» أقصاها عند البشرية المعاصرة، حيث تحول الاتكال على المكتوب، فالمطبوع، فالإلكتروني، فالرقمي تواكُلا كليا شالّا للقدرة على استذكار أي نص (أو حتى حفظ أي رقم هاتفي). على أن الحقيقة التي طوتها الغفلة المعاصرة أن معظم الأمم ظلت، حتى أوائل القرن العشرين، تُنَشِّئ نَشْأَها على حفظ مقاطع طويلة من النصوص التأسيسية لحضاراتها. فقد كان التعليم الابتدائي والثانوي القديم في بريطانيا وفرنسا، مثلا، يقوم على حفظ أشعار هوميروس باليونانية وفرجيل وهوراس وأوفيد باللاتينية إضافة إلى كلاسيكيات الشعر الفرنسي والإنكليزي. ولكن إذا كان إخراج هذه الملكة البشرية الخارقة الكامنة في كل طفل، أي ملكة الحفظ عن ظهر قلب، من الإمكان إلى الوجود شأنا نخبويا، يقتصر على المرشحين لتولي الوظائف الدينية والعلمية، في الحضارة الغربية فإنه في حضارتنا الإسلامية شأن عمومي لأن حفظ الكتاب العزيز (الذي يبلغ طول نصه 77 ألفا و439 كلمة) أمر جلل ولكنه كان متاحا لكل طفل مسلم فقيرا كان أم غنيا، وسواء صار، مثل أبيه، حمالا أو حدادا، طبيبا أو فقيها.
لقد كان الحفظ في حضارتنا فضيلة تربوية حافزها التأصيل الديني للمواطن المسلم، أما غايتها فهي التوسيع اللامتناهي لمهارات التعلّم وملكات التحصيل بالجهد الذاتي. ذلك أن الطالب الذي يقبل على تخصصه، سواء في الإنسانيات أم الطبيعيات، وهو مسلح بذاكرة خارقة وبملكة حفظ متحفزة هو أدعى لأن يتفوق ويُحسن تَمَثُّل كل جديد. ولتقريب الصورة، فلنتصور لامتناهيات النبوغ التي يمكن أن يبلغها أي طالب علم عصري لو أتاح له نظام التعليم الابتدائي أن يتحلى منذ الصغر بحافظة فائقة مثل تلك التي نرى تجلياتها البهيجة عند الشيخين العالمين الحسن ولد الددو وسعيد الكملي.
وبعدُ، فليس ما سبق سوى وجه مفرد من مسألة متنوعة الأوجه نحتاج فيها لدراسات وحوارات.
٭ كاتب تونسي
    نيسان ـ نشر في 2026/08/29 الساعة 00:00