التفاوض من أجل التفاوض: إستراتيجية إسرائيل المزمنة
نيسان ـ نشر في 2026/08/30 الساعة 00:00
يبدو بعض المسؤولين والمعلّقين السياسيين اللبنانيين مندهشين من عدم التزام إسرائيل بما يُسمّى «الاتفاق – الإطار» الموقّع مع لبنان في شهر حزيران (يونيو) الفائت، رغم أنه أقرب نص «تفاوضي» ممكن إلى مُرادها. وتزداد دهشتهم، بعد أن تفاخروا بتصريحات لدونالد ترامب اعتبروها ضمانتهم الرئيسية، من كون واشنطن تتمنّع عن الضغط على تل أبيب لتجميد تفجير ما تبقّى من بلدات في المنطقة المحتلة، أو لوقف بعض غاراتها الجوية وقصفها لبلدات أخرى خارج تلك المنطقة. هذا طبعاً دون أن نذكر رفض إسرائيل لأي انسحابات ولَو رمزية أو حتى تعهّدات بهكذا انسحابات في المدى المنظور.
على أن أي تدقيق بتاريخ التفاوض الإسرائيلي القديم أو الحديث يُظهر سذاجة الدهشة وسذاجة المراهنة على الولايات المتحدة الأمريكية لفرض أمور لا يقبل بها الإسرائيليون، على الأقل منذ توقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية العام 1993 وحتى الآن.
من كامب دافيد إلى وادي عربة
يمكن القول إن «اتّفاق السلام» الجدّي الوحيد الذي وقّعته إسرائيل كان اتفاقها مع مصر العام 1979، والذي تمّ بمواكبة أميركية ضاغطة، كانت تريد الوصول بأي شكل إلى صلح مصري إسرائيلي يغيّر من شكل المنطقة وموازين القوى فيها في عزّ الحرب الباردة مع موسكو. والاتفاق المذكور الذي تمسّكت فيه مصر، الدولة العربية والمتوسطّية الأكبر ديموغرافياً، باستعادة سيناء مقابل إنهاء حالة الحرب مع الإسرائيليين كان أوّل إقفال لجبهة عربية هي الأوسع والأكثر كلفة لإسرائيل، تبعه انتهاء الحروب «الرسمية»، أي حروب الدول العربية معها لاستحالتها من دون مصر، وانتقال الكفاح المسلّح عربياً إلى تنظيمات فلسطينية ولبنانية، لا قدرة لها على التحرّك سوى من «الجبهة الشمالية». وتبع الاتفاق أيضاً، وهذا الأهم للولايات المتّحدة، انتقال مصر من حلفها السوفياتي القائم منذ نهاية الخمسينات إلى معسكر واشنطن، في لحظة كانت الأخيرة تفقد فيها حليفها الإيراني، مع سقوط الشاه رضا بهلوي ولجوئه إلى مصر ذاتها.
ورغم كل المفاوضات السرّية أو غير الرسمية التي سبقت وتلت الاتفاق المصري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أي تقدّم لم يُحرز، وواصلت إسرائيل اغتيال القادة الفلسطينيين، ثم اجتاحت لبنان وأخرجت منظمة التحرير من بيروت العام 1982، وفرضت على السلطات اللبنانية التي أنتجتها مفاعيلُ الاجتياح اتفاقاً أمنياً وسياسياً، أسقطته الانقسامات الأهلية في البلد والقوى الرافضة له، مدعومة بحملة سورية أرادت بعد التخلّص منه، فرض نفسها على كل مسار تفاوضي لاحق باسم البلدين.
هكذا، تجمّد الأمر التفاوضي في المنطقة ككل رغم استمرار اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية في العواصم الأوروبية، إلى أن تسارعت التطوّرات مع الانتفاضة الأولى في غزة والضفة الغربية، ثم مع اجتياح العراق للكويت وحرب الخليج وانتشار الجيش الأمريكي في الجزيرة العربية بعد انتهاء «عاصفة الصحراء» العام 1991، بالترافق مع الانهيار السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وإعلان «النظام العالمي الجديد». يومها أطلق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر مؤتمر مدريد للسلام، وأدّى التفاوض بين الأطراف العربية، بما فيها الفلسطينية، وإسرائيل إلى اتفاق أوسلو (ولنا عودة إليه)، ثم إلى اتفاق «وادي عربة» مع الأردن العام 1994.
وكرّس اتفاق السلام الإسرائيلي الأردني حالة الهدوء شبه التام، التي كانت أصلاً قائمة على حدود البلدين منذ «أيلول الأسود» العام 1970. وكرّس أيضاً، وهذا الأهمّ بالنسبة لإسرائيل، توطين فلسطينيي الأردن (وهم على الأقل نصف سكّان المملكة) المجنّسة أكثريّتهم منذ قانون العام 1954، وأقام التعاون المائي والتجاري بين «الجارين»، في وقت كانت إسرائيل تواصل التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية على تقسيم أراضي الضفة إلى مناطق، جعلت من واحدتها (المنطقة ج) الأكبر مساحة والأغنى بالمياه، على حدود الأردن تحديداً، المنطقة التي تُبقي بعد أي اتفاق سيطرتها عليها، بما يُخرج الفلسطينيين من التفاهمات المائية والحدودية مع عمّان.
فلسطين وسوريا ولبنان
في مقابل الاتفاق التاريخي مع مصر، والاتفاق المنفعي والمفيد مع الأردن، حليف الولايات المتحدة بمعزل عن أي اعتبار، عرف التفاوض مع الفلسطينيين من جهة، ومع سوريا ولبنان من جهة ثانية مسارين فاشلين. الأول فشل لقرار إسرائيلي لم يتبدّل منذ العام 1948، بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية ولو على جزء صغير من الأراضي المحتلة. والثاني، لرفض إسرائيل الانسحاب الكامل من الجولان، ولرفض حافظ الأسد بدوره الوصول إلى سلام إقليمي يُفقده السيطرة على لبنان ويعقّد انتقال السلطة بسلاسة في دمشق إلى ابنه بشار بعد مقتل ابنه الأول باسل في حادث السيارة الشهير. مات الأسد بعد ذلك من دون توقيع أي اتفاق مع إيهود باراك العام 2000. وانسحب الأخير من جنوب لبنان المحتلّ بعد تصاعد المعارضة الداخلية في إسرائيل لاحتلال مكلف بشرياً نتيجة تاريخ من العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين وعملائهم، بدأها اليسار الشيوعي اللبناني وانخرطت فيها حركة أمل قبل أن تصبح حِكراً على حزب الله لأسباب كثيرة، سياسية إقليمية وعملاتية وتعبوية. على أن الانسحاب الإسرائيلي استثنى عن عمد مزارع شبعا (السورية سيادةً واللبنانية ملكيةً عقارية)، بما أبقى حجّة المقاومة قائمة وقدّم الذرائع لسوريا وإيران (وحزب الله) وإسرائيل نفسها لإبقاء نقطة توتّر يمكن أن تستجلب التفاوض والوساطات الدورية.
أما فلسطينياً، ورغم تزوير الحقائق الذي قامت به إسرائيل، فإن مبدأ التفاوض للتفاوض كان المبدأ الناظم لكل سلوكها: من إسحق شامير الذي اضطرّ للقبول بملاقاة الفلسطينيين نتيجة الضغط الأمريكي الذي مارسه جيمس بيكر (ولم يتكرّر مرّة بعد ذلك، بما فيه لناحية تجميد المساعدات المالية والعسكرية)، إلى إسحق رابين الذي أطاح مفاوضوه من اتفاق «أوسلو» بالقضايا الأربع الأهم، الاستيطان، وحق العودة، والقدس، والسيادة على الحدود والأجواء والموارد، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو الذي كرّر قبل اغتيال رابين وبعده عشرات المرّات أنه سيمزّق ما تبقّى من أوسلو وأن لا قيام لدولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، عمد الإسرائيليون طيلة الوقت إلى المماطلة والمراوغة ومواصلة الاستيطان.
وهذا هو السبب الأول، إن لم نقل الوحيد، الذي عطّل فعلياً كل إمكانية لتسوية مع الفلسطينيين. فالاستيطان وتمويله وما يرافق توسّعه من سطو إضافي على أراضٍ في الضفة والقدس، ومن مصادرةٍ للمياه واستحداثٍ دوري لحواجز عسكرية جديدة، تزايد قبل مقتل رابين على يد متطرّف يهودي، وبموازاة مجزرة مسجد الخليل، واستمر بعد فوز نتنياهو (كما في عزّ عودة حزب العمل القصيرة بقيادة باراك إلى السلطة لاحقاً). وتزايدت كذلك عمليات اغتيال مسؤولي حماس والجهاد، التي ردّ عليها الإسلاميون الفلسطينيون بعمليّاتهم، وخرجت الأمور ميدانياً عن سيطرة السلطة الوطنية في رام الله، قبل أن تنطلق الانتفاضة الثانية العام 2000 ويصل مجرم الحرب أرييل شارون إلى رئاسة الحكومة في تل أبيب ويحاصر ياسر عرفات، وتُطوى مع رحيل الأخير الصفحة الأطول في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
ولم يحصل أي تطوّر «إيجابي» بعد ذلك، رغم ممالأة سلطة محمود عباس للأمريكيين وقبولها بشروطهم ورهانها على وعودهم، ورغم تواصل اللقاءات والمفاوضات مع الإسرائيليين، ورغم الحرب مع حركة حماس وانفصال الضفة، التي استمرّ الاستيطان والجدار بالتهام أراضيها، عن غزة التي تحوّلت إلى أكبر سجن على الأرض نتيجة حصار وحروب لم تتوقّف منذ العام 2008، قاتلة آلاف الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر 2023وعشرات الألوف بعده.
لبنان المحتلّ والمنقسم
بالعودة إلى لبنان اليوم، تراوح المفاوضات المستجدّة مع إسرائيل مكانها، بعد احتلال الأخيرة جزءاً من الجنوب وتدميره وفشل حزب الله في ردعها ميدانياً على ما كان يدّعي ذريعةً لسلاحه. ولا يبدو من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه المتباهيَين بالاحتلال والتدمير أن انسحاب قوّاتهم وارد، ولا أنه نهاية مطاف المفاوضات. فالمطلوب من قبلهم هو «نزع سلاح حزب الله» من قبل الجيش اللبناني وقوات دولية (من دول حليفة لتل أبيب)، ثم تأكّد إسرائيل وحلفائها من ذلك، ثم البحث في مستقبل المنطقة المحتلة، مع تأكيد على أن لا عودة سكّان إليها وإعادة إعمار من دون موافقة إسرائيلية، ومع تأكيد آخر مسرّب عبر ديبلوماسيين غربيّين أن بعض مناطقها ستكون مناطق اقتصادية مفتوحة «يستفيد منها البلدان».وهذا كلّه يعني أن لا اتفاق ممكناً، وأن التفاوض يمكن أن يستمرّ لسنوات من دون تقدّم فعلي، إذ أن من يجزم في مدى التقدّم المُحرز هو إسرائيل ذاتها.
وإذ يظنّ البعض أن وعود الرئيس ترامب لهم كافية بقلب هذا المسار، يخطئون تماماً في ظل قدرة تل أبيب على المناورة في سوريا، حيث تفاوض أيضاً، وفي الضفة وغزة وفي جبهة إيران، ولن يضغط ترامب عليها إلا حيث قواته منخرطة في الحرب وحيث لا يريد شراكة في اتخاذ القرارات.
هل يعني الأمر أن خيار التفاوض اللبناني خاطئ؟
بالتأكيد لا. فخيار التحرير بالقوة العسكرية معدوم راهناً. وأحوال الناس المهجّرة والمدمّرة بيوتها تتطلّب كل جهد ممكن، وفي أسرع وقت. والتفاوض بالتالي ضروري، وإنما بشروط وبمبادرات مختلفة عن تلك المُنتهَجة حالياً والتي لن توصل إلى نتيجة. فالمطلوب هو توسيع هوامش التفاوض، والتنسيق مع باكستان وتركيا والسعودية ومصر وقطر وسوريا والأردن والعراق وفرنسا وبريطانيا، وصولاً إلى الصين، سعياً للاستفادة من كلّ ما يمكنه التأثير على البيت الأبيض ليضغط بفاعلية على إسرائيل. وإدارة التفاوض تتطلّب بموازاتها، جهداً داخلياً لبنانياً متجدداً، لتقليص الانقسامات التي تؤثّر سلباً على المفاوضات وعلى التعهّدات، ولانتزاع تجاوب مع قرارات الدولة اللبنانية بحصر السلاح، مقابل إصرارها على وقف العدوان الإسرائيلي والشروع بالانسحاب قبل أي بحث آخر.
من دون ذلك، يصعب تخيّل أي تقدّم مع من يتقن التفاوض بهدف التفاوض، وقواته تواصل الإبادة العمرانية والاحتلال على الأرض.
*كاتب وأكاديمي لبناني
على أن أي تدقيق بتاريخ التفاوض الإسرائيلي القديم أو الحديث يُظهر سذاجة الدهشة وسذاجة المراهنة على الولايات المتحدة الأمريكية لفرض أمور لا يقبل بها الإسرائيليون، على الأقل منذ توقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية العام 1993 وحتى الآن.
من كامب دافيد إلى وادي عربة
يمكن القول إن «اتّفاق السلام» الجدّي الوحيد الذي وقّعته إسرائيل كان اتفاقها مع مصر العام 1979، والذي تمّ بمواكبة أميركية ضاغطة، كانت تريد الوصول بأي شكل إلى صلح مصري إسرائيلي يغيّر من شكل المنطقة وموازين القوى فيها في عزّ الحرب الباردة مع موسكو. والاتفاق المذكور الذي تمسّكت فيه مصر، الدولة العربية والمتوسطّية الأكبر ديموغرافياً، باستعادة سيناء مقابل إنهاء حالة الحرب مع الإسرائيليين كان أوّل إقفال لجبهة عربية هي الأوسع والأكثر كلفة لإسرائيل، تبعه انتهاء الحروب «الرسمية»، أي حروب الدول العربية معها لاستحالتها من دون مصر، وانتقال الكفاح المسلّح عربياً إلى تنظيمات فلسطينية ولبنانية، لا قدرة لها على التحرّك سوى من «الجبهة الشمالية». وتبع الاتفاق أيضاً، وهذا الأهم للولايات المتّحدة، انتقال مصر من حلفها السوفياتي القائم منذ نهاية الخمسينات إلى معسكر واشنطن، في لحظة كانت الأخيرة تفقد فيها حليفها الإيراني، مع سقوط الشاه رضا بهلوي ولجوئه إلى مصر ذاتها.
ورغم كل المفاوضات السرّية أو غير الرسمية التي سبقت وتلت الاتفاق المصري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أي تقدّم لم يُحرز، وواصلت إسرائيل اغتيال القادة الفلسطينيين، ثم اجتاحت لبنان وأخرجت منظمة التحرير من بيروت العام 1982، وفرضت على السلطات اللبنانية التي أنتجتها مفاعيلُ الاجتياح اتفاقاً أمنياً وسياسياً، أسقطته الانقسامات الأهلية في البلد والقوى الرافضة له، مدعومة بحملة سورية أرادت بعد التخلّص منه، فرض نفسها على كل مسار تفاوضي لاحق باسم البلدين.
هكذا، تجمّد الأمر التفاوضي في المنطقة ككل رغم استمرار اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية في العواصم الأوروبية، إلى أن تسارعت التطوّرات مع الانتفاضة الأولى في غزة والضفة الغربية، ثم مع اجتياح العراق للكويت وحرب الخليج وانتشار الجيش الأمريكي في الجزيرة العربية بعد انتهاء «عاصفة الصحراء» العام 1991، بالترافق مع الانهيار السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وإعلان «النظام العالمي الجديد». يومها أطلق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر مؤتمر مدريد للسلام، وأدّى التفاوض بين الأطراف العربية، بما فيها الفلسطينية، وإسرائيل إلى اتفاق أوسلو (ولنا عودة إليه)، ثم إلى اتفاق «وادي عربة» مع الأردن العام 1994.
وكرّس اتفاق السلام الإسرائيلي الأردني حالة الهدوء شبه التام، التي كانت أصلاً قائمة على حدود البلدين منذ «أيلول الأسود» العام 1970. وكرّس أيضاً، وهذا الأهمّ بالنسبة لإسرائيل، توطين فلسطينيي الأردن (وهم على الأقل نصف سكّان المملكة) المجنّسة أكثريّتهم منذ قانون العام 1954، وأقام التعاون المائي والتجاري بين «الجارين»، في وقت كانت إسرائيل تواصل التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية على تقسيم أراضي الضفة إلى مناطق، جعلت من واحدتها (المنطقة ج) الأكبر مساحة والأغنى بالمياه، على حدود الأردن تحديداً، المنطقة التي تُبقي بعد أي اتفاق سيطرتها عليها، بما يُخرج الفلسطينيين من التفاهمات المائية والحدودية مع عمّان.
فلسطين وسوريا ولبنان
في مقابل الاتفاق التاريخي مع مصر، والاتفاق المنفعي والمفيد مع الأردن، حليف الولايات المتحدة بمعزل عن أي اعتبار، عرف التفاوض مع الفلسطينيين من جهة، ومع سوريا ولبنان من جهة ثانية مسارين فاشلين. الأول فشل لقرار إسرائيلي لم يتبدّل منذ العام 1948، بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية ولو على جزء صغير من الأراضي المحتلة. والثاني، لرفض إسرائيل الانسحاب الكامل من الجولان، ولرفض حافظ الأسد بدوره الوصول إلى سلام إقليمي يُفقده السيطرة على لبنان ويعقّد انتقال السلطة بسلاسة في دمشق إلى ابنه بشار بعد مقتل ابنه الأول باسل في حادث السيارة الشهير. مات الأسد بعد ذلك من دون توقيع أي اتفاق مع إيهود باراك العام 2000. وانسحب الأخير من جنوب لبنان المحتلّ بعد تصاعد المعارضة الداخلية في إسرائيل لاحتلال مكلف بشرياً نتيجة تاريخ من العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين وعملائهم، بدأها اليسار الشيوعي اللبناني وانخرطت فيها حركة أمل قبل أن تصبح حِكراً على حزب الله لأسباب كثيرة، سياسية إقليمية وعملاتية وتعبوية. على أن الانسحاب الإسرائيلي استثنى عن عمد مزارع شبعا (السورية سيادةً واللبنانية ملكيةً عقارية)، بما أبقى حجّة المقاومة قائمة وقدّم الذرائع لسوريا وإيران (وحزب الله) وإسرائيل نفسها لإبقاء نقطة توتّر يمكن أن تستجلب التفاوض والوساطات الدورية.
أما فلسطينياً، ورغم تزوير الحقائق الذي قامت به إسرائيل، فإن مبدأ التفاوض للتفاوض كان المبدأ الناظم لكل سلوكها: من إسحق شامير الذي اضطرّ للقبول بملاقاة الفلسطينيين نتيجة الضغط الأمريكي الذي مارسه جيمس بيكر (ولم يتكرّر مرّة بعد ذلك، بما فيه لناحية تجميد المساعدات المالية والعسكرية)، إلى إسحق رابين الذي أطاح مفاوضوه من اتفاق «أوسلو» بالقضايا الأربع الأهم، الاستيطان، وحق العودة، والقدس، والسيادة على الحدود والأجواء والموارد، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو الذي كرّر قبل اغتيال رابين وبعده عشرات المرّات أنه سيمزّق ما تبقّى من أوسلو وأن لا قيام لدولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، عمد الإسرائيليون طيلة الوقت إلى المماطلة والمراوغة ومواصلة الاستيطان.
وهذا هو السبب الأول، إن لم نقل الوحيد، الذي عطّل فعلياً كل إمكانية لتسوية مع الفلسطينيين. فالاستيطان وتمويله وما يرافق توسّعه من سطو إضافي على أراضٍ في الضفة والقدس، ومن مصادرةٍ للمياه واستحداثٍ دوري لحواجز عسكرية جديدة، تزايد قبل مقتل رابين على يد متطرّف يهودي، وبموازاة مجزرة مسجد الخليل، واستمر بعد فوز نتنياهو (كما في عزّ عودة حزب العمل القصيرة بقيادة باراك إلى السلطة لاحقاً). وتزايدت كذلك عمليات اغتيال مسؤولي حماس والجهاد، التي ردّ عليها الإسلاميون الفلسطينيون بعمليّاتهم، وخرجت الأمور ميدانياً عن سيطرة السلطة الوطنية في رام الله، قبل أن تنطلق الانتفاضة الثانية العام 2000 ويصل مجرم الحرب أرييل شارون إلى رئاسة الحكومة في تل أبيب ويحاصر ياسر عرفات، وتُطوى مع رحيل الأخير الصفحة الأطول في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
ولم يحصل أي تطوّر «إيجابي» بعد ذلك، رغم ممالأة سلطة محمود عباس للأمريكيين وقبولها بشروطهم ورهانها على وعودهم، ورغم تواصل اللقاءات والمفاوضات مع الإسرائيليين، ورغم الحرب مع حركة حماس وانفصال الضفة، التي استمرّ الاستيطان والجدار بالتهام أراضيها، عن غزة التي تحوّلت إلى أكبر سجن على الأرض نتيجة حصار وحروب لم تتوقّف منذ العام 2008، قاتلة آلاف الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر 2023وعشرات الألوف بعده.
لبنان المحتلّ والمنقسم
بالعودة إلى لبنان اليوم، تراوح المفاوضات المستجدّة مع إسرائيل مكانها، بعد احتلال الأخيرة جزءاً من الجنوب وتدميره وفشل حزب الله في ردعها ميدانياً على ما كان يدّعي ذريعةً لسلاحه. ولا يبدو من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه المتباهيَين بالاحتلال والتدمير أن انسحاب قوّاتهم وارد، ولا أنه نهاية مطاف المفاوضات. فالمطلوب من قبلهم هو «نزع سلاح حزب الله» من قبل الجيش اللبناني وقوات دولية (من دول حليفة لتل أبيب)، ثم تأكّد إسرائيل وحلفائها من ذلك، ثم البحث في مستقبل المنطقة المحتلة، مع تأكيد على أن لا عودة سكّان إليها وإعادة إعمار من دون موافقة إسرائيلية، ومع تأكيد آخر مسرّب عبر ديبلوماسيين غربيّين أن بعض مناطقها ستكون مناطق اقتصادية مفتوحة «يستفيد منها البلدان».وهذا كلّه يعني أن لا اتفاق ممكناً، وأن التفاوض يمكن أن يستمرّ لسنوات من دون تقدّم فعلي، إذ أن من يجزم في مدى التقدّم المُحرز هو إسرائيل ذاتها.
وإذ يظنّ البعض أن وعود الرئيس ترامب لهم كافية بقلب هذا المسار، يخطئون تماماً في ظل قدرة تل أبيب على المناورة في سوريا، حيث تفاوض أيضاً، وفي الضفة وغزة وفي جبهة إيران، ولن يضغط ترامب عليها إلا حيث قواته منخرطة في الحرب وحيث لا يريد شراكة في اتخاذ القرارات.
هل يعني الأمر أن خيار التفاوض اللبناني خاطئ؟
بالتأكيد لا. فخيار التحرير بالقوة العسكرية معدوم راهناً. وأحوال الناس المهجّرة والمدمّرة بيوتها تتطلّب كل جهد ممكن، وفي أسرع وقت. والتفاوض بالتالي ضروري، وإنما بشروط وبمبادرات مختلفة عن تلك المُنتهَجة حالياً والتي لن توصل إلى نتيجة. فالمطلوب هو توسيع هوامش التفاوض، والتنسيق مع باكستان وتركيا والسعودية ومصر وقطر وسوريا والأردن والعراق وفرنسا وبريطانيا، وصولاً إلى الصين، سعياً للاستفادة من كلّ ما يمكنه التأثير على البيت الأبيض ليضغط بفاعلية على إسرائيل. وإدارة التفاوض تتطلّب بموازاتها، جهداً داخلياً لبنانياً متجدداً، لتقليص الانقسامات التي تؤثّر سلباً على المفاوضات وعلى التعهّدات، ولانتزاع تجاوب مع قرارات الدولة اللبنانية بحصر السلاح، مقابل إصرارها على وقف العدوان الإسرائيلي والشروع بالانسحاب قبل أي بحث آخر.
من دون ذلك، يصعب تخيّل أي تقدّم مع من يتقن التفاوض بهدف التفاوض، وقواته تواصل الإبادة العمرانية والاحتلال على الأرض.
*كاتب وأكاديمي لبناني
نيسان ـ نشر في 2026/08/30 الساعة 00:00