في شرح تراجع تأييد إسرائيل في دوائر السياسة الأمريكية
نيسان ـ نشر في 2026/09/01 الساعة 00:00
لم تعد السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والضفة الغربية، ولا المقاربة الإسرائيلية للصراعات الممتدة في الشرق الأوسط، تحظى بالقبول الذي طالما تمتعت به في قطاعات واسعة من الحياة السياسية الأمريكية. والأهم من ذلك أن الاعتراض على هذه السياسات لم يعد محصوراً في اليسار الأمريكي أو في قطاعات الحزب الديمقراطي، بل بدأ يظهر، وإن بدرجات متفاوتة وبأسباب مختلفة، داخل التيار الشعبوي والقومي الذي تمثله حركة «ماغا» داخل الحزب الجمهوري. وبذلك تتشكل في الولايات المتحدة، للمرة الأولى منذ عقود، مساحة سياسية عابرة للانقسامات الحزبية التقليدية ترى أن استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل بات يفرض تكاليف سياسية واستراتيجية وأخلاقية لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهلها.
لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة قد تحولت إلى دولة معادية لإسرائيل، أو أن الإجماع التقليدي المؤيد للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين قد انهار بصورة كاملة. فما زالت إسرائيل تحظى بتأييد قوي داخل قطاعات مهمة من الحزب الجمهوري، وما زالت العلاقة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية بين البلدين عميقة وممتدة. كما أن الرئيس دونالد ترامب نفسه لم يتبنَّ قطيعة مع إسرائيل، بل حافظ على علاقة وثيقة بها. غير أن الجديد يتمثل في أن مساحة الاعتراض على السياسات الإسرائيلية اتسعت بصورة لافتة، وأصبحت تشمل قضايا كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية في واشنطن.
وتكشف استطلاعات الرأي الأمريكية في عام 2026 عن هذا التحول بوضوح. فقد أصبحت النظرة إلى الحكومة الإسرائيلية أكثر سلبية، كما تراجعت مكانة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الرأي العام الأمريكي، ولم يعد تأييد إسرائيل موزعاً بالتساوي بين الأجيال والتيارات السياسية. والأكثر دلالة أن 58 في المائة من الديمقراطيين باتوا يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعماً زائداً لإسرائيل، مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل عامين. وفي المقابل، لا يزال الجمهوريون أكثر تأييداً لإسرائيل، لكن الفجوة بينهم وبين الديمقراطيين لم تعد تعني أن الموقف الجمهوري موحد أو محصن ضد التحولات.
في الحزب الديمقراطي، يبدو التحول أكثر عمقاً واتساعاً. فقد انتقل الاعتراض تدريجياً من مجرد انتقاد بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى التشكيك في مجمل السياسة الأمريكية التي تتيح لإسرائيل الاستمرار في الحرب دون شروط سياسية وقانونية واضحة. وأصبحت قطاعات متزايدة من الديمقراطيين، وبخاصة الشباب واليسار التقدمي، تربط بين استمرار الحرب في غزة وبين مسؤولية الولايات المتحدة عن توفير الأسلحة والغطاء السياسي والدبلوماسي لإسرائيل.
وقد ظهر هذا التحول داخل الكونغرس نفسه. ففي أغسطس 2026 وجه 45 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ رسالة إلى نتنياهو طالبوه فيها بوقف تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنهاء الاعتقالات الجماعية للفلسطينيين، والتحقيق في مقتل مواطنين أمريكيين في الأراضي الفلسطينية، كما انتقدوا التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الاستيطانية. ولم تعد هذه المواقف مقتصرة على الجناح التقدمي للحزب، بل باتت تشمل أعضاء أكثر اعتدالاً كانوا تاريخياً من أكثر المدافعين عن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
واللافت هنا أن القضية لم تعد قضية غزة وحدها. فغزة أصبحت مدخلاً لإعادة النظر في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين عموماً، وفي مستقبل الضفة الغربية، وفي الاستيطان، وفي إمكانية قيام دولة فلسطينية، وفي طبيعة الدور الأمريكي في إدارة الصراع. وكلما اتسعت عمليات الاستيطان والعنف الذي يمارسه المستوطنون، أصبح من الصعب على الديمقراطيين الأمريكيين الفصل بين الحرب في غزة وبين مشروع سياسي إسرائيلي أوسع يهدف إلى إعادة رسم مستقبل الأراضي الفلسطينية على نحو يستبعد عملياً حل الدولتين.
وقد انعكس ذلك أيضاً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2026. فالحركة التي بدأت في انتخابات 2024 تحت شعار «غير ملتزم» احتجاجاً على سياسة إدارة جو بايدن تجاه غزة لم تختفِ بعد الانتخابات الرئاسية، بل تحولت إلى بنية سياسية أكثر تنظيماً قادرة على التأثير في الانتخابات التمهيدية واختيار المرشحين. وفي ولايات مثل ميشيغان، بات الناخبون العرب والمسلمون والتقدميون قادرين على تحويل الموقف من حرب غزة إلى عامل مؤثر في تحديد مستقبل المرشحين الديمقراطيين. وتشير التطورات الانتخابية الأخيرة إلى أن القضية لم تعد هامشية داخل الحزب، بل أصبحت جزءاً من الصراع على هوية الحزب نفسه.
لكن التحول الأكثر أهمية، وربما الأكثر إثارة للاهتمام، يحدث على الجانب الآخر من الطيف السياسي الأمريكي. فداخل «ماغا» والتيار الشعبوي القومي المحافظ، أخذ الاعتراض على السياسة الإسرائيلية يتغذى من منطلق مختلف تماماً عن منطلق اليسار الديمقراطي. اليسار يتحدث أساساً عن حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي وحماية المدنيين وضرورة إنهاء الاحتلال والاستيطان، بينما يتحدث جزء من اليمين الشعبوي عن «أمريكا أولاً»، وعن رفض الحروب الخارجية، وعن ضرورة ألا تستخدم الولايات المتحدة مواردها العسكرية والمالية لخوض حروب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
وهنا يبرز اسم تاكر كارلسون بوصفه أحد أكثر الأصوات تأثيراً في هذا التحول داخل اليمين الشعبوي. فقد تحول كارلسون إلى ناقد شديد اللهجة للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وربط ذلك برفضه لتورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط. وفي عام 2026 أصبح الخلاف حول إسرائيل وإيران أحد العوامل التي عمقت المسافة بينه وبين ترامب وبين قطاعات من المؤسسة الجمهورية التقليدية. كما ظهر داخل التيار المحافظ الأوسع عدد من الأصوات التي تسأل بصورة متزايدة: لماذا ينبغي على الولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف حروب تخدم، في تصورها، مصالح دولة أخرى؟
ولا ينبغي المبالغة في حجم هذا التحول داخل «ماغا». فبيانات الرأي العام لا تزال تظهر أن الجمهوريين أكثر تأييداً لإسرائيل من الديمقراطيين بفارق كبير، وأن جزءاً مهماً من قاعدة ترامب ما زال يرى العمليات الإسرائيلية في غزة مبررة. لكن الفارق المهم هو أن التأييد لم يعد عقيدة سياسية مغلقة. فقد أظهرت استطلاعات في 2026 أن 56 في المائة من مؤيدي «ماغا» يؤيدون فرض شروط على المساعدات المقدمة لإسرائيل، بينما يؤكد أغلبهم أن على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للمشكلات الداخلية بدلاً من الإنفاق على الحروب والمساعدات الخارجية.
وهكذا يلتقي، بصورة غير متوقعة، جزء من اليسار الديمقراطي مع جزء من اليمين الشعبوي عند نقطة واحدة: رفض أن يكون الدعم الأمريكي لإسرائيل تلقائياً وغير مشروط. غير أن هذا الالتقاء لا يعني اتفاقاً سياسياً أو أخلاقياً بين الطرفين. فهما يختلفان جذرياً في تفسير أسباب الصراع وفي رؤيتهما للسياسة الخارجية الأمريكية وللمجتمع الأمريكي نفسه. لكنهما يلتقيان في التساؤل عن جدوى استمرار العلاقة بصورتها التقليدية، وعن حدود قدرة إسرائيل على تحديد أجندة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نضع السياسة الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية في سياقها الإقليمي الأوسع. فإسرائيل لم تعد تخوض مواجهة مع الفلسطينيين فقط، بل انخرطت خلال السنوات الأخيرة في سلسلة من الصراعات والمواجهات مع إيران ولبنان وسوريا وغيرها. وفي نظر قطاعات متزايدة من الأمريكيين، يصبح السؤال عندئذ ليس فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد حماية إسرائيل، وإنما ما إذا كانت إسرائيل، من خلال خياراتها العسكرية، تجر الولايات المتحدة بصورة متكررة إلى صراعات إقليمية لا ترغب واشنطن في خوضها.
الاعتراض على هذه السياسات لم يعد محصوراً في اليسار الأمريكي أو في قطاعات الحزب الديمقراطي، بل بدأ يظهر داخل التيار الشعبوي
وهذا السؤال أصبح أكثر حساسية بعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية والتداعيات الإقليمية التي ترتبت عليها. فحتى داخل إدارة ترامب نفسها ظهرت توترات بشأن حدود الالتزام الأمريكي بالمصالح الإسرائيلية. كما أن المبعوث الأمريكي المسؤول عن ملف غزة انتقد مؤخراً استمرار الضربات الإسرائيلية، محذراً من أنها تهدد وقف إطلاق النار والمبادرة الأمريكية لإعادة ترتيب الوضع في غزة. وهذه التطورات تكشف أن واشنطن نفسها لم تعد ترى في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وسيلة تلقائية لتحقيق أهدافها السياسية.
ومن هنا يمكن فهم التغير في النقاش الأمريكي باعتباره انتقالاً من سؤال «هل تقف الولايات المتحدة مع إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «أي إسرائيل تدعم الولايات المتحدة، وأي سياسات إسرائيلية يمكن أن تتحمل واشنطن تكلفتها؟». وهذا تحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل النقاش من مستوى الولاء للتحالف إلى مستوى المصالح والسياسات والنتائج.
لقد كان من السهل تاريخياً على السياسي الأمريكي أن يؤكد أن دعم إسرائيل جزء من التزام الولايات المتحدة بأمن حليف ديمقراطي في الشرق الأوسط. لكن استمرار الحرب في غزة، واتساع الأزمة الإنسانية، وتنامي الاستيطان والعنف في الضفة الغربية، ورفض قطاعات من الحكومة الإسرائيلية لفكرة الدولة الفلسطينية، إضافة إلى انتقال المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، جعلت هذا الخطاب أقل إقناعاً لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين.
والأهم أن إسرائيل نفسها تواجه الآن مشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة لا يمكن حلها من خلال الحملات الإعلامية أو الضغط السياسي التقليدي. فالتغير في الرأي العام ليس مجرد نتيجة لنشاط جماعات مؤيدة للفلسطينيين، بل يعكس تحولاً أعمق في نظرة الأمريكيين إلى الحروب الخارجية وإلى استخدام القوة العسكرية وإلى العلاقة بين المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها. كما أن الأجيال الشابة، بما فيها قطاعات من الشباب الجمهوري، أصبحت أقل ارتباطاً بالإطار التقليدي الذي حكم العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية لعقود. وتشير بيانات بيو إلى أن 57 في المائة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً أصبحوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، وهو تغير لا يمكن تجاهله على المدى الطويل.
لذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بانتقاد نتنياهو أو حكومته الحالية. فالتحول الجاري في الولايات المتحدة يطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية نفسها. وإذا استمرت الحكومة الإسرائيلية في رفض التسوية السياسية مع الفلسطينيين، وفي توسيع الاستيطان، وفي استخدام القوة العسكرية بصورة متكررة في غزة والضفة الغربية وعلى جبهات إقليمية أخرى، فإنها تخاطر بتحويل إسرائيل من قضية تحظى بتوافق أمريكي واسع إلى قضية حزبية واستقطابية.
وهذا ربما يكون أحد أخطر التحولات بالنسبة لإسرائيل. فالقوة الحقيقية للعلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية لم تكن في حجم المساعدات العسكرية وحده، وإنما في كونها تمتعت لعقود بدعم جمهوري وديمقراطي واسع. أما إذا أصبح دعم إسرائيل مرتبطاً بهوية حزب دون الآخر، أو بجناح محدد داخل الحزبين، فإن العلاقة تفقد أحد أهم عناصر استقرارها الاستراتيجي.
ومن ثم فإن الرفض المتنامي للسياسة الإسرائيلية في قطاعات من اليسار الديمقراطي وفي أجزاء من اليمين الشعبوي ليس ظاهرة عابرة، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نتيجة للحرب في غزة. إنها تعبير عن إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الأمريكية، وعن تراجع قدرة الحروب الخارجية والتحالفات التقليدية على الحصول على تأييد غير مشروط، وعن رغبة متزايدة لدى الأمريكيين في أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية أكثر ارتباطاً بالمصالح الوطنية وبالحسابات السياسية والاقتصادية الداخلية.
ولعل المفارقة الأكبر أن هذا التحول يحدث في الوقت الذي تحتاج فيه إسرائيل أكثر من أي وقت مضى إلى الولايات المتحدة. فكلما اتسعت الحروب، وتعمقت المواجهات الإقليمية، وتراجع الأفق السياسي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ازدادت الحاجة إلى الدعم الأمريكي. لكن هذا الدعم نفسه يصبح أكثر صعوبة في الاستمرار عندما تتسع المسافة بين السياسة الإسرائيلية وبين ما تعتبره قطاعات متزايدة من الأمريكيين مصالح وقيم الولايات المتحدة.
وبذلك لم تعد المسألة في واشنطن هي ما إذا كان ينبغي لأمريكا أن تكون إلى جانب إسرائيل أو ضدها. المسألة أصبحت أكثر واقعية وأقل أيديولوجية: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في تحمل كلفة سياسات إسرائيلية لا تنسجم مع مصالحها الإقليمية، ولا تحظى بالقبول المتزايد داخل مجتمعها، وتدفع قطاعات من اليسار الديمقراطي واليمين الشعبوي، رغم اختلاف دوافعهما، إلى التساؤل عن جدوى العلاقة بصورتها الحالية؟ وإذا استمرت إسرائيل في تجاهل هذا التحول، فقد تكتشف أن الخطر الأكبر على مستقبل علاقتها بواشنطن لا يأتي من خصومها التقليديين، وإنما من تغير المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.
لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة قد تحولت إلى دولة معادية لإسرائيل، أو أن الإجماع التقليدي المؤيد للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين قد انهار بصورة كاملة. فما زالت إسرائيل تحظى بتأييد قوي داخل قطاعات مهمة من الحزب الجمهوري، وما زالت العلاقة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية بين البلدين عميقة وممتدة. كما أن الرئيس دونالد ترامب نفسه لم يتبنَّ قطيعة مع إسرائيل، بل حافظ على علاقة وثيقة بها. غير أن الجديد يتمثل في أن مساحة الاعتراض على السياسات الإسرائيلية اتسعت بصورة لافتة، وأصبحت تشمل قضايا كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية في واشنطن.
وتكشف استطلاعات الرأي الأمريكية في عام 2026 عن هذا التحول بوضوح. فقد أصبحت النظرة إلى الحكومة الإسرائيلية أكثر سلبية، كما تراجعت مكانة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الرأي العام الأمريكي، ولم يعد تأييد إسرائيل موزعاً بالتساوي بين الأجيال والتيارات السياسية. والأكثر دلالة أن 58 في المائة من الديمقراطيين باتوا يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعماً زائداً لإسرائيل، مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل عامين. وفي المقابل، لا يزال الجمهوريون أكثر تأييداً لإسرائيل، لكن الفجوة بينهم وبين الديمقراطيين لم تعد تعني أن الموقف الجمهوري موحد أو محصن ضد التحولات.
في الحزب الديمقراطي، يبدو التحول أكثر عمقاً واتساعاً. فقد انتقل الاعتراض تدريجياً من مجرد انتقاد بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى التشكيك في مجمل السياسة الأمريكية التي تتيح لإسرائيل الاستمرار في الحرب دون شروط سياسية وقانونية واضحة. وأصبحت قطاعات متزايدة من الديمقراطيين، وبخاصة الشباب واليسار التقدمي، تربط بين استمرار الحرب في غزة وبين مسؤولية الولايات المتحدة عن توفير الأسلحة والغطاء السياسي والدبلوماسي لإسرائيل.
وقد ظهر هذا التحول داخل الكونغرس نفسه. ففي أغسطس 2026 وجه 45 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ رسالة إلى نتنياهو طالبوه فيها بوقف تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنهاء الاعتقالات الجماعية للفلسطينيين، والتحقيق في مقتل مواطنين أمريكيين في الأراضي الفلسطينية، كما انتقدوا التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الاستيطانية. ولم تعد هذه المواقف مقتصرة على الجناح التقدمي للحزب، بل باتت تشمل أعضاء أكثر اعتدالاً كانوا تاريخياً من أكثر المدافعين عن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
واللافت هنا أن القضية لم تعد قضية غزة وحدها. فغزة أصبحت مدخلاً لإعادة النظر في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين عموماً، وفي مستقبل الضفة الغربية، وفي الاستيطان، وفي إمكانية قيام دولة فلسطينية، وفي طبيعة الدور الأمريكي في إدارة الصراع. وكلما اتسعت عمليات الاستيطان والعنف الذي يمارسه المستوطنون، أصبح من الصعب على الديمقراطيين الأمريكيين الفصل بين الحرب في غزة وبين مشروع سياسي إسرائيلي أوسع يهدف إلى إعادة رسم مستقبل الأراضي الفلسطينية على نحو يستبعد عملياً حل الدولتين.
وقد انعكس ذلك أيضاً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2026. فالحركة التي بدأت في انتخابات 2024 تحت شعار «غير ملتزم» احتجاجاً على سياسة إدارة جو بايدن تجاه غزة لم تختفِ بعد الانتخابات الرئاسية، بل تحولت إلى بنية سياسية أكثر تنظيماً قادرة على التأثير في الانتخابات التمهيدية واختيار المرشحين. وفي ولايات مثل ميشيغان، بات الناخبون العرب والمسلمون والتقدميون قادرين على تحويل الموقف من حرب غزة إلى عامل مؤثر في تحديد مستقبل المرشحين الديمقراطيين. وتشير التطورات الانتخابية الأخيرة إلى أن القضية لم تعد هامشية داخل الحزب، بل أصبحت جزءاً من الصراع على هوية الحزب نفسه.
لكن التحول الأكثر أهمية، وربما الأكثر إثارة للاهتمام، يحدث على الجانب الآخر من الطيف السياسي الأمريكي. فداخل «ماغا» والتيار الشعبوي القومي المحافظ، أخذ الاعتراض على السياسة الإسرائيلية يتغذى من منطلق مختلف تماماً عن منطلق اليسار الديمقراطي. اليسار يتحدث أساساً عن حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي وحماية المدنيين وضرورة إنهاء الاحتلال والاستيطان، بينما يتحدث جزء من اليمين الشعبوي عن «أمريكا أولاً»، وعن رفض الحروب الخارجية، وعن ضرورة ألا تستخدم الولايات المتحدة مواردها العسكرية والمالية لخوض حروب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
وهنا يبرز اسم تاكر كارلسون بوصفه أحد أكثر الأصوات تأثيراً في هذا التحول داخل اليمين الشعبوي. فقد تحول كارلسون إلى ناقد شديد اللهجة للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وربط ذلك برفضه لتورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط. وفي عام 2026 أصبح الخلاف حول إسرائيل وإيران أحد العوامل التي عمقت المسافة بينه وبين ترامب وبين قطاعات من المؤسسة الجمهورية التقليدية. كما ظهر داخل التيار المحافظ الأوسع عدد من الأصوات التي تسأل بصورة متزايدة: لماذا ينبغي على الولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف حروب تخدم، في تصورها، مصالح دولة أخرى؟
ولا ينبغي المبالغة في حجم هذا التحول داخل «ماغا». فبيانات الرأي العام لا تزال تظهر أن الجمهوريين أكثر تأييداً لإسرائيل من الديمقراطيين بفارق كبير، وأن جزءاً مهماً من قاعدة ترامب ما زال يرى العمليات الإسرائيلية في غزة مبررة. لكن الفارق المهم هو أن التأييد لم يعد عقيدة سياسية مغلقة. فقد أظهرت استطلاعات في 2026 أن 56 في المائة من مؤيدي «ماغا» يؤيدون فرض شروط على المساعدات المقدمة لإسرائيل، بينما يؤكد أغلبهم أن على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للمشكلات الداخلية بدلاً من الإنفاق على الحروب والمساعدات الخارجية.
وهكذا يلتقي، بصورة غير متوقعة، جزء من اليسار الديمقراطي مع جزء من اليمين الشعبوي عند نقطة واحدة: رفض أن يكون الدعم الأمريكي لإسرائيل تلقائياً وغير مشروط. غير أن هذا الالتقاء لا يعني اتفاقاً سياسياً أو أخلاقياً بين الطرفين. فهما يختلفان جذرياً في تفسير أسباب الصراع وفي رؤيتهما للسياسة الخارجية الأمريكية وللمجتمع الأمريكي نفسه. لكنهما يلتقيان في التساؤل عن جدوى استمرار العلاقة بصورتها التقليدية، وعن حدود قدرة إسرائيل على تحديد أجندة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نضع السياسة الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية في سياقها الإقليمي الأوسع. فإسرائيل لم تعد تخوض مواجهة مع الفلسطينيين فقط، بل انخرطت خلال السنوات الأخيرة في سلسلة من الصراعات والمواجهات مع إيران ولبنان وسوريا وغيرها. وفي نظر قطاعات متزايدة من الأمريكيين، يصبح السؤال عندئذ ليس فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد حماية إسرائيل، وإنما ما إذا كانت إسرائيل، من خلال خياراتها العسكرية، تجر الولايات المتحدة بصورة متكررة إلى صراعات إقليمية لا ترغب واشنطن في خوضها.
الاعتراض على هذه السياسات لم يعد محصوراً في اليسار الأمريكي أو في قطاعات الحزب الديمقراطي، بل بدأ يظهر داخل التيار الشعبوي
وهذا السؤال أصبح أكثر حساسية بعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية والتداعيات الإقليمية التي ترتبت عليها. فحتى داخل إدارة ترامب نفسها ظهرت توترات بشأن حدود الالتزام الأمريكي بالمصالح الإسرائيلية. كما أن المبعوث الأمريكي المسؤول عن ملف غزة انتقد مؤخراً استمرار الضربات الإسرائيلية، محذراً من أنها تهدد وقف إطلاق النار والمبادرة الأمريكية لإعادة ترتيب الوضع في غزة. وهذه التطورات تكشف أن واشنطن نفسها لم تعد ترى في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وسيلة تلقائية لتحقيق أهدافها السياسية.
ومن هنا يمكن فهم التغير في النقاش الأمريكي باعتباره انتقالاً من سؤال «هل تقف الولايات المتحدة مع إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «أي إسرائيل تدعم الولايات المتحدة، وأي سياسات إسرائيلية يمكن أن تتحمل واشنطن تكلفتها؟». وهذا تحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل النقاش من مستوى الولاء للتحالف إلى مستوى المصالح والسياسات والنتائج.
لقد كان من السهل تاريخياً على السياسي الأمريكي أن يؤكد أن دعم إسرائيل جزء من التزام الولايات المتحدة بأمن حليف ديمقراطي في الشرق الأوسط. لكن استمرار الحرب في غزة، واتساع الأزمة الإنسانية، وتنامي الاستيطان والعنف في الضفة الغربية، ورفض قطاعات من الحكومة الإسرائيلية لفكرة الدولة الفلسطينية، إضافة إلى انتقال المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، جعلت هذا الخطاب أقل إقناعاً لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين.
والأهم أن إسرائيل نفسها تواجه الآن مشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة لا يمكن حلها من خلال الحملات الإعلامية أو الضغط السياسي التقليدي. فالتغير في الرأي العام ليس مجرد نتيجة لنشاط جماعات مؤيدة للفلسطينيين، بل يعكس تحولاً أعمق في نظرة الأمريكيين إلى الحروب الخارجية وإلى استخدام القوة العسكرية وإلى العلاقة بين المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها. كما أن الأجيال الشابة، بما فيها قطاعات من الشباب الجمهوري، أصبحت أقل ارتباطاً بالإطار التقليدي الذي حكم العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية لعقود. وتشير بيانات بيو إلى أن 57 في المائة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً أصبحوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، وهو تغير لا يمكن تجاهله على المدى الطويل.
لذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بانتقاد نتنياهو أو حكومته الحالية. فالتحول الجاري في الولايات المتحدة يطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية نفسها. وإذا استمرت الحكومة الإسرائيلية في رفض التسوية السياسية مع الفلسطينيين، وفي توسيع الاستيطان، وفي استخدام القوة العسكرية بصورة متكررة في غزة والضفة الغربية وعلى جبهات إقليمية أخرى، فإنها تخاطر بتحويل إسرائيل من قضية تحظى بتوافق أمريكي واسع إلى قضية حزبية واستقطابية.
وهذا ربما يكون أحد أخطر التحولات بالنسبة لإسرائيل. فالقوة الحقيقية للعلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية لم تكن في حجم المساعدات العسكرية وحده، وإنما في كونها تمتعت لعقود بدعم جمهوري وديمقراطي واسع. أما إذا أصبح دعم إسرائيل مرتبطاً بهوية حزب دون الآخر، أو بجناح محدد داخل الحزبين، فإن العلاقة تفقد أحد أهم عناصر استقرارها الاستراتيجي.
ومن ثم فإن الرفض المتنامي للسياسة الإسرائيلية في قطاعات من اليسار الديمقراطي وفي أجزاء من اليمين الشعبوي ليس ظاهرة عابرة، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نتيجة للحرب في غزة. إنها تعبير عن إعادة ترتيب أوسع لأولويات السياسة الأمريكية، وعن تراجع قدرة الحروب الخارجية والتحالفات التقليدية على الحصول على تأييد غير مشروط، وعن رغبة متزايدة لدى الأمريكيين في أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية أكثر ارتباطاً بالمصالح الوطنية وبالحسابات السياسية والاقتصادية الداخلية.
ولعل المفارقة الأكبر أن هذا التحول يحدث في الوقت الذي تحتاج فيه إسرائيل أكثر من أي وقت مضى إلى الولايات المتحدة. فكلما اتسعت الحروب، وتعمقت المواجهات الإقليمية، وتراجع الأفق السياسي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ازدادت الحاجة إلى الدعم الأمريكي. لكن هذا الدعم نفسه يصبح أكثر صعوبة في الاستمرار عندما تتسع المسافة بين السياسة الإسرائيلية وبين ما تعتبره قطاعات متزايدة من الأمريكيين مصالح وقيم الولايات المتحدة.
وبذلك لم تعد المسألة في واشنطن هي ما إذا كان ينبغي لأمريكا أن تكون إلى جانب إسرائيل أو ضدها. المسألة أصبحت أكثر واقعية وأقل أيديولوجية: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في تحمل كلفة سياسات إسرائيلية لا تنسجم مع مصالحها الإقليمية، ولا تحظى بالقبول المتزايد داخل مجتمعها، وتدفع قطاعات من اليسار الديمقراطي واليمين الشعبوي، رغم اختلاف دوافعهما، إلى التساؤل عن جدوى العلاقة بصورتها الحالية؟ وإذا استمرت إسرائيل في تجاهل هذا التحول، فقد تكتشف أن الخطر الأكبر على مستقبل علاقتها بواشنطن لا يأتي من خصومها التقليديين، وإنما من تغير المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.
نيسان ـ نشر في 2026/09/01 الساعة 00:00