أي حل لمعاناة التونسيين اليوم؟
نيسان ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 00:00
حقيقتان أكيدتان اليوم في تونس: الأولى أن الوضع المعيشي للمواطن لم يصل يوما هذه الدرجة من السوء والتدهور المستمرين، والثاني أن السلطة لم تبد يوما عاجزة وعديمة الكفاءة كما هي اليوم. وبين هاتين الحقيقتين الصارختين استنتاج مرير بأن آفاق تجاوز هذا الواقع تبدو ضبابية وحائرة.
يكفي هنا أن تتابع ما تعجّ به مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من مقاطع لطوابير المواطنين الطويلة أمام المحلات للحصول على قوارير الماء المعدني، ومن هجوم على بعض الشاحنات المحمّلة به لنهبها قبل وصولها نقاط البيع. يجري هذا وسط انقطاع مستمر ومتكرر للماء والكهرباء عن السكان في درجات حرارة ناهزت الخمسين مما أدى إلى وفيات في المستشفيات وفي السجون المكتظة. كما أدى مثل هذا الوضع إلى مصادمات متفرقة بين قوات الأمن والمواطنين الغاضبين الذين أغلقوا الشوارع وأحرقوا إطارات السيارات احتجاجا على ما يعانونه.
لم تعرف البلاد انقطاعات الكهرباء والماء إلا في ستينيات القرن الماضي، سنوات قليلة بعد الاستقلال عام 1956 وليس في كل المناطق، أما أن تصل الانقطاعات اليوم ولساعات طويلة ولأكثر من مرة في اليوم في العاصمة وفي المدن الكبرى وفي أغلب مناطق البلاد فمشهد لا عهد للناس به أبدا.
ويكفي هنا، في المقابل، أن تتابع ردود الفعل الرسمية على كل ذلك، لتجد رئيسا في حالة إنكار كامل، وهو يعيد كل شيء إلى أوضاع «غير طبيعية»، إذا لم يلجأ كعادته إلى ذلك التبرير الجاهز باستمرار ولكل شيء وهو «المؤامرات» التي تحاك ضده.
طوال حكم سعيّد لم تظهر القيادة السياسية عديمة الكفاءة، قليلة الحيلة، سيئة الإدارة، كارثية القرارات، مفضوحة الفشل، كما هي اليوم
ومع أن لأهل الاختصاص والخبراء تفسيراتهم العلمية والواقعية للمشهد فإن الرئيس قيس سعيّد لا يريد أن يأخذ بأي منها، ولا أن يتحمّل مسؤولية الكثير منها. انقطاع الكهرباء مثلا يعود إلى أن الاستهلاك يفوق، خاصة في فصل الصيف، الطاقة الإنتاجية للدولة التي لم تبن منذ 2020 إلى اليوم أي محطة جديدة للطاقة رغم توصية المهندسين بحتمية ذلك لكن القرار السياسي تجاهل ذلك، مفضّلا توجيه موارد الدولة إلى مشاريع هلامية لا قيمة لها (في سنوات الانتقال الديمقراطي المغدور بعد 2011 بنيت 6 محطات جديدة آخرها 2019). أما توزيع المياه فيعود انقطاعه إلى مشاكل عديدة متراكمة نتيجة غياب الصيانة وعدم تطوير الشبكة رغم وفرة مياه السدود، فيما تعود ندرة المياه المعدنية إلى إشكالات في تعامل مصانع المياه مع الموزّعين بسبب قانون جديد للشيكات فرضه سعيّد، كما أن هؤلاء الموزّعين باتوا يتجنّبون التخزين المبكّر للمياه منذ أشهر الشتاء خشية اتهامهم بالاحتكار الذي أدمنت عليه السلطة لتبرير كل خلل في توفر المواد.
ومع كل ما سبق تأتي ندرة الأدوية وغيابها مع مواد استهلاكية كثيرة وطوابير على محطات البنزين مما حوّل حياة الناس إلى جحيم حقيقي أفرزت نقطة تحوّل مهمة للغاية تمثلت في شيوع تحميل رئيس الدولة شخصيا مسؤوليته، مع جرأة في الحديث عن ضرورة رحيله طالما هو المسؤول الأول عن كل شيء، ليس بالمعنى السياسي فقط وإنما بالمعنى الدستوري حين نص الدستور الذي كتبه بنفسه أنه هو الأول والآخر في كل شيء. كثيرون كذلك أعادوا التذكير بمقاطع فيديو لقيس سعيّد نفسه، قبل الوصول إلى قصر قرطاج، حين تحدّث عن ضرورة انسحاب أي مسؤول حين يتضح أنه ليس على قدر المسؤولية، بل ودعا إلى ما سمّاه «سحب الوكالة منه».
طوال حكم سعيّد الذي ناهز تقريبا السبع سنوات، لم تظهر القيادة السياسية عديمة الكفاءة، قليلة الحيلة، سيئة الإدارة، كارثية القرارات، مفضوحة الفشل، كما هي اليوم. باتت هذه قناعة عامة امتدت حتى لبعض مؤيدي الرئيس نفسه مّمن يكررون نفس الرأي عن قناعة أو نفاقا تحسبا لانقلاب الأمور. ومع ذلك، لا يخرج الرئيس مخاطبا شعبه، بل يكتفي بزيارات ميدانية، عوض أن يستمع فيها إلى أهل الاختصاص يحدثونه عن أسباب الأزمة، يفضّل هو إسكاتهم ليتحدث هو كما يريد.
وفي حين باتت الأغلبية الآن ترى ألا خلاص من هذا الكرب العظيم إلا برحيل المتسبّب فيه بسياساته الخاطئة وعناده، بدأ البعض يبحث عن حلول مغشوشة من قبيل تعيين رئيس حكومة جديد مع أن مثل هذا «الحل» جُرّب سابقا وانفضح عقمه. آخرون بدأوا يدعون إلى ضرورة ترجمة الغضب الشعبي العام بالامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء كصرخة احتجاج مدوّية.
وتظل العقدة الأبرز، لدى المعارضة المشتتة والمنهكة، ولدى أغلب المنظمات والقوى التي ما زالت تتحرك رغم كل شيء بما فيها اتحاد الشغل بعد فترة سبات، هو التقدّم بتصور بديل وعملي ومقنع للبديل الذي يرونه لهذه السلطة الحالية التي بان إفلاسها وعجزها بالكامل، والذي كلما استمرت أكثر زادت البلاد غرقا في المستنقع الذي أوقعتها فيه.
في النهاية، بديل الرئيس الحبيب بورقيبة عام 1987 لم يكن واضحا لكنه ظهر فجأة، بديل زين العابدين بن علي ظهر هو الآخر فجأة عام 2011، وسيظهر البديل المقبل فجأة أيضا حين تنضج ظروف عديدة بعضها داخلي وآخر خارجي، بعضه معروف وكثير منه مجهول.
كاتب وإعلامي تونسي
يكفي هنا أن تتابع ما تعجّ به مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من مقاطع لطوابير المواطنين الطويلة أمام المحلات للحصول على قوارير الماء المعدني، ومن هجوم على بعض الشاحنات المحمّلة به لنهبها قبل وصولها نقاط البيع. يجري هذا وسط انقطاع مستمر ومتكرر للماء والكهرباء عن السكان في درجات حرارة ناهزت الخمسين مما أدى إلى وفيات في المستشفيات وفي السجون المكتظة. كما أدى مثل هذا الوضع إلى مصادمات متفرقة بين قوات الأمن والمواطنين الغاضبين الذين أغلقوا الشوارع وأحرقوا إطارات السيارات احتجاجا على ما يعانونه.
لم تعرف البلاد انقطاعات الكهرباء والماء إلا في ستينيات القرن الماضي، سنوات قليلة بعد الاستقلال عام 1956 وليس في كل المناطق، أما أن تصل الانقطاعات اليوم ولساعات طويلة ولأكثر من مرة في اليوم في العاصمة وفي المدن الكبرى وفي أغلب مناطق البلاد فمشهد لا عهد للناس به أبدا.
ويكفي هنا، في المقابل، أن تتابع ردود الفعل الرسمية على كل ذلك، لتجد رئيسا في حالة إنكار كامل، وهو يعيد كل شيء إلى أوضاع «غير طبيعية»، إذا لم يلجأ كعادته إلى ذلك التبرير الجاهز باستمرار ولكل شيء وهو «المؤامرات» التي تحاك ضده.
طوال حكم سعيّد لم تظهر القيادة السياسية عديمة الكفاءة، قليلة الحيلة، سيئة الإدارة، كارثية القرارات، مفضوحة الفشل، كما هي اليوم
ومع أن لأهل الاختصاص والخبراء تفسيراتهم العلمية والواقعية للمشهد فإن الرئيس قيس سعيّد لا يريد أن يأخذ بأي منها، ولا أن يتحمّل مسؤولية الكثير منها. انقطاع الكهرباء مثلا يعود إلى أن الاستهلاك يفوق، خاصة في فصل الصيف، الطاقة الإنتاجية للدولة التي لم تبن منذ 2020 إلى اليوم أي محطة جديدة للطاقة رغم توصية المهندسين بحتمية ذلك لكن القرار السياسي تجاهل ذلك، مفضّلا توجيه موارد الدولة إلى مشاريع هلامية لا قيمة لها (في سنوات الانتقال الديمقراطي المغدور بعد 2011 بنيت 6 محطات جديدة آخرها 2019). أما توزيع المياه فيعود انقطاعه إلى مشاكل عديدة متراكمة نتيجة غياب الصيانة وعدم تطوير الشبكة رغم وفرة مياه السدود، فيما تعود ندرة المياه المعدنية إلى إشكالات في تعامل مصانع المياه مع الموزّعين بسبب قانون جديد للشيكات فرضه سعيّد، كما أن هؤلاء الموزّعين باتوا يتجنّبون التخزين المبكّر للمياه منذ أشهر الشتاء خشية اتهامهم بالاحتكار الذي أدمنت عليه السلطة لتبرير كل خلل في توفر المواد.
ومع كل ما سبق تأتي ندرة الأدوية وغيابها مع مواد استهلاكية كثيرة وطوابير على محطات البنزين مما حوّل حياة الناس إلى جحيم حقيقي أفرزت نقطة تحوّل مهمة للغاية تمثلت في شيوع تحميل رئيس الدولة شخصيا مسؤوليته، مع جرأة في الحديث عن ضرورة رحيله طالما هو المسؤول الأول عن كل شيء، ليس بالمعنى السياسي فقط وإنما بالمعنى الدستوري حين نص الدستور الذي كتبه بنفسه أنه هو الأول والآخر في كل شيء. كثيرون كذلك أعادوا التذكير بمقاطع فيديو لقيس سعيّد نفسه، قبل الوصول إلى قصر قرطاج، حين تحدّث عن ضرورة انسحاب أي مسؤول حين يتضح أنه ليس على قدر المسؤولية، بل ودعا إلى ما سمّاه «سحب الوكالة منه».
طوال حكم سعيّد الذي ناهز تقريبا السبع سنوات، لم تظهر القيادة السياسية عديمة الكفاءة، قليلة الحيلة، سيئة الإدارة، كارثية القرارات، مفضوحة الفشل، كما هي اليوم. باتت هذه قناعة عامة امتدت حتى لبعض مؤيدي الرئيس نفسه مّمن يكررون نفس الرأي عن قناعة أو نفاقا تحسبا لانقلاب الأمور. ومع ذلك، لا يخرج الرئيس مخاطبا شعبه، بل يكتفي بزيارات ميدانية، عوض أن يستمع فيها إلى أهل الاختصاص يحدثونه عن أسباب الأزمة، يفضّل هو إسكاتهم ليتحدث هو كما يريد.
وفي حين باتت الأغلبية الآن ترى ألا خلاص من هذا الكرب العظيم إلا برحيل المتسبّب فيه بسياساته الخاطئة وعناده، بدأ البعض يبحث عن حلول مغشوشة من قبيل تعيين رئيس حكومة جديد مع أن مثل هذا «الحل» جُرّب سابقا وانفضح عقمه. آخرون بدأوا يدعون إلى ضرورة ترجمة الغضب الشعبي العام بالامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء كصرخة احتجاج مدوّية.
وتظل العقدة الأبرز، لدى المعارضة المشتتة والمنهكة، ولدى أغلب المنظمات والقوى التي ما زالت تتحرك رغم كل شيء بما فيها اتحاد الشغل بعد فترة سبات، هو التقدّم بتصور بديل وعملي ومقنع للبديل الذي يرونه لهذه السلطة الحالية التي بان إفلاسها وعجزها بالكامل، والذي كلما استمرت أكثر زادت البلاد غرقا في المستنقع الذي أوقعتها فيه.
في النهاية، بديل الرئيس الحبيب بورقيبة عام 1987 لم يكن واضحا لكنه ظهر فجأة، بديل زين العابدين بن علي ظهر هو الآخر فجأة عام 2011، وسيظهر البديل المقبل فجأة أيضا حين تنضج ظروف عديدة بعضها داخلي وآخر خارجي، بعضه معروف وكثير منه مجهول.
كاتب وإعلامي تونسي
نيسان ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 00:00