يا عالم.. في واشنطن من يتحدث عن 'نهاية الأزمنة'

نيسان ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 00:00
نيسان- خاص
ليس مريحا أبدا أن تسمع نائب رئيس الولايات المتحدة جيه دي فانس يتحدث عن «نهاية الأزمنة»، فيما رئيسه دونالد ترامب يلوح لإيران بالتدمير، وتتسارع من واشنطن تصريحات لا تستبعد أكثر السيناريوهات جنونا.
المسألة هنا ليست في معتقد فانس الديني، له أن يؤمن بما يشاء، لكن الرجل ليس واعظا يفسر نبوءة في كنيسة، بل نائب رئيس القوة العسكرية الأكبر في العالم، وعلى مسافة سياسية قصيرة جدا من القرار الذي يستطيع إشعال حرب لا يعرف أحد أين تنتهي.
لهذا يبدو تصريحه مريبا في توقيته أكثر مما هو غريب في مضمونه. فكرة «النهايات» ليست جديدة على المخيال السياسي الأميركي، قبل عقود بشر فرانسيس فوكوياما بـ«نهاية التاريخ»، معتقدا أن انتصار النموذج الليبرالي الغربي قد يكون المحطة الأخيرة في التطور السياسي للبشرية. وقبل ذلك وبعده، كانت قطاعات واسعة من اليمين الديني الأميركي تنظر إلى إسرائيل والصراع في الشرق الأوسط من خلال تصورات دينية مرتبطة بنهاية العالم.
مرة يريدون نهاية التاريخ، ومرة يتحدثون عن نهاية الأزمنة، وفي الحالتين يدفع بقية العالم ثمن اليقين الأميركي بأنه يعرف أين ينبغي أن ينتهي التاريخ.
جورج بوش الابن دخل العراق تحت رايات أخلاقية كبرى، وذهب إلى أفغانستان، ثم خرج الجيش الأميركي منها بعد عشرين عاما تاركا وراءه بلدا محطما وأسئلة أكبر من كل الإجابات التي حملها معه يوم دخل.
واليوم تعود الرائحة نفسها، وإن اختلفت التفاصيل.
إيران في قلب التهديد. ترامب يتحدث بلغة التدمير ولا يريد أن يغلق الأبواب أمام الخيارات العسكرية القصوى، فيما يتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها تحذير من الانزلاق إلى ما هو أبعد من الحرب التقليدية.
وليس تفصيلا أن يخرج تاكر كارلسون محذرا من مجرد التفكير في الاستخدام الأول للسلاح النووي، ومطالبا بعزل ترامب إذا كان يفكر فعلا في هذا الخيار.
فالنووي، حتى عندما يبدأ حديثا، ليس حديثا عاديا.
في الوقت نفسه، تضطرب المؤسسة العسكرية الأميركية. استقالات وإقالات وتغييرات تطال قيادات كبيرة، وآخرها استقالة وزير الجيش دان دريسكول بعد خلافات مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، فيما سبق ذلك خروج رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج وقادة آخرين.
لا نعرف إن كانت هذه الاضطرابات مرتبطة بالخيارات المطروحة تجاه إيران، ولا يجوز اختراع إجابة لا نملكها.
لكن السؤال مشروع: ما الذي يجري داخل واشنطن؟
فالجيش الأميركي يعرف أن بعض المنشآت الإيرانية المدفونة عميقا تحت الأرض تضع القوة التقليدية أمام امتحان صعب، وهنا يصبح مجرد تداول الخيارات غير التقليدية سببا كافيا لأن يقلق العالم.
المشكلة ليست أن أميركا ستستخدم النووي غدا. لا أحد يستطيع الجزم بذلك.
المشكلة أن قاموس الحرب نفسه يتغير.
تدمير دولة. خيارات لا تستبعد. منشآت لا تصل إليها الأسلحة التقليدية بسهولة. حديث عن النووي. اضطراب في القيادات العسكرية. ثم يقف نائب الرئيس ليتحدث، بكل هدوء، عن «نهاية الأزمنة».
قد تكون كل واحدة من هذه الوقائع منفصلة عن الأخرى.
لكن من قال إن العالم مطالب بأن يطمئن إلى المصادفات عندما تكون واشنطن مسلحة بما يكفي لإنهائه؟
فالسياسي يستطيع أن يؤمن بنهاية الأزمنة كما يشاء، وأن ينتظرها بالطريقة التي يريد.
لكننا نحن، بقية سكان هذا الكوكب، لا نريد مساعدته على الوصول إليها.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/02 الساعة 00:00