15 ثانية فقط.. ماذا يحدث لجسم الإنسان إذا سار في الفضاء بدون بدلة؟

نيسان ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 00:00
لطالما قدمت أفلام الخيال العلمي مشاهد درامية للإنسان عندما يجد نفسه في الفضاء من دون بدلة، حيث ينفجر جسده أو يتجمد في لحظات، إلا أن الواقع العلمي أكثر تعقيدا، وربما أكثر رعبا، فالإنسان لن ينفجر فورا، ولن يغلي دمه كما توحي بعض الأفلام، لكنه سيدخل في سلسلة من التغيرات الخطيرة خلال ثوانٍ قليلة، وقد يفقد وعيه في غضون نحو 10 إلى 15 ثانية.
وتشير أبحاث طب الفضاء وتجارب انخفاض الضغط التي أجريت على مدى عقود إلى أن التعرض المباشر للفراغ الفضائي يؤدي إلى انخفاض سريع وشديد في الضغط المحيط بالجسم، وعندما ينخفض الضغط، تتمدد الغازات الموجودة داخل الجسم، فيندفع الهواء من الرئتين وتتمدد الغازات في الجهاز الهضمي والتجاويف الأخرى.
ورغم ذلك، لن ينفجر جسم الإنسان، فالجلد والأوعية الدموية والأنسجة الضامة تتمتع بالقوة الكافية للحفاظ على تماسكه، لكن الجسم قد يتعرض لانتفاخ ملحوظ نتيجة ظاهرة تعرف باسم "التغلي" (Ebullism)، وهي حالة يبدأ فيها الماء الموجود داخل بعض الأنسجة بالتحول إلى بخار بسبب الانخفاض الشديد في الضغط.
ويحدث ذلك لأن درجة غليان الماء تنخفض مع انخفاض الضغط، فعند ضغط يعادل نحو 6% فقط من الضغط الجوي عند مستوى سطح البحر، يمكن للماء أن يغلي عند درجة حرارة الجسم الطبيعية، أي نحو 37 درجة مئوية، ويُعرف هذا الحد باسم "حد أرمسترونغ"، بينما يقع الضغط في الفضاء بعيدا جدا عن هذا المستوى.
لكن الاعتقاد الشائع بأن الدم سيغلي داخل الأوردة غير دقيق، فالدم يظل محاصرا داخل الأوعية الدموية، كما يساعد ضغط الدم والأنسجة المحيطة على إبقائه في حالته السائلة، في المقابل، تكون السوائل المكشوفة أكثر عرضة للتبخر والغليان، مثل الدموع واللعاب والرطوبة الموجودة على اللسان.
وتؤكد إحدى أشهر حوادث اختبارات الفراغ هذه الظاهرة، ففي عام 1966، تعرض فني بدلات الفضاء في ناسا جيم لوبلان لانخفاض حاد في الضغط داخل غرفة اختبار أثناء تجربة بدلة فضاء، وظل واعيا لنحو 14 ثانية قبل أن يفقد الوعي، وأفاد لاحقا بأن آخر إحساس واضح تذكره كان بدء الرطوبة على لسانه في الغليان، وتمكن فريق الاختبار من إعادة الضغط سريعا، ليستعيد لوبلان وعيه من دون إصابة عصبية دائمة.
ويحذر العلماء أيضا من أن حبس الأنفاس في مثل هذه الظروف قد يكون خطيرا للغاية، إذ يمكن أن يؤدي تمدد الهواء داخل الرئتين إلى إصابات خطيرة أو تمزق أنسجتهما، وفي المقابل، فإن عدم وجود الأكسجين في الفضاء يعني أن مخزون الأكسجين الموجود في الدم سيُستهلك بسرعة، ما يؤدي إلى فقدان الوعي خلال فترة قصيرة.
ورغم شدة البرودة أو الحرارة التي قد تسجلها البيئة الفضائية، فإن الإنسان لن يتجمد أو يغلي فورا، فالفضاء شبه خالٍ من الهواء، وبالتالي لا تنتقل الحرارة عبر التوصيل أو الحمل الحراري، وإنما أساسا عبر الإشعاع الحراري، ولذلك يستغرق فقدان حرارة الجسم وقتا أطول مما قد توحي به درجات الحرارة القصوى في الفضاء.
ويظل نقص الأكسجين الخطر الأكثر إلحاحا، إذ يمكن أن يؤدي الحرمان المستمر من الأكسجين إلى فشل الأعضاء والموت خلال دقائق، ولهذا فإن فرص النجاة من التعرض للفراغ تعتمد بدرجة كبيرة على سرعة إعادة الشخص إلى بيئة مضغوطة وتوفير الرعاية اللازمة.
وتقدم حادثة لوبلان دليلا على أن التعرض للفراغ لا يعني بالضرورة الموت الفوري، لكن هامش النجاة ضيق للغاية، وفي رحلة فضائية حقيقية، سيكون إنقاذ شخص انجرف بعيدا عن المركبة من دون حبل أمان مهمة بالغة الصعوبة.
وتبقى الحقيقة أن الإنسان لن ينفجر في الفضاء، ولن يغلي دمه، ولن يتحول إلى كتلة جليدية في ثوانٍ كما تصوره بعض الأفلام، لكن فقدان الضغط والتعرض للفراغ سيبدآن سلسلة من التغيرات الخطيرة، وفي مقدمتها نقص الأكسجين، ليصبح عامل الزمن حاسما بين النجاة والموت.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 00:00