يا صاحب الياقة البيضاء.. الأردني قامت قيامته
نيسان ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
لم يكن ينقص الأردني وهو يعد إبريق الشاي صباحا، ويفكر في سعر كيلو البندورة وما بقي من راتبه، سوى أن يطل عليه تكنوقراط أنيق ليحدثه بلغة الأرقام والمؤشرات، ثم يكتشف الاثنان بعد قليل أن كل واحد منهما كان يتحدث من كوكب مختلف.
ببساطة، تحول تصريح إحصائي إلى زوبعة شعبية كان يمكن تجنبها، وربما لم تكن المشكلة كلها في الرقم ولا في الناس الذين تلقوه، بل في تلك المسافة التي ما زالت تفصل بين الياقات البيضاء والشارع الأردني.
إنها أزمة تكنوقراط أكثر مما هي أزمة إحصاء. فالمسؤول لا يكفي أن يكون خبيرا في اختصاصه، ولا أن تكون أمامه الجداول صحيحة والأرقام مصطفة في أماكنها، عليه عندما يغادر مكتبه ويتحدث إلى الناس، أن يعرف أن للكلمة حياة أخرى خارج ملفات المؤسسة.
وهنا كانت المشكلة. أطل مدير عام دائرة الإحصاءات العامة الدكتور حيدر فريحات على الأردنيين متأنقا بياقة تصريحاته التكنوقراطية، وتحدث بما يعرفه ويعمل فيه، لكن ما خرج من فم المسؤول بلغة الإحصاء، وصل إلى الشارع بلغة أخرى تماما.
ثم قامت القيامة. وبعد الزوبعة صدر عنه بيان اعتذار وتوضيح، لكن الاعتذار، على أهميته، لا يلغي السؤال الأهم: لماذا احتجنا إليه أصلا؟
المسألة ليست فقط فيما إذا كان المسؤول قد أخطأ في تصريحه، وإذا كان الحديث قد وصل إلى الغرامات، فالغرامات لا تنشأ بتصريح ولا باجتهاد إداري، وإنما بسند قانوني.
لكن هناك خطأ آخر لا تعالجه النصوص القانونية، اسمه سوء تقدير الجمهور. فالمسؤول الناجح لا يقاس فقط بالقرارات التي يتخذها، ولا بكفاءة الفريق الذي يديره، بل بقدرته على فهم كيمياء البيئة التي يعمل فيها. ماذا يقول؟ ومتى يقوله؟ وكيف سيصل ما يقوله إلى الناس؟
هذه هي السياسة التي يحتاج إليها التكنوقراط.
ليس مطلوبا من مدير الإحصاءات أن يتحول إلى خطيب شعبي، ولا أن يستبدل الأرقام بالنكات، لكن المطلوب أن يعرف أن الرقم عندما يغادر جدول «إكسل» ويدخل بيت الأردني يصبح شيئا آخر.
هناك رب أسرة سيسمعه، وموظف، ومتقاعد، وعاطل عن العمل، وربة بيت تعرف الحساب ربما أفضل منا جميعا لأنها تحاول كل شهر أن تجعل راتبا لا يكفي... يكفي.
هؤلاء لا يعيشون في أثير المؤشرات المركبة ولا يحلقون مع الاستبيانات التقديرية، إنهم على الأرض تماما.
ولهذا، عندما تتحدث إليهم لغة الفضاء العالي، لا ينبغي أن نلوم "أجهزة الاستقبال" إذا لم تفهم الرسالة. ربما يكون العطل هذه المرة في جهاز الإرسال نفسه.
لهذا، قبل أن يضبط صاحب الياقة البيضاء أرقامه، عليه أن يضبط عبارته أيضا. فالرقم قد يكون بريئا على الورق، لكن جملة واحدة سيئة التوقيت والصياغة تكفي لأن تقوم قيامة الناس.
وبالمناسبة، هذه ليست قضية الدكتور حيدر فريحات وحده. إنها واحدة من مشكلات الإدارة العامة عندما تعتقد أن المعرفة الفنية تكفي وحدها لصناعة مسؤول ناجح. لا تكفي.
يمكن أن تكون أفضل خبير في الأرقام، ثم تهزمك جملة، ويمكن أن تدير مؤسسة بكفاءة، ثم يربكك تصريح لم تحسب كيف سيستقبله الناس. فالأرقام تحتاج إلى علماء إحصاء، أما مخاطبة الناس فتحتاج فوق المعرفة شيئا من السياسة والحس الاجتماعي.
والمسؤول الذي لا يعرف الفرق بين الاثنين قد يطلق رقما بمشرط الجراح، ثم يكتشف أنه غار بالمشرط أكثر مما ينبغي. المشكلة إذن ليست أن الشارع الأردني لا يفهم لغة التكنوقراط. المشكلة أن بعض التكنوقراط لا يزالون يصرون على مخاطبة الأردني من الطابق العاشر، ثم يستغربون لماذا لم يسمعهم.
وهو في الأسفل... يعد إبريق الشاي ويحسب ثمن كيلو البندورة ثم يشعل سيجارته بهدوء.
لم يكن ينقص الأردني وهو يعد إبريق الشاي صباحا، ويفكر في سعر كيلو البندورة وما بقي من راتبه، سوى أن يطل عليه تكنوقراط أنيق ليحدثه بلغة الأرقام والمؤشرات، ثم يكتشف الاثنان بعد قليل أن كل واحد منهما كان يتحدث من كوكب مختلف.
ببساطة، تحول تصريح إحصائي إلى زوبعة شعبية كان يمكن تجنبها، وربما لم تكن المشكلة كلها في الرقم ولا في الناس الذين تلقوه، بل في تلك المسافة التي ما زالت تفصل بين الياقات البيضاء والشارع الأردني.
إنها أزمة تكنوقراط أكثر مما هي أزمة إحصاء. فالمسؤول لا يكفي أن يكون خبيرا في اختصاصه، ولا أن تكون أمامه الجداول صحيحة والأرقام مصطفة في أماكنها، عليه عندما يغادر مكتبه ويتحدث إلى الناس، أن يعرف أن للكلمة حياة أخرى خارج ملفات المؤسسة.
وهنا كانت المشكلة. أطل مدير عام دائرة الإحصاءات العامة الدكتور حيدر فريحات على الأردنيين متأنقا بياقة تصريحاته التكنوقراطية، وتحدث بما يعرفه ويعمل فيه، لكن ما خرج من فم المسؤول بلغة الإحصاء، وصل إلى الشارع بلغة أخرى تماما.
ثم قامت القيامة. وبعد الزوبعة صدر عنه بيان اعتذار وتوضيح، لكن الاعتذار، على أهميته، لا يلغي السؤال الأهم: لماذا احتجنا إليه أصلا؟
المسألة ليست فقط فيما إذا كان المسؤول قد أخطأ في تصريحه، وإذا كان الحديث قد وصل إلى الغرامات، فالغرامات لا تنشأ بتصريح ولا باجتهاد إداري، وإنما بسند قانوني.
لكن هناك خطأ آخر لا تعالجه النصوص القانونية، اسمه سوء تقدير الجمهور. فالمسؤول الناجح لا يقاس فقط بالقرارات التي يتخذها، ولا بكفاءة الفريق الذي يديره، بل بقدرته على فهم كيمياء البيئة التي يعمل فيها. ماذا يقول؟ ومتى يقوله؟ وكيف سيصل ما يقوله إلى الناس؟
هذه هي السياسة التي يحتاج إليها التكنوقراط.
ليس مطلوبا من مدير الإحصاءات أن يتحول إلى خطيب شعبي، ولا أن يستبدل الأرقام بالنكات، لكن المطلوب أن يعرف أن الرقم عندما يغادر جدول «إكسل» ويدخل بيت الأردني يصبح شيئا آخر.
هناك رب أسرة سيسمعه، وموظف، ومتقاعد، وعاطل عن العمل، وربة بيت تعرف الحساب ربما أفضل منا جميعا لأنها تحاول كل شهر أن تجعل راتبا لا يكفي... يكفي.
هؤلاء لا يعيشون في أثير المؤشرات المركبة ولا يحلقون مع الاستبيانات التقديرية، إنهم على الأرض تماما.
ولهذا، عندما تتحدث إليهم لغة الفضاء العالي، لا ينبغي أن نلوم "أجهزة الاستقبال" إذا لم تفهم الرسالة. ربما يكون العطل هذه المرة في جهاز الإرسال نفسه.
لهذا، قبل أن يضبط صاحب الياقة البيضاء أرقامه، عليه أن يضبط عبارته أيضا. فالرقم قد يكون بريئا على الورق، لكن جملة واحدة سيئة التوقيت والصياغة تكفي لأن تقوم قيامة الناس.
وبالمناسبة، هذه ليست قضية الدكتور حيدر فريحات وحده. إنها واحدة من مشكلات الإدارة العامة عندما تعتقد أن المعرفة الفنية تكفي وحدها لصناعة مسؤول ناجح. لا تكفي.
يمكن أن تكون أفضل خبير في الأرقام، ثم تهزمك جملة، ويمكن أن تدير مؤسسة بكفاءة، ثم يربكك تصريح لم تحسب كيف سيستقبله الناس. فالأرقام تحتاج إلى علماء إحصاء، أما مخاطبة الناس فتحتاج فوق المعرفة شيئا من السياسة والحس الاجتماعي.
والمسؤول الذي لا يعرف الفرق بين الاثنين قد يطلق رقما بمشرط الجراح، ثم يكتشف أنه غار بالمشرط أكثر مما ينبغي. المشكلة إذن ليست أن الشارع الأردني لا يفهم لغة التكنوقراط. المشكلة أن بعض التكنوقراط لا يزالون يصرون على مخاطبة الأردني من الطابق العاشر، ثم يستغربون لماذا لم يسمعهم.
وهو في الأسفل... يعد إبريق الشاي ويحسب ثمن كيلو البندورة ثم يشعل سيجارته بهدوء.
نيسان ـ نشر في 2026/09/04 الساعة 00:00