هل تستطيع بكين تحقيق أمن الطاقة من دون الاعتماد على الخليج؟

د. اسلام فريحات
نيسان ـ نشر في 2026/09/05 الساعة 00:00
ثمة خطأ يتكرر كثيرًا عند قراءة استراتيجية الصين في مجال الطاقة: الخلط بين تنويع مصادر الإمداد وبين القدرة على الاستغناء عن منطقة الخليج. الصين نجحت بالفعل في تنويع وارداتها، ووسعت إنتاجها المحلي، واستثمرت في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وبنت مخزونات استراتيجية ضخمة. لكن كل ذلك لا يقود، في المدى المنظور، إلى نتيجة مفادها أن بكين تستطيع إدارة أمن طاقتها بعيدًا عن الخليج.
المشكلة ليست في عدد الدول التي تستطيع الصين شراء النفط منها، وإنما في بنية سوق النفط العالمية والجغرافيا التي تتحرك من خلالها هذه البراميل.
الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. وفي عام 2025 وصلت وارداتها إلى مستوى قياسي بلغ نحو 11.6 مليون برميل يوميًا. والأكثر دلالة أن الشرق الأوسط ظل يمثل في 2024 نحو 54% من واردات الصين من النفط الخام. وكانت السعودية وإيران والعراق وعُمان والإمارات من بين أبرز مورديها.
قد يقول قائل إن هذه الأرقام لا تعني اعتمادًا لا يمكن تجاوزه؛ فروسيا أصبحت المورد الأكبر للصين، كما تستطيع بكين زيادة مشترياتها من البرازيل وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلًا عن النفط القادم عبر الأنابيب من روسيا وآسيا الوسطى. وهذه حجة صحيحة جزئيًا. لكن التنويع هنا يعمل كأداة لتقليل المخاطر، وليس كبديل جغرافي كامل للخليج.
وهنا تكمن المسألة التي غالبًا ما تُغفل في النقاش.
الصين لا تحتاج الخليج فقط لأنه ينتج النفط، بل لأنه ينتج كميات ضخمة من النفط الذي يمكن دمجه في منظومة المصافي الآسيوية، ضمن بنية إمداد تمتلك عمقًا إنتاجيًا ولوجستيًا لا يمكن تعويضه سريعًا. والأهم أن الخليج يحتفظ بجزء أساسي من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية العالمية، ولا سيما السعودية. لذلك فإن خسارة الخليج لا تعني فقط خسارة البراميل التي تشتريها الصين، بل فقدان جزء من المرونة التي تجعل سوق النفط العالمي قادرًا على امتصاص الصدمات.
ومضيق هرمز يوضح حجم المعضلة. في عام 2025 مر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وكان نحو 80% من هذه التدفقات متجهًا إلى آسيا. وفي المقابل، لا تتجاوز الطاقة المتاحة حاليًا لتجاوز المضيق عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية نحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا.
تستطيع بكين تقليل المخاطر، وتنويع الموردين، وبناء البدائل. لكنها لم تبنِ بعد بديلًا للخليج نفسه
هذه ليست مشكلة يمكن حلها ببناء بضعة خطوط أنابيب أو شراء النفط من روسيا. فالطاقة ليست سلعة منفصلة عن الجغرافيا.
والأحداث التي شهدها عام 2026 تقدم الدليل العملي. عندما تراجعت حركة الناقلات عبر هرمز، انخفضت واردات الصين من الخام في الربع الثاني إلى نحو 8.1 مليون برميل يوميًا، بانخفاض 32% عن الربع السابق. ولم يكن التراجع نتيجة نقص الطلب وحده، بل كان مرتبطًا أيضًا باضطراب حركة النفط المنقول بحرًا. وفي الوقت نفسه، بدأت شركات الشحن الصينية إعادة ترتيب عملياتها لتجنب نقاط الاختناق في الخليج والبحر الأحمر.
قد تنجح الصين في تجاوز أزمة قصيرة الأجل؛ لديها مخزونات، وموردون متعددون، ونفط روسي، وقدرة هائلة على إدارة الطلب والصناعة. بل إن أزمة 2026 أظهرت أن بكين أصبحت أكثر استعدادًا من السابق لمواجهة صدمة في الإمدادات. لكن القدرة على الصمود أمام الأزمة ليست هي نفسها القدرة على إلغاء الاعتماد على الخليج.
وهذه، في رأيي، هي النقطة الأكثر أهمية.
استراتيجية الصين الحقيقية ليست الخروج من الخليج، وإنما جعل نفسها أقل هشاشة إذا تعرض الخليج للاضطراب. وهذا فرق جوهري. بكين لا تحتاج إلى امتلاك الخليج، ولا حتى إلى الاعتماد عليه بالقدر نفسه الذي اعتمدت عليه قبل عقدين؛ لكنها تحتاج إلى بقاء الخليج قادرًا على إنتاج وتصدير النفط.
لذلك فإن الحديث عن «استقلال الصين الطاقي» يجب أن يكون أكثر دقة. الصين تستطيع أن تصبح أقل اعتمادًا على الخليج، لكنها لا تستطيع حتى الآن أن تجعل أمنها الطاقي مستقلًا عنه.
فحتى لو استمرت السيارات الكهربائية في تقليص استهلاك الوقود، وحتى لو توسعت الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية، سيبقى النفط حاضرًا في النقل والصناعة والبتروكيماويات لعقود. وعندما تكون دولة بحجم الصين بحاجة إلى سوق عالمي مستقر للنفط، فإن استقرار الخليج يصبح جزءًا من أمنها القومي، سواء أرادت بكين الاعتراف بذلك أم لا.
لهذا أعتقد أن السؤال الصحيح ليس: «هل تستطيع الصين الاستغناء عن الخليج؟» بل: إلى أي حد تستطيع الصين تقليل ثمن اعتمادها عليه؟ الإجابة حتى الآن واضحة: تستطيع بكين تقليل المخاطر، وتنويع الموردين، وبناء البدائل. لكنها لم تبنِ بعد بديلًا للخليج نفسه. والفرق بين الأمرين هو بالضبط الفرق بين امتلاك خطة للطوارئ وامتلاك أمن طاقة حقيقي.
باحث فلسطيني متخصص في الشؤون الصينية
    نيسان ـ نشر في 2026/09/05 الساعة 00:00