رجال الإمبراطور الأحمر.. من يحكم الصين خلف الرئيس؟

نيسان ـ نشر في 2026/09/06 الساعة 00:00
كان السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي الصيني هو جينتاو يجلس إلى جوار خلفه شي جين بينغ في قاعة الشعب في اليوم الختامي من فعاليات المؤتمر العشرين للحزب في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 عندما اقترب منه موظفان. حاول الموظفان اصطحاب هو المُسنّ إلى خارج القاعة، لكنه تمنع في البداية، قبل أن ينصاع إلى التوجيه. قالت وكالة الأنباء الصينية الرسمية إن ما حدث هو أن هو أصيب بوعكة صحية أثناء الفعاليات، مما استدعى انسحابه من المؤتمر الذي أصر على حضوره رغم حالته الصحية، غير أن الواقعة عُدّت رمزا لإسدال الستار على نفوذ الحرس القديم بعد أن أحكم شي سيطرته على الحزب.
كان الموضوع الأساسي للمؤتمر هو تجديد ولاية الزعيم الصيني شي جين بينغ سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي الصيني للمرة الثالثة، وهو أمر يخالف التقيد الجاري منذ الحقبة الإصلاحية بألا يبقى السكرتير العام للحزب في موقعه لأكثر من دورتين. تولى جيانغ زيمين منصب السكرتير العام بين عامي 1989 و2002، ثم خلفه هو جينتاو بين عامي 2002 و2012. كما أن دستور جمهورية الصين الشعبية كان قد جرى تعديله في حقبة الإصلاح بقيادة دينغ شياو بينغ منذ عام 1978 ليقصر عهدة رئيس الجمهورية على مدتين، لكن شي ألغى ذلك التعديل عام 2018.
لم يحسم شي في هذا المؤتمر ولاية ثالثة على رأس الحزب الشيوعي الصيني فحسب، وإنما حسم مستقبل الحزب والصين بعد أربعة عقود من الإصلاح الاقتصادي الذي كان التساؤل جاريا عن نتائجه السياسية. بعد 30 عاما من احتجاجات تيانانمن الشهيرة التي طالبت بالديمقراطية في الصين، جاء شي ليقدم الإجابة النهائية بأن الصين لن تسير في مسار التغريب. عوضا عن ذلك، أنهى الرئيس الصيني المؤتمر العشرين ليس فقط بولاية ثالثة، وإنما بإقصاء رجال حقبة هو جينتاو من اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، أعلى دائرة تنفيذية في هرم الحزب الشيوعي الصيني، ليحل محلهم رجال شي المخلصين.
الطريق إلى شي
في عام 1966، أطلق الزعيم الصيني ماو تسي تونغ الثورة الثقافية في الصين. كانت الثورة الثقافية دعوة إلى الشعب الصيني، ولا سيما الطلاب، إلى التمرد على قيادة الحزب الشيوعي، وكان شعارها نداء ماو الشهير: "اقصفوا مقرات الحزب". وسياسيا، تمكن ماو من إقصاء قادة الحزب الذين تشكك في ولائهم له أو لأفكاره بعد فشل سياساته الاقتصادية في نهاية الخمسينيات، وكان على رأس هؤلاء رئيس الصين آنذاك ليو شاو كي، ونائب رئيس الوزراء دينغ شياو بينغ الذي كان مسؤولا عن إدارة الاقتصاد. لكن ماو عاد قبيل موته بسنوات ليعفو عن دينغ، ويسمح بعودته لإدارة الاقتصاد المضطرب إلى جانب رئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي الذي كان قد اشتد به المرض آنذاك.
بعد وفاة ماو عام 1976، قاد خليفته هوا جيو فينغ حملة مراجعة تمكن خلالها من إقصاء "الماويين المتشددين" الذين قادوا الثورة الثقافية، وعلى رأسهم المجموعة التي عُرفت بعصابة الأربعة. ضمت تلك المجموعة زوجة ماو الرابعة جيانغ تشينغ، إلى جانب ثلاثة من الحزبيين المتشددين الذين أسهموا بقوة في تعبئة الثورة الثقافية وهم تشانغ تشون تشياو، وياو ون يوان، ووانغ هونغ ون.
وبدلا من هؤلاء المتشددين، أحاط هوا نفسه بطبقة أكثر اعتدالا وعلى رأسهم دينغ الذي عيّنه نائبا له في رئاسة الحزب عام 1977، لكن دينغ صاحب التاريخ الحزبي الطويل منذ حقبة الثورة والحرب الأهلية، والعلاقات القوية مع قادة الحزب التاريخيين الذين عادوا إلى الواجهة بعد رحيل ماو، سرعان ما تمكن من تهميش هوا، ومنذ عام 1978، صار دينغ هو المتحكم الفعلي في قيادة الحزب رغم عدم توليه رئاسة الحزب أو الدولة رسميا. تولى دينغ، إلى جانب 7 آخرين من كبار القادة التاريخيين للحزب، صناعة القرارات المصيرية خلال الحقبة الإصلاحية. عرفت تلك المجموعة بالثمانية الكبار، وكان من أبرز أعضائها الخبير الاقتصادي تشن يون، ولي شيان نيان الذي تولى رئاسة الصين بين عامي 1983 و1988.
في عام 1989، اندلعت احتجاجات تيانانمن التي انتقدت الفساد وسيطرة الكبار والعائلات الحزبية على السياسة في الصين. قُمعت الاحتجاجات، وتلت ذلك حملة استهدفت أولئك الذين تعاطفوا مع دعوات الانفتاح السياسي من المسؤولين في الحزب. لكن هذه الحملة أعادت إلى الواجهة الجناح الاشتراكي المتشدد، مما عطّل مسيرة الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها دينغ. قرر دينغ أن يستأنف إصلاحاته لاحقا عبر مناورة سياسية جذرية تضمنت استقالته من كل مناصبه الرسمية رغم تأثيره النافذ على صناعة القرار في الحزب. وسلّم دينغ رسميا قيادة الحزب إلى جيانغ زيمين سكرتير الحزب الشيوعي في شنغهاي. رأى دينغ في زيمين مسؤولا متحمسا لمواصلة الإصلاحات الاقتصادية التي بدأها، ويتسم في الوقت نفسه بالولاء للحزب الشيوعي وسلطته.
عمل زيمين على بناء نفوذه الخاص في الحزب عبر مجموعة من المسؤولين المقربين منه. عرفت تلك المجموعة باسم "عصبة شنغهاي". كما أعلن زيمين سياسته الخاصة التي أطلق عليها "الممثلون الثلاثة" وتعني ضرورة احتواء الحزب رواد الأعمال والمثقفين والخبراء الفنيين الذين صعدوا مع الإصلاح الرأسمالي في الصين.التزم زيمين بالتحولات التي رسختها الإصلاحات في السياسة الصينية، وفي المؤتمر السادس عشر للحزب عام 2002، تخلى عن موقعه في رئاسة الحزب لصالح هو جينتاو الذي كان دينغ قد وضعه في المكتب السياسي للحزب عام 1992. واجه هو جينتاو في سنواته التالية صعوبة في بناء نفوذه الخاص في ظل استمرار عصبة شنغهاي في بعض المواقع القيادية في الحزب. لكنه تمكن أخيرا من تصعيد رجاله القادمين مثله من اتحاد الشباب الشيوعي أو ما يُعرف بـ"توان باي".دينغ شياو بينغ (يمين) يصافح الرئيس الصيني جيانغ زيمين في ختام المؤتمر الرابع عشر للحزب في بكين عام 1992 (الفرنسية)من القرية إلى السلطةكان شي تشونغ شون، والد الرئيس الصيني شي جين بينغ، واحدا من قادة الحزب الشيوعي الذين خاضوا مع الحزب سنوات الحرب الأهلية ومقاومة الاحتلال الياباني والثورة، وتولى شي الأب لاحقا منصب نائب رئيس الوزراء. لكن شي الأب كان أحد ضحايا الثورة الثقافية، إذ جُرِّد من مسؤولياته الحزبية، وأُرسِل إلى مصنع لأدوات التعدين لإعادة تأهيله.خلال تلك الحقبة، راجت فكرة الدم الأحمر بين المجموعات الطلابية الأكثر تشددا مثل الحرس الأحمر، وهو حركة جماهيرية شبه عسكرية قادها طلاب المدارس والجامعات إبان الثورة الثقافية. ادعى أبناء الكوادر الحزبية أنهم أجدر من أبناء الإقطاعيين بقيادة الصين نحو الاشتراكية، لأنهم هم من تربوا على قيم آبائهم وتضحياتهم الثورية، بينما ورث أقرانهم من أبناء العائلات الإقطاعية والبرجوازية قيما مناقضة للثورة ومعادية للاشتراكية. لم ينجُ أبناء القادة الحزبيين الذين أقصاهم ماو من تلك النظرية، فقد أخذوا بجريرة آبائهم. تعرض ابن دينغ للتعذيب، وألقى نفسه، أو أُلقي من الطابق الرابع، مما تسبب في إصابته بالشلل."كان شي الابن أحد هؤلاء الأبناء الذين دفعوا الثمن"كان شي الابن أحد هؤلاء الأبناء الذين دفعوا الثمن. بعد سجن والده عام 1968، قرر شي الذي كان لا يزال في الخامسة عشرة من عمره الانتقال إلى قرية ليانغجيا قرب مدينة يانان ذات التاريخ الكبير مع الحزب الشيوعي. هناك أسهم شي بنفسه في حفر بئر لتوفير المياه لسكان القرية، وتحول البئر الذي حفره إلى مزار للكوادر الحزبية الشيوعية. قضى شي سبع سنوات في تلك القرية النائية صرّح بعدها مرارا بأن تلك السنوات صقلته وشكلت وعيه المبكر. لم تزرع تلك السنوات في قلب شي الابن عداء للحزب الشيوعي. على العكس، خرج شي من تلك التجربة مؤمنا بأن الحزب يجب أن يسبق كل شيء، أو كما قال أحد المقربين منه: "اختار النجاة بأن يكون أحمر أكثر من الحمر أنفسهم".شي جين بينغ طفلا (يسار) برفقة والده شي تشونغ شون عام 1958 (غيتي)بعد صعود دينغ وبداية حقبة الإصلاح أصبح شي الأب واحدا من الثمانية الكبار، ولعب دورا كبيرا في إرساء فكرة النطاقات الاقتصادية الخاصة. كانت تلك النطاقات من بين أعمدة الإصلاح الاقتصادي في الصين، وهي مناطق حرة تتوفر فيها سبل جذب الاستثمارات الأجنبية دون قيود تنظيمية. وكما دفع شي ثمن اضطهاد والده، كان أيضا واحدا من "أولياء العهد" (princelings). يطلق هذا الوصف في الصين على أبناء قادة الحزب الشيوعي الذين استفادوا من نفوذ آبائهم خلال حقبة الإصلاح، وكان شي جين بينغ واحدا من أبرزهم.تخرج شي في الجامعة عام 1979، وعُيِّن بعد ذلك سكرتيرا لعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي ووزير الدفاع الصيني جينغ بياو. لاحقا، تولي شي عددا من المناصب المحلية في مقاطعات مختلفة حول الصين، أهمها فوجيان التي قضى فيها نحو 17 سنة، وتولى منصب حاكم الولاية بين عامي 1999 و2002. تحتل فوجيان إلى جانب أهميتها الاقتصادية مكانة إستراتيجية خاصة في الصين إذ تطل على خليج تايوان، وتعد أقرب ولايات البر الصيني إلى تايوان.في عام 2002، انتقل شي جين بينغ من منصب حاكم مقاطعة فوجيان إلى مقاطعة تشجيانغ، حيث شغل أولا منصب نائب أمين لجنة الحزب بالمقاطعة والحاكم بالإنابة، ثم أصبح السكرتير الأول للمقاطعة. وفي العام نفسه، انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني. عزّزت سنوات شي في تشجيانغ سمعته الإصلاحية، وشهدت بداية تبلور شبكته من الكوادر الموثوقين، وعلى رأسهم لي تشيانغ الذي يشغل حاليًا منصب رئيس مجلس الوزراء. وفي عام 2007، انتخب شي عضوا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، وصار يُنظر إليه كخليفة محتمل لهو جينتاوشي تشونغ شون (الثاني يسار) أصبح واحداً من الثمانية الكبار، ولعب دورا كبيرا في إرساء فكرة النطاقات الاقتصادية الخاصة (الفرنسية)النمور والحشراتمنذ توليه المسؤولية رسميا عام 2012 رئيسا للحزب الشيوعي الصيني ثم رئيسا لجمهورية الصين الشعبية في العام التالي، بدا واضحا أن شي جين بينغ يسعى إلى إرساء نمط جديد من السلطة يقطع مع تقاليد الحكم الجماعي التي سادت في الحزب الشيوعي الصيني طوال تاريخه باستثناء سنوات الثورة الثقافية التي تفرد ماو خلالها بالسلطة. فمنذ يومه الأول، حرص شي على إحاطة نفسه بهالة تقديسية يخدمها جهاز دعائي ضخم.غير أن الأداة الأهم لشي في رحلة إرساء سلطته المطلقة تمثلت في الحملة ضد الفساد التي أطلقها فور توليه السلطة. مثلت الحملات الحزبية أداة التطهير الأساسية في الحزب الشيوعي خلال حقبة ماو، وقد بدأت تلك الحملات بحملة المئة زهرة عام 1956. في تلك الحملة، دعا الحزب الشيوعي المثقفين إلى التعبير عن أفكارهم وانتقاداتهم بحرية، في ظل تخفيف الرقابة على الصحف والأجهزة الدعائية. لكن ذلك الانفتاح المحدود سرعان ما تحول إلى حملة تطهير واسعة قادها ليو شاو كي ودينغ شياو بينغ منذ عام 1957 بحجة إقصاء الأصوات اليمينية التي ازدهرت في ظل حملة المئة زهرة. ووفق إحصاء رسمي ظهر في الثمانينيات، شهدت تلك الحملة إخضاع أكثر من نصف مليون من مثقفي الصين للاضطهاد السياسي."الأداة الأهم لشي في رحلة إرساء سلطته المطلقة هي حملة مكافحة الفساد"وفي مطلع الستينيات، أعاد ماو الكرة بإطلاق حملة التعليم الاشتراكي التي استهدفت تغطية الفشل الذي خلفته السياسات الاقتصادية لعقد الخمسينيات. فقد فُسِّر الفشل بأن الجماهير وحتى الكوادر الحزبية لم تتلقَ بعد التعليم الاشتراكي الذي يؤهلها لتطبيق تلك السياسات الاشتراكية الجذرية. تمكن ماو خلال تلك الحملة من التخلص من عدد من قيادات الحزب، على رأسهم سكرتير الحزب في بكين، بينغ تشين، الذي كان يتمتع بنفوذ تنظيمي كبير داخل الحزب. وسهّل ذلك لاحقا على ماو إطلاق الثورة الثقافية، والإجهاز على ليو شاو كي، وكل من كان ماو يتشكك في ولائهم الخالص.كانت سنوات الإصلاح الاقتصادي قد تركت وراءها فسادا واسعا بين مسؤولي الحزب الشيوعي. ومع وصول هو جينتاو إلى السلطة، صار واضحا أن الفساد داخل الحزب أصبح مسألة خطيرة تحتاج إلى مواجهة حاسمة. وكانت إحدى أهم قضايا الفساد التي هزت الحزب قضية بو شيلاي.بو شيلاي هو أحد أولياء العهد في الحزب مثل شي، فأبوه بو ييبو كان نائبا لرئيس الوزراء في عهد ماو، ولاحقا واحدا من مجموعة الثمانية الكبار. تولى شيلاي رئاسة الحزب في مقاطعة تشونغشينغ عام 2007، وزاد في عهده الإنفاق الاجتماعي مع الحفاظ على معدل نمو يفوق 10%. أطلق شيلاي حملة ضد الجريمة المنظمة وثورة لإرساء الثقافة الحمراء، وتحول إلى رمز لاستعادة الماوية والتوجهات اليسارية في الحزب الشيوعي. وقد توج صعوده بالانضمام إلى المكتب السياسي للحزب، وطرح اسمه مرشحا لعضوية اللجنة الدائمة.بيد أن المسار السياسي لبو شيلاي انتهى فجأة في عام 2012 ويُعتقد أنه حاول اللجوء إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2013، كان بو شيلاي من بين الضحايا الأوائل للحملة ضد الفساد، إذ أُدِين وحُكِم عليه بالسجن مدى الحياة.كان ذلك بعد فترة قصيرة من تولي شي جين بينغ السلطة، إذ أصدر تشريعا من ثماني نقاط متعهدا باقتلاع "النمور والحشرات"، أي المتورطين في الفساد سواء أكانوا من المسؤولين رفيعي المستوى أم من الموظفين العاديين في الحزب. تساقط كبار المسؤولين في الحزب خلال الحملة واحدا تلو الآخر، ومن بين هؤلاء تشو كاي هو نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية. شملت التحقيقات التي أجرتها الحملة نحو 7 ملايين مسؤول حزبي، وأُدِين نحو مليوني مسؤول منهم بالفعل.
إحكام القبضةسمحت الحملة ضد الفساد بالتخلص من المسؤولين الحزبيين غير الموثوق بولائهم لشي، وبحلول المؤتمر التاسع عشر للحزب عام 2017، كان الرئيس قد أحكم قبضته على الحزب تماما. أضاف المؤتمر التاسع عشر فكر شي جين بينغ إلى ميثاق الحزب، إحدى المرجعيات الموجهة للحزب إلى جانب فكر ماو وفكر دينغ، بحيث أصبح واضحا أن شي يرتقي مرتقى لم يبلغه أسلافه وأقرانه بما في ذلك زيمين وهو جينتاو. وفي عام 2018، قام شي بتعديل الدستور بما يسمح ببقائه في رئاسة الصين لفترة ثالثة بعد عام 2023.يتلخص فكر شي في المبادئ الأربعة الشاملة التي أعلنها عام 2015، وهي بناء مجتمع مزدهر بـ"اعتدال"، وتعميق الإصلاحات، وحكم القانون، والانضباط الصارم في الحزب. لقد حافظ شي على خط الإصلاح الاقتصادي الذي رسمه دينغ دون تردد، بل تبنى تعميقه، كما ألغى سياسة التعليم الاشتراكي التي استخدمها ماو لمعاقبة خصومه في الحزب، ومن بينهم والد شي، وشي نفسه. لكن إضافة وصف الاعتدال في المبدأ الأول لم تكن مظهرية. عمل شي بالفعل على الحد من التفاوت الواسع في الدخول، ونشر ثقافة اشتراكية صينية تعادي التوسع في مظاهر الرفاه الاقتصادي، وتستعيد بعض القيم الصينية المحافظة. ألغى شي سياسة الطفل الواحد بالتدريج، قبل أن تتبنى الدولة صراحة سياسة داعية إلى التوسع في الإنجاب. كما أطلق شي على فكره "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية من أجل عصر جديد" جامعا بين الحفاظ على الأيديولوجيا الاشتراكية للحزب، واستعادة هوية ثقافية صينية لا تخطئها العين.فرض شي كذلك حظرا على مظاهر الترف في الفعاليات الحزبية. شمل ذلك الحظر الخمور والسجائر والأطباق الفارهة، مما دعا معلقين إلى وصف سياساته بأنها شيوعية كالفينية (إشارة إلى المذهب البروتستانتي الكالفيني المتشدد دينيا). ولم يتخلَ شي عن المبدأ الأكثر استقرارا في تاريخ جمهورية الصين الشعبية، وهو أن الحزب الشيوعي يجب أن يبقى مسيطرا على الدولة."أنهى شي مشروعه للسيطرة السياسية من خلال إعادة تشكيل اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي"أنهى شي الخطوط العريضة لمشروعه في السيطرة على السلطة خلال المؤتمر العشرين للحزب عام 2022 عبر إعادة تشكيل اللجنة الدائمة. فقد أُقصِي رئيس الوزراء لي كه تشيانغ القادم من اتحاد الشباب الشيوعي، وهو الذي كان أحد الخلفاء المحتملين لشي. كذلك استُبعِد وانغ يانغ، أحد أبرز المسؤولين الداعمين لليبرالية الاقتصادية في الصين. كما شملت الاستبعادات نائب رئيس الوزراء هو تشون هوا، وهو أيضا من القادمين من اتحاد الشباب الشيوعي.امتدت حملة التطهير إلى الجيش الصيني. أزيح لي شانغ فو من منصبه وزيرا للدفاع، وبعدها طُرد لي من اللجنة المركزية على خلفية اتهامات بالفساد في توريد الأسلحة. لم يقتصر الأمر على لي شانغ فو، وإنما شمل أيضا سلفه وي فينغ هي الذي اتهم بالرشوة. تركزت الاتهامات على قوة الصواريخ في جيش التحرير الشعبي الصيني، لذ فقد استبعد قائد القوة لي يو تشاو وطُرد من اللجنة المركزية. شمل التطهير أيضا كلا من هي وي دونغ، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، ومياو هوا عضو اللجنة الذي شغل سابقا منصب المسؤول السياسي للجيش.أما المفاجأة الأحدث فكانت إقصاء تشانغ يو شيا نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية. فقد كان ينظر إلى تشانغ بوصفه أحد المقربين من شي قبل أن يُقصى. تظهر حالة تشانغ أن الانضباط الحزبي الصارم في ظل شي لا يعرف حدودا. يرى شي كذلك في مسؤولي الحزب والدولة أدوات لتنفيذ سياساته، لا شركاء في صناعة القرار السياسي. كان ذلك سببا للإزاحة السريعة لوزير الخارجية السابق شين غانغ بعد أن شعر شي بأن شين غير ملتزم برؤاه بشكل كامل، وفق المصادر.عصبة فوجياناعتمد شي في إرساء سلطته في الحزب الشيوعي الصيني على مجموعة من المقربين، ولا سيما أولئك الذين خدموا إلى جواره في فوجيان وتشيجيانغ. ويعد رئيس الوزراء لي تشيانغ الذراع اليمنى لشي، وقد التحق باللجنة الدائمة للمكتب السياسي في الحزب عام 2022، قبل أن يتولى رئاسة مجلس الدولة (رئاسة الوزراء) عام 2023. كان صعود لي مفاجئا نسبيا بعد أن تسببت سياسته في شنغهاي في الإغلاق العام أثناء جائحة كوفيد في حالة من عدم الرضا. لكن تشيانغ يتمتع بعلاقة خاصة بشي، إذ عمل بالقرب منه أثناء تجربة شي في تشيجيانغ. ويُعرف عن لي تشيانغ توجهه الداعم لمجتمع الأعمال والإصلاح الاقتصادي.تساي تشي هو اسم آخر يحتل مكانة خاصة بين رجال شي جين بينغ، فهو الذي يقود التنظيم الحزبي في ظل سلطة شي. انضم تساي إلى اللجنة الدائمة في عام 2022، وتولى هذا العام إدارة مدرسة الحزب المركزية المسؤولة عن صناعة الكوادر في الحزب الشيوعي. تساي كذلك هو أحد رفاق شي في رحلة صعوده إلى السلطة، إذ عمل إلى جانبه في فوجيان وتشيجيانغ.هي لي فينغ هو أيضا واحد ممن خدموا إلى جانب شي في فوجيان، ويلعب دورا محوريا في إدارة الاقتصاد الصيني تحت توجيه شي. تولى هي لي فينغ رئاسة لجنة الإصلاح والتنمية الوطنية المسؤولة عن التخطيط الاقتصادي منذ عام 2017، ثم حصل على منصب نائب رئيس مجلس الدولة عام 2023. وتتسم رؤية لي فينغ بتبني الإصلاحات الاقتصادية بشرط ألا تتسبب في إضعاف قبضة الحزب على الاقتصاد.شي جين بينغ (يسار) يتقدم أعضاء اللجنة الدائمة عام 2022، وعلى رأسهم لي تشيانغ (الثاني يسار)، ووانغ هونينغ (الرابع يسار) ثم تساي تشي (الفرنسية)الحرس القديملا يعني اعتماد شي على المقربين منه في رحلة صعوده أنه قد تخلص من كل الحرس القديم. ويعد وانغ هونينغ الوجه الأبرز من بين كبار المسؤولين الذين بدأوا مسيرتهم قبل صعود شي، واحتفظوا بأدوارهم من بعده. بدأ هونينغ حياته المهنية أكاديميا في جامعة فودان، حيث درّس السياسة الدولية، كما تولى عمادة كلية القانون. وارتبط اسمه بصعود الأيديولوجيا المعروفة بالمحافظة الجديدة في الصين، وهي الأيديولوجيا التي تؤمن بأن وجود قيادة سياسية صلبة وزعيم قوي من بين شروط الاستقرار السياسي والتنمية في الصين، أما الديمقراطية الليبرالية فتمثل نموذجا غربيا للحكم لا مثلا أعلى يجدر بالصين وغيرها من البلدان التي تنتمي إلى حضارات كبرى مغايرة أن تحتذي به.بدأ هونينغ مسيرته الحزبية عام 1995 مديرا لفريق الأبحاث في مكتب أبحاث السياسات التابع للحزب الشيوعي. وفي عام 2002، انتُخِب عضوا في اللجنة المركزية للحزب، ثم عضوا في المكتب السياسي عام 2012، ثم عضوا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي منذ عام 2017.وصفت تقارير عديدة هونينغ بأنه قائد الظل في الصين نظرا إلى استمراره في المواقع القيادية عبر ثلاث إدارات متتابعة، لعب هونينغ في ظلها جميعا دور المنظّر السياسي للحزب الشيوعي.وانغ هونينغ (رويترز)يبدو هونينغ في كتاباته محافظا أكثر منه مفكرا اشتراكيا. ففي كتابه "أمريكا ضد أمريكا"، يرى هونينغ أن الولايات المتحدة تتسم بالقوة والإبداع، لكن ما يضعفها من داخلها هو هيمنة الفردانية والنزعة الاستهلاكية وانعدام المساواة والتفكك الأسري. مثّل هذا الكتاب، إلى جانب أعمال أخرى لهونينغ، ردا واضحا على مطالب المحتجين في تيانانمن التي نُظِر إليها بوصفها نزوعا نحو التغريب والليبرالية والانفتاح السياسي. فبالنسبة لهونينغ، ليست تلك الأهداف قيما كونية يجب السعي إليها، وإنما خصائص غربية تتسبب في إضعاف الغرب نفسه فضلا عن تناقضها مع التراث الحضاري الصيني."يتلخص فكر هونينغ في شعار التحديث دون تغريب"يتلخص فكر هونينغ في شعار التحديث دون تغريب، فما يميزه عن اليسار الجديد في الصين هو تماهيه مع الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية، لكنه يتميز في الوقت نفسه عن الاتجاه الليبرالي السياسي من جهة دفاعه عن وجود سلطة قوية مهيمنة وثقافة سياسية واجتماعية تحافظ على التراث الثقافي. وبذلك يقترب هونينغ من تيار الكونفوشيوسية الجديدة دون أن يكون لديه الولع نفسه بإحياء الكونفوشيوسية ثقافيا في الصين.يشبه تشاو ليجي، وهو أيضا عضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، نموذج هونينغ من حيث تاريخه الحزبي السابق على صعود شي. لكن بينما يلعب هونينغ دورا أيديولوجيا، يلعب تشاو دورا محوريا في التنظيم الحزبي. تشاو هو أحد القادمين من اتحاد الشباب الشيوعي، لكن ذلك لم يكن مبررا لإقصائه على يد شي مع غيره من القادمين من الاتحاد مثل لي كه تشيانغ. تولى تشاو أمانة التنظيم الحزبي مع صعود شي عام 2012، ثم تولى رئاسة لجنة الانضباط الحزبي بين عامي 2017 و2022، كما يشغل كرسيا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي منذ عام 2017.صورة لأعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي عام 2017، يظهر فيها وانغ هونينغ (الثاني يسار) وتشاو ليجي (يمين) (غيتي)فتش عن الأمنيشغل خطاب الأمن القومي حيزا واسعا من الطرح السياسي لشي جين بينغ، إذ يركز الرئيس الصيني على التهديدات المحتملة للصين من الداخل عبر الحركات الانفصالية، إلى جانب قضية تايوان التي تشكل الهاجس الأمني القومي الأساسي في الصين. وإلى جانب ذلك، انشغل شي بترسيخ الضبط الاجتماعي عبر نظام موسع لمراقبة النشاط الرقمي وحتى الحركة اليومية للمواطنين. وقد اعتمد شي في تلك المهمة اعتمادا كبيرا على وزير الأمن العام وانغ شياو هونغ. وإلى جانب ذلك، وضع شي ضابط المخابرات السابق تشين وينشينغ على رأس اللجنة السياسية والقانونية المركزية، وهي الدائرة الحزبية المسؤولة عن الإشراف على العمل الأمني.أما من الناحية الإستراتيجية، فيمثل وانغ يي الدبلوماسي الأرفع الذي يثق فيه شي ثقة هائلة، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة ملف تايوان. شغل وانغ وزارة الخارجية منذ صعود شي إلى السلطة، وبعد استبعاده لفترة قصيرة بين عامي 2022 و2023 تولى خلالها شين غانغ وزارة الخارجية، عاد وانغ إلى موقعه، مما عبّر عن ثقة شي في وانغ وإدارته للسياسة الخارجية الصينية.لا يعني اعتماد شي على شبكة من المقربين أنه بنى جهازا سريا عميقا داخل الحزب والدولة؛ فقد ظلت آليات التعيين والتدوير مؤسسية إلى حد كبير، وإن خضعت لمعيار الولاء السياسي. وفي حين يرى شي جين بينغ نفسه على الأرجح "زعيما مطلقا بحجم ماو" فإن ذلك لا يعني أنه يملك نفس القدر من السلطة الرمزية. فشرعيته تستند إلى مزيج من الانضباط الحزبي، والسيطرة على أجهزة الأمن، والأيديولوجيا، والنتائج الاقتصادية. هكذا، لا يُقرأ صعود شي بوصفه عودة إلى الفردانية الماوية، بل كنموذج هجين يزاوج بين الهيمنة المؤسسية والولاء الشخصي، حيث تبقى الشرعية مرهونة بالأداء والسيطرة، وبهالة الزعيم الفرد في الوقت نفسه.المصدر: الجزيرة
    نيسان ـ نشر في 2026/09/06 الساعة 00:00