خرج إلى روضته صباحا.. ولم يعد إلى حضن أمه

نيسان ـ نشر في 2026/09/06 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
كل طفل يصعد إلى حافلة الروضة صباحا يصبح أمانة حتى يعود إلى بيته، وما حدث يجب ألا يبقى فاجعة نبكيها، بل أن يتحول إلى إجراءات تمنع أن نعيش الفاجعة نفسها مرة أخرى.
ترددت كثيرا قبل أن أكتب عن الطفل الذي توفي داخل حافلة الروضة، ثمة أحزان يصبح الاقتراب منها بالكلمات صعبا، خصوصا عندما يكون في الطرف الآخر أب وأم خرج طفلهما من البيت صباحا ولم يعد.
قلبي مع والده ووالدته. ربنا يربط على قلبيهما ويمنحهما الصبر، فلا شيء يقال أمام فقد كهذا يمكن أن يكون كافيا. لكن بعد الحزن ثمة سؤال لا يجوز أن نهرب منه: ماذا نفعل حتى لا يتكرر ما حدث؟
لا ينبغي أن تمر فاجعة طفل نسي داخل حافلة باعتبارها خطأ بشريا مؤلما وقع وانتهى، الخطأ البشري سيبقى ممكنا دائما، ولهذا تبنى أنظمة السلامة أصلا؛ كي تمنع خطأ شخص واحد من أن يتحول إلى مأساة أسرة كاملة.
نحتاج إلى إجراءات لا تسمح بأن يكون وصول الطفل إلى الروضة أو عودته منها رهنا بالذاكرة والانتباه وحدهما. تبدأ المسألة من الحافلة نفسها، يجب ألا يغادرها السائق والمشرفة قبل تفتيشها مقعدا مقعدا والتأكد من خلوها، وأن يكون ذلك إجراء موثقا لا نصيحة اختيارية، ويمكن للتقنية أن تضيف طبقة أخرى من الحماية عبر أنظمة تسجل صعود الطفل ونزوله، وترسل إشعارا إلى الروضة وولي الأمر، وتتيح تتبع الحافلة.
لكن هناك إجراء أبسط من كل التكنولوجيا، وربما كان قادرا على إنقاذ حياة: إذا بدأ الدوام ولم يصل الطفل، لماذا لا يسأل أحد أين هو؟
يجب أن يصبح الاتصال بولي الأمر عند غياب طفل من دون إشعار مسبق بروتوكولا إلزاميا وسريعا. مكالمة واحدة في الوقت المناسب قد تكشف أن طفلا خرج من منزله لكنه لم يدخل صفه، وعندها تبدأ عملية البحث قبل أن تصبح الدقائق ساعات.
ولا يكفي أن نضع التعليمات في ملف ونطلب من السائقين والمشرفين التوقيع عليها. من يتولى نقل الأطفال يحتاج إلى تدريب دوري على إجراءات السلامة والطوارئ، وإلى رقابة تتأكد أن التعليمات تنفذ فعلا.
حتى الطفل نفسه، على صغر سنه، يمكن أن نعلمه بطريقة تناسب عمره ماذا يفعل إذا وجد نفسه وحيدا داخل الحافلة: أين زر الطوارئ؟ كيف يستخدم المنبه؟ كيف يلفت الانتباه؟
لا نريد أن نحمل الطفل مسؤولية إنقاذ نفسه، فتلك مسؤوليتنا نحن، لكننا نمنحه فرصة إضافية إذا أخفق الكبا،. وحماية أطفالنا ليست كاميرا نركبها أو تطبيقا نحمله أو تعميما نصدره بعد كل فاجعة، إنها سلسلة أمان تبدأ من لحظة صعود الطفل إلى الحافلة، ولا تنتهي إلا عندما يعود إلى بيته سالما، وإذا انشغل شخص أو نسي، يجب أن يكون في السلسلة شخص آخر أو إجراء أو تقنية تلتقط الخطأ قبل أن يلتقط الموت طفلا.
كل طفل يغادر بيته صباحا يحمل معه ضحكاته الصغيرة وأحلام والديه وأشياء ربما لا يعرف قيمتها إلا الأب والأم اللذان ينتظران عودته.
لهذا لا نريد أن تنتهي هذه الحادثة بالتعازي والتحقيقات، ثم تمر الأيام وننسى، ثم ننسى أيضا طفل آخر في حافلة.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/06 الساعة 00:00