ربع الإجابة لنصف السؤال
نيسان ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 00:00
اعتاد المسؤولون أن يعطوا المواطن ربع الإجابة، إما تعبيراً عن استخفافهم بحقوق المعرفة،هذه المعادلة لم تكن يوماً بريئة من نتائجها. ففي معظم المرات التي استخدم فيها المسؤولون ربع الحقيقة للإجابة عن نصف السؤال، كانت النتيجة فوضى معرفية لا متناهية، بعضها انتهى، لكن الكثير منها ما زال مستمراً.المشكلة الأكبر أن الرأي العام، المثقل أصلًا بكلفة المعيشة والقلق الاقتصادي وضغوط الحياة اليومية، لا يحتاج إلى مزيد من القلق المجاني. وإذا كانت الدولة لا تقدم إجابات واضحة ومقنعة على الأسئلة التي تتزايد، فإن الفراغ لن يبقى فراغا طويلا، بل ستملأه بطبيعة الحال الروايات الأسهل، والأكثر تشاؤما، وربما الأكثر عدمية.
الفوضى التي نعيشها اليوم لم تعد حبيسة الصحف والمجلات والإذاعات، بل انتقلت لتمتد وتملأ الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي بأنصاف الحقائق وأرباع المعلومات، حتى وصلنا اليوم إلى ذروة هذه الفوضى المعرفية عندما قررت الحكومة مأسسة "نصف الإجابة" وتحويلها إلى كائن افتراضي، مبرمج ومصنوع من خوارزميات، أطلقوا عليه اسم "فرح".
لقد جاءت "فرح" كناطق رقمي حكومي، تتحدث اللهجة العامية الدارجة لتبسيط القرارات، لكنها في العمق جاءت لتختزل المعادلة وتجيب على "نصف السؤال" بـ "ربع إجابة" إلكترونية معلبة ومبتسمة دائماً.
في الحقيقة ان تراجع المعرفة لم يكن يوماً حصيلة قسمة السؤال على الإجابة، بقدر ما كان ربع الإجابة مطروحاً منه نصف السؤال، وعليه فقد باتت النتيجة اليوم أن أسئلة الشارع الحائرة في واد، و اجابات "فرح" المبرمجة مسبقاً في وادٍ آخر مختلف تماماً، بينما الواقع الحقيقي لا علاقة له بما يدور في الفضاء الافتراضي للحكومة.
لا شك أن حق المعرفة، أو ما يعرف بحق الحصول على المعلومة، الذي تحدثت عنه القوانين والتشريعات، لم يكن في يوم من الأيام معضلة أمام الرأي العام بقدر ما كان مصدر قلق دائم لدى بعض المسؤولين الذين يحاولون تغليف الحقيقة بأجزاء منها.
واليوم، يجد هذا المسؤول في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الستار الدخاني المثالي، فالروبوت الافتراضي لا يغضب، لا يربكه السؤال الصعب، ولا يملك ضميراً يُحاسب، بل يقرأ النصوص الصماء بصوت رقمي فائق الوضوح ليمنح المواطن وهماً بـ "المكاشفة والشفافية".
هذا التعامل المجزوء والانتقائي مع الأسئلة الحائرة قد يؤدي إلى ضياع المعرفة. وضياع المعرفة بدوره تسبب في هذا الاضطراب المزمن الذي أصاب عدة بوصلات بالعطب؛ بحيث أصبحت الحقيقة كذباً، والخيال جزءاً من الواقع، والصورة السوداء ناصعة البياض، والصوت المبحوح فائق الوضوح، فيما انقلبت الحقائق رأساً على عقب خلف شاشات الهواتف الذكية.
أما أن يبقى المواطن يسأل نصف السؤال، ويتلقى ربع الإجابة، ثم نطلب منه أن يفهم الصورة كاملة، فهذه ليست شفافية.
المطلوب في النهاية ليس إسكات الأصوات القلقة، وإنما تحويل هذا القلق إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى خيارات، والخيارات إلى فعل. فالدول لا تعبر المراحل الصعبة بكثرة الطمأنة وحدها، ولا بكثرة التخويف، وإنما بقدرتها على أن تقول لمواطنيها: نعرف حجم المشكلة، ونعرف إلى أين نريد أن نذهب.
الفوضى التي نعيشها اليوم لم تعد حبيسة الصحف والمجلات والإذاعات، بل انتقلت لتمتد وتملأ الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي بأنصاف الحقائق وأرباع المعلومات، حتى وصلنا اليوم إلى ذروة هذه الفوضى المعرفية عندما قررت الحكومة مأسسة "نصف الإجابة" وتحويلها إلى كائن افتراضي، مبرمج ومصنوع من خوارزميات، أطلقوا عليه اسم "فرح".
لقد جاءت "فرح" كناطق رقمي حكومي، تتحدث اللهجة العامية الدارجة لتبسيط القرارات، لكنها في العمق جاءت لتختزل المعادلة وتجيب على "نصف السؤال" بـ "ربع إجابة" إلكترونية معلبة ومبتسمة دائماً.
في الحقيقة ان تراجع المعرفة لم يكن يوماً حصيلة قسمة السؤال على الإجابة، بقدر ما كان ربع الإجابة مطروحاً منه نصف السؤال، وعليه فقد باتت النتيجة اليوم أن أسئلة الشارع الحائرة في واد، و اجابات "فرح" المبرمجة مسبقاً في وادٍ آخر مختلف تماماً، بينما الواقع الحقيقي لا علاقة له بما يدور في الفضاء الافتراضي للحكومة.
لا شك أن حق المعرفة، أو ما يعرف بحق الحصول على المعلومة، الذي تحدثت عنه القوانين والتشريعات، لم يكن في يوم من الأيام معضلة أمام الرأي العام بقدر ما كان مصدر قلق دائم لدى بعض المسؤولين الذين يحاولون تغليف الحقيقة بأجزاء منها.
واليوم، يجد هذا المسؤول في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الستار الدخاني المثالي، فالروبوت الافتراضي لا يغضب، لا يربكه السؤال الصعب، ولا يملك ضميراً يُحاسب، بل يقرأ النصوص الصماء بصوت رقمي فائق الوضوح ليمنح المواطن وهماً بـ "المكاشفة والشفافية".
هذا التعامل المجزوء والانتقائي مع الأسئلة الحائرة قد يؤدي إلى ضياع المعرفة. وضياع المعرفة بدوره تسبب في هذا الاضطراب المزمن الذي أصاب عدة بوصلات بالعطب؛ بحيث أصبحت الحقيقة كذباً، والخيال جزءاً من الواقع، والصورة السوداء ناصعة البياض، والصوت المبحوح فائق الوضوح، فيما انقلبت الحقائق رأساً على عقب خلف شاشات الهواتف الذكية.
أما أن يبقى المواطن يسأل نصف السؤال، ويتلقى ربع الإجابة، ثم نطلب منه أن يفهم الصورة كاملة، فهذه ليست شفافية.
المطلوب في النهاية ليس إسكات الأصوات القلقة، وإنما تحويل هذا القلق إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى خيارات، والخيارات إلى فعل. فالدول لا تعبر المراحل الصعبة بكثرة الطمأنة وحدها، ولا بكثرة التخويف، وإنما بقدرتها على أن تقول لمواطنيها: نعرف حجم المشكلة، ونعرف إلى أين نريد أن نذهب.
نيسان ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 00:00