ما تقوله نقرات الأصابع

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 00:00
ثمة جمهور يجلس أمام الباحثين بكامل أناقته الأخلاقية؛ يحب الصحافة الدقيقة، ويطلب الخبر الموثق، وينحاز إلى الموضوعية والاستقلال، ويضيق بالإثارة والانفعال. ثم يخرج من قاعة الاستبيان، يمسك هاتفه، ويبدأ إصبعه في اختيار شيء آخر: فيديو قصير، عنوان صاخب، حكاية غاضبة، وجه يعرف كيف يرفع صوته. كأن في داخل الإنسان قارئين؛ واحد يعرف ما ينبغي أن يقرأ، وآخر يعرف أين ينقر. وبين الاثنين تقع حكاية الإعلام كلها.
لسنوات طويلة جرى تفسير تراجع الصحافة المهنية باعتباره تراجعا في تقدير الناس لقيمها. جاءت البحوث بصورة أكثر تعقيدا؛ فالدقة والحياد والشفافية ما زالت تتصدر ما يقوله الجمهور حين يسأل عن الصحافة التي يريدها. وحين تراقب العين الرقمية ما يفعله الناس، تظهر خريطة أخرى. ما نقول إننا نحبه لا يساوي دائما ما نعطيه من وقت، وما نمدحه أمام الباحث قد لا يكون الشيء الذي نبحث عنه في لحظة تعب أو ملل أو غضب.
في علم الاجتماع يسمى هذا الانفصال: تحيز الرغبة الاجتماعية. فالإنسان يحب أن يرى نفسه في المرآة بالصورة التي تليق به؛ أكثر عقلانية، وأكثر التزاما بالقيم التي يحترمها المجتمع. لذلك تبدو إجابته عن سؤال «أي صحافة تريد؟» مختلفة عن يده حين تتركها للخوارزمية في ساعة فراغ. هناك وقت للتفكير في الاستبيان، وهناك لحظة خاطفة على الشاشة لا تمنح العقل سوى ثانية قبل أن تقول له: انقر.
والمنصات تعرف هذه الثانية جيدا. إنها تلتقط الفضول قبل الحكمة، والدهشة قبل السياق، والغضب قبل التفسير. وتظهر دراسات علم النفس المعرفي أن المشاعر السلبية والدهشة والغضب ترفع احتمالات المشاركة والانتشار. لا يعني هذا أن الناس يحبون التضليل أو يكرهون الحقيقة؛ فالدماغ، منذ أزمنة بعيدة، كان أكثر يقظة لما يصرخ في الغابة من الشيء الذي يجلس هادئا بين الأشجار. وحين جاءت الخوارزميات، أمسكت بهذا الميل القديم وأعطته مكبرا.
والجمهور نفسه ليس كتلة متناقضة. الإنسان الواحد قد يكون مواطنا شديد العقلانية حين يفكر في الصالح العام، ومستهلكا سريع الاستجابة حين يفتح هاتفه. في الأولى يتقدم صوته البعيد، وفي الثانية تتقدم حاجته القريبة إلى المتعة والدهشة والانفعال. لا نعيش بوجه واحد، ولا نقرأ بعقل واحد. داخل كل منا قيم طويلة العمر، وغرائز قصيرة النفس، وبينهما تمر أصابعنا على الشاشة.
لهذا لا تكفي أرقام المشاهدة للحكم على جودة الصحافة، كما لا تكفي الاستبيانات لمعرفة الجمهور. الحقيقة تسكن في المسافة بين القول والفعل، بين الإجابة والنقرة، بين الصحافة التي نعلن احترامها والمادة التي نمنحها وقتنا. وكل نقرة، مهما بدت صغيرة، تحمل شيئا من صاحبها. وقد تقول الشاشة في لحظة صمت ما لا يقوله الإنسان عن نفسه في ألف استبيان: هنا، تحت إصبعي، يسكن القارئ الذي لا أعرفه عن نفسي.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/07 الساعة 00:00