ساعدوهم في وظيفة خارجية

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00
يقضي الشاب الأردني ست عشرة سنة في التعليم كي يصل إلى الشهادة، ثم يخرج منها حاملا ملفا أنيقا لا يعرف أين يضعه. كأننا أمضينا عمره في تعليمه كيف يصل إلى باب الجامعة، ثم تركناه وحيدا عند باب العالم. هنا تبدأ المفارقة: الشهادة موجودة، والطاقة موجودة، والعالم من حولنا يفتح أبوابا للعمل، فيما يبقى الخريج واقفا أمام الباب الخطأ.
المشكلة ليست في كثرة الخريجين وحدها، ولا في ضيق السوق المحلية. المشكلة أننا ما زلنا ننظر إلى وظيفة الخريج داخل حدود الأردن، بينما الوظيفة نفسها تجاوزت الحدود منذ زمن. العالم يعيد توزيع العمل والمهارات والمواهب، ونحن ما زلنا نسأل الطالب ماذا يريد أن يدرس، ولا نسأله بما يكفي: أين سيحتاجك العالم حين تتخرج؟ الأرقام قاسية. بلغت بطالة الأردنيين 21.1 في المئة في الربع الأول من 2026، وارتفعت بين الأردنيات إلى 32.7 في المئة. ووصلت البطالة بين حملة البكالوريوس فأعلى في 2024 إلى 25.8 في المئة، وبين الجامعيات إلى 35.5 في المئة. وفي المقابل زاد عدد طلبة البكالوريوس بأكثر من 53 ألفا خلال عامين، فيما ظل نمو الاقتصاد يدور حول 2.5 في المئة سنويا خلال العقد الماضي. كأننا نوسع باب الدخول، بينما يضيق باب الخروج.
وفي الجهة الأخرى من العالم تتحرك سوق العمل بسرعة مختلفة. يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي إنشاء 170 مليون وظيفة حتى 2030 واختفاء 92 مليونا، مع تغير نحو 39 في المئة من المهارات المطلوبة. وفي ألمانيا وحدها تستمر الحاجة إلى مهندسين ومتخصصي تقنية المعلومات، وإلى التمريض والطب والطاقة والحرف. السؤال إذن لم يعد: هل توجد وظائف؟ السؤال الأشد وجعا: هل نملك خريجا يستطيع الوصول إليها؟ هنا يبدأ دور الدولة الحقيقي. لا يكفي أن نقول للشاب: ابحث عن عمل. الطريق إلى الوظيفة الخارجية يحتاج لغة وتدريبا وترخيصا وتأشيرة وعقدا وحماية. ألمانيا بنت برامج منظمة لاستقطاب العمالة، والفلبين أقامت جهازا وطنيا لتشغيل مواطنيها في الخارج. لسنا بحاجة إلى نسخ تجاربهم، بقدر حاجتنا إلى فهم درسها البسيط: الكفاءة وحدها لا تكفي إذا لم تجد الطريق.
والأردن يملك من الطريق شيئا. لدينا فرص جديدة في خدمات تقنية المعلومات، وإمكان الوصول إلى أسواق الخليج والعمل عن بعد، وتحويلات عاملين بلغت نحو 4.47 مليار دولار في 2025. وهذا يعني أن الأردني يعرف كيف يعمل خارج الحدود؛ ما ينقصنا أن تتحول الهجرة المهنية من رحلة فردية محفوفة بالحظ إلى سياسة وطنية تعرف أين توجد الوظائف وكيف يصل إليها أصحابها.
نحتاج إلى خريطة حية لأسواق العمل والرواتب والتراخيص، وإلى لغة ومهارات مهنية وتدريب تطبيقي داخل الجامعة، وجواز مهارات رقمي، وسفارات ترى في استقطاب فرص العمل جزءا من مهمتها، وجامعات تقاس بما يفعله خريجوها بعد الشهادة، لا بعدد الشهادات التي توزعها. آن الأوان أن نخرج من فكرة أن الخريج مشكلة تبحث عن وظيفة. الخريج الأردني ليس عاطلا عن العالم؛ نحن فقط ما زلنا نضعه أمام السوق الخطأ.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00