أحمد داوود أوغلو من قمة السلطة إلى قفص الاتهام

بكر صدقي
نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00
يمثُل رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو أمام النيابة العامة بتهمة «تحقير رئيس الجمهورية» التي قد تصل عقوبتها إلى السجن بضع سنوات، وذلك على خلفية تصريحات إعلامية تعود إلى العام 2021. فالرجل الذي كان قد بدأ، في حينه، مرحلة جديدة من حياته السياسية كزعيم لحزب المستقبل الذي أسسه للتو وتموضع في الصف المعارض للسلطة، أدلى بتصريح يعتبر عادياً في اليوميات التركية من النقد المتبادل بين السلطة والمعارضة.
وبالعودة إلى تلك التصريحات، قال داوود أوغلو رداً على سؤال من أحد الصحافيين: «لم أحصل على مال حرام كما فعل الوزراء ممن جاؤوا إلى الحكم بعدي. وأوصيتهم ألا يفعلوا، لكنهم فعلوا. قاموا بإثراء المقربين، قام بتوزير صهره، وإثراء أقربائه، ومنح الموارد العامة لخمسة متعهدين بلا وجه حق». حين انتقل «الخوجا» (الأستاذ) من ضمير الجمع الذي عنى به الوزراء، إلى ضمير المفرد الغائب كان المقصود أردوغان الذي نصّب صهره برات آلبيرق وزيراً للمالية في تلك الفترة. أما المتعهدون المشار إليهم فيطلق عليهم بين عموم الشعب «عصابة الخمسة» الذين يحظون بمعاملة مميزة في المناقصات الحكومية فيحتكرون الاستثمار في المشاريع الإنشائية الكبيرة ذات الأرباح الفلكية المضمونة كالطرق السريعة والجسور والمباني العامة والقرى السياحية وغيرها.
هذا القسم الأخير من تصريح داوود أوغلو هو ما يبدو أن النائب العام اعتبره «تحقيراً لرئيس الجمهورية» مع أن الرجل لم يذكر أردوغان بالاسم، ربما تحسباً. بل إن النائب العام يكون بهذا التأويل قد ألصق تهمة المحسوبية بأردوغان، من حيث أراد الذود عنه! لكن يبقى أغرب ما في إحالة داوود أوغلو للقضاء هو نبش هذا التصريح من أرشيف الصحف. لماذا تأخر النائب العام خمس سنوات كاملة ليفعل ذلك؟
يمكن أن نفترض تفسيرين غير متعارضين: الأول هو كون داوود أوغلو قد وضع نقطة النهاية لنشاطه السياسي وأعلن عن حل حزب المستقبل الذي كان يقوده. وبذلك تحاول السلطة أن تبتعد عن شبهة تسييس القضاء ضد المعارضة السياسية. والثاني يتعلق بالمناخ العام السائد حالياً المتمثل بتواتر الحملات القضائية ضد أهداف متنوعة لا تخلو، على أي حال من شبهة التسييس. فلا يمر أسبوع إلا وتضج وسائل الإعلام باعتقال شخصيات معروفة، سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، أو جماعات دينية صوفية، أو صحافيين. في هذا الجو الخانق يمكن تمرير هذه الدعوى بلا تداعيات. وأصل الحكاية هي نوع من الاقتصاص من شخصية سياسية وفكرية بارزة تحدت الرئيس يوماً ما. من المحتمل أيضاً أن السلطة تخشى من تأثير الرجل في البيئة المحافظة المؤيدة للحزب الحاكم، هو الذي شغل موقع زعيم الحزب في فترة رئاسته لمجلس الوزراء بين 2014 – 2016.
يرى كثيرون في تركيا أن الرجل (داوود أوغلو) رجل فكر مهم لكنه سياسي ساذج أو فاشل
ولد داوود أوغلو، في العام 1959، في مدينة قونية ذات الرمزية الصوفية البارزة (مدينة مولانا جلال الدين الرومي) والخزان الانتخابي للحركة الإسلامية في تركيا. حصل على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة بوغاز إيجي في إسطنبول، وقام بالتدريس في عدد من الجامعات التركية. اشتهر بمؤلفه الأهم «العمق الاستراتيجي» الذي دعا فيه إلى الانفتاح على الجوار العربي والإسلامي لتركيا. ثم حظي بفرصة تطبيق نظريته حين شغل موقع مستشار رئيس الوزراء (عبد الله غل ثم أردوغان على التوالي). وفي العام 2009 تم تعيينه وزيراً للخارجية، حيث هندس السياسة الخارجية لبلده تحت عنوان «تصفير المشكلات مع دول الجوار» والاعتماد على قوة تركيا الناعمة، في الاقتصاد والثقافة، لتوسيع النفوذ. وكانت ثورات الربيع العربي في العام 2011 هي الاختبار الأهم لنظرياته ولسياسة تركيا الخارجية التي كان صانعها. وحين تم انتخاب أردوغان رئيساً للجمهورية، في العام 2014، سارع إلى تعيين داوود أوغلو رئيساً للوزراء وزعيماً لحزب العدالة والتنمية، وكان هدف أردوغان من ذلك هو قطع الطريق على عبد الله غل للتخلص من منافسته بعدما انتهت ولاية الأخير الرئاسية. في العام 2015 تعرض داوود أوغلو لنكسة كبيرة حين فشل حزب العدالة والتنمية تحت قيادته في الانتخابات العامة (حزيران) في الحصول على الغالبية المطلوبة لتشكيل حكومة بمفرده. لكنه استعاد المبادرة حين فاز الحزب في انتخابات الإعادة في خريف العام نفسه بأغلبية مريحة. لكن حادث إسقاط الطائرة الروسية على خط الحدود بين سوريا وتركيا كان بمثابة القشة التي ستقضي على مستقبله السياسي في السلطة. ففي بضعة الأشهر التالية على ذلك الحادث شنت مجموعة «غامضة» سميت بمجموعة «بليكان» على الإنترنت حملة دؤوبة ضده إلى أن اضطر لتقديم استقالته في شهر أيار 2015. وكان من شأن تلك الحملة أن كشفت اللثام عن خلافات كثيرة بين أردوغان وداوود أوغلو.
بعد بضع سنوات من الصمت عاد الخوجا إلى الظهور من خلال تأسيس حزب محافظ جديد باسم حزب المستقبل، كان رهانه هو استقطاب قسم مهم من الجمهور الانتخابي لحزب العدالة والتنمية بسبب اتساع رقعة الاستياء الشعبي من السلطة، على خلفية الأزمة الاقتصادية وموضوع اللاجئين السوريين وغيرها. لكن النتائج كانت مخيبة للآمال، فاضطر للدخول في ائتلاف انتخابي مع حزب الشعب الجمهورية وأحزاب معارضة أخرى، فخاض الحزب الانتخابات العامة في 2023، ونال عدداً من المقاعد النيابية بفضل هذا الائتلاف. وقبل أسابيع أعلن عن حل حزبه السياسي (المستقبل) واعتزال العمل السياسي للتفرغ للعمل الفكري والثقافي.
يرى كثيرون في تركيا أن الرجل رجل فكر مهم لكنه سياسي ساذج أو فاشل. ربما كان قبوله بتولي رئاسة الوزراء وزعامة الحزب هو المحطة الأبرز في تحديد معدنه الإنساني والسياسي وكذا مصيره المحزن. فقد توهم أنه سيكون قادراً على بناء خطه المستقل عن أردوغان كرئيس وزراء ذي صلاحيات كبيرة. ففي ذلك التاريخ كان منصب رئاسة الوزراء هي المنصب السياسي الأول، في حين كانت رئاسة الجمهورية منصباً أقرب إلى البروتوكولي. لكن قبوله بالدخول في لعبة أردوغان للتخلص من عبد الله غل كان مؤشراً كافياً لنعرف من هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تركيا.
٭ كاتب سوري
    نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00