'التكتيك' في حضرة الاستراتيجية الأمريكية

د. محمد عياش
نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00
تستشعر الولايات المتحدة الأمريكية، جملة من المخاطر المحدقة، وبالتالي عليها تحديد الاستراتيجية المناسبة للوقوف بوجه الأخطار، والانتقال إلى مرحلة تعزيز الثقة بالثبات والهيمنة، مع الاعتقاد الجازم أن المسألة لن تكون سهلة على الإطلاق، بسبب سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها، التي أدت إلى تفاقم الأزمات وانفجارها بغض النظر عن شخصية الرئيس أو من يسكن البيت الأبيض.
تستند الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة، وفقاً لتوجهات الأمن القومي والدفاع إلى مجموعة من الثوابت والتحولات التي تضع المصلحة الوطنية الأمريكية في المقام الأول. إعطاء الأولوية القصوى لحماية الأراضي الأمريكية والمصالح الحيوية في النصف الغربي للكرة الأرضية ( مبدأ مونرو )، ردع الخصوم الكبار (روسيا – الصين) التركيز على ردع التحديات الكبرى وتحديداً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر القوة والتوازن العسكري بدلاً من التورط في حروب استنزاف مباشرة ومفتوحة، مطالبة الحلفاء والشركاء الإقليميين والدوليين بتحمل مسؤوليات أكبر في دفاعهم الذاتي وتخفيف العبء المالي والعسكري عن كاهل واشنطن ( أوروبا نموذجاً )، تعزيز القدرات الصناعية والعسكرية وتطوير الترسانة التكنولوجية والدفاعية ضمن نهضة صناعية محلية أوسع. مبدأ «السلام عبر القوة» والواقعية المرنة، الاعتماد على الردع العسكري القوي مع انتهاج واقعية سياسية مرنة، تميل إلى تقليل التدخلات العسكرية التقليدية المباشرة وإدارة الصراعات من خلال موازين القوى الاستراتيجية بدون تكتيك هي أبطأ طريق للنصر، والتكتيك بدون استراتيجية هو الصخب الذي يسبق الهزيمة. هذه المقولة الشهيرة للقائد العسكري الصيني «صن تزو» تلخص بدقة فلسفة بناء القوة العسكرية والسياسية، وتنعكس بشكل واضح على تطور الاستراتيجية الأمريكية عبر التاريخ. في العلوم العسكرية والسياسية. الاستراتيجية، هي الخطة طويلة المدى لتحقيق الأهداف الكبرى، بينما التكتيك، هو الخطوات والإجراءات اليومية والعملياتية لتنفيذ هذه الخطة. عندما نطبق مقولة «أبطأ طريق للانتصار» على الاستراتيجية الأمريكية، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية غالباً ما تتبنى استراتيجيات كبرى تعتمد على النفس الطويل، والاحتواء، واستنزاف الخصوم بطرق بطيئة لكنها حاسمة لا سيما إذا أعقبتها عمليات عسكرية واسعة (العراق).
تعتمد واشنطن مفهوم النفس الطويل، إذ لا تبحث الولايات المتحدة دائماً عن الحسم التكتيكي السريع، بل تفضل بناء طوق استراتيجي يخنق الخصم اقتصادياً
تاريخياً، تعتمد واشنطن مفهوم النفس الطويل، إذ لا تبحث الولايات المتحدة دائماً عن الحسم التكتيكي السريع، بل تفضل بناء طوق استراتيجي يخنق الخصم اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً على مدى عقود. هذا المسار يعد «أبطأ طريق للنصر» لأنه يتطلب صبراً هائلاً وموارد ضخمة، لكنه يضمن انهيار الخصم بالكامل في النهاية، (الحرب الباردة) ضد الاتحاد السوفيتي، لم تدخل أمريكا في مواجهة تكتيكية مباشرة (حرب شاملة). بدلاً من ذلك، صممت «استراتيجية الاحتواء» التي صاغها جورج فورست كينان كانَ ولسنوات عضواً في قسم الشؤون الخارجية للولايات المتحدة. وكمُخططٍ للسياسات الخارجية في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، ولقد اعتبر «مهندسَ» الحرب الباردة بدعوته لاحتواء الاتحاد السوفيتي. استغرق هذا الطريق البطيء نحو 45 عاماً، لكنه أدى إلى تفكك الاتحاد السوفيتي دون حرب عالمية ثالثة؛ تعتمد أيضاً؛ على تكتيكات العقوبات الاقتصادية وحصار سلاسل الإمداد (مثل ما تفعله حالياً مع الصين في مجال أشباه الموصلات، أو مع روسيا). هي استراتيجية بطيئة جداً، لا تظهر نتائجها في أيام، لكنها تقيد قدرة الخصم على التطور على المدى البعيد، تكمن خطورة الاعتماد على الاستراتيجية الكبرى وحدها في أن غياب التكتيكات المرنة والفعالة يجعل الطريق أكثر بطئاً وقد يتحول إلى استنزاف لأمريكا نفسها. (فيتنام وأفغانستان) في هذه الحروب، امتلكت أمريكا تفوقاً تكتيكياً ساحقاً (تكنولوجيا، سلاح جو، تدريب)، لكن غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة لطبيعة الأرض والسياسة المحلية جعل «الانتصار التكتيكي» مجرد صخب وتأخير لهزيمة استراتيجية أو انسحاب غير منظم.
تواجه الاستراتيجية الأمريكية تحدي الموازنة بين التخطيط بعيد المدى (مثل احتواء الصعود الصيني في المحيطين الهندي والهادئ) وبين التكتيكات السريعة والمباشرة (مثل استخدام الذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، والوكلاء). تدرك واشنطن أن الاستراتيجية هي البوصلة، وأن التكتيك هو المحرك؛ وإذا تحرك المحرك ببطء شديد بدون تكتيكات مرنة، فإن «أبطأ طريق للانتصار» قد يتحول إلى مستنقع للاستنزاف.
باعتمادها سياسة الخنق الاقتصادي على إيران، وإقناع الشركاء الأوروبيين للتخندق الاقتصادي، مع بقاء الخيار العسكري كأداة ردع محدودة كردة فعل لما يقوم به الحرس الثوري من تهديد طريق الملاحة في مضيق هرمز. تستقر الاستراتيجية على هذا الوضع البطيء ربما حتى انقضاء الانتخابات النصفية، وهي فترة كافية ووافية لمراقبة التأثيرات على الاقتصاد الإيراني؛ لكن مع الأخذ بعين الاعتبار تقلبات ترامب وفريقه المضطرب.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي
    نيسان ـ نشر في 2026/09/08 الساعة 00:00