مأزق القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط

إبراهيم نوار
نيسان ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 00:00
ذكرت في مقالي السابق، أن وجود القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة (سنتكوم) أصبح مجرد ترتيب انتقالي. وفي تقديري أن إنشاء تلك القيادة الذي جاء بعد سنوات قليلة من توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية وسقوط الحلف المركزي، كان في بدايته جزءا من خطة تجسد مفهوم الهيمنة الأمريكية على العالم. لكن مع انتهاء معظم التهديدات التي عاصرت إنشاء القيادة، وانتهاء القطبية الأحادية، يجري تطويرها حاليا لتصبح جسرا لنقل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط تدريجيا وعلى مهل إلى إسرائيل.
قد يظن البعض أن في هذا الاستنتاج تحميلا للأمور بأكثر مما تحتمل. لكن النظرة الواقعية إلى تطور دور القيادة المركزية، من خلال العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بدءا من قانون ضمان التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي QME، إلى قانون نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية إلى القيادة المركزية، بالترافق مع توقيع اتفاقيات إبراهام، إلى دمج إسرائيل في علاقات تعاون عسكري منتظم مع الدول العربية رسميا لأول مرة في التاريخ، وإقامة نظام دفاع جوي صاروخي مشترك، والترويج لإقامة حلف عسكري عربي – إسرائيلي بواسطة المجلس اليهودي العالمي واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ثم الدعوة إلى تطوير دور القيادة المركزية من مجرد منصة عسكرية إلى منظمة تلعب دورا سياسيا إقليميا، كلها تشير إلى أن نشاطها الحقيقي قد تجاوز المفهوم الأمريكي الأولي لكيفية الهيمنة على العالم، وتطور إلى جعلها مجرد جسر لنقل الهيمنة على الشرق الأوسط إلى إسرائيل.
وسأقدم بعض المؤشرات المترابطة التي تدل على طبيعة الدور الجديد للقيادة العسكرية المركزية الحقيقي والمأزق، الذي تعاني منه في الوقت الحاضر.
إسرائيل في نهاية الأمر لا تريد طرد الولايات المتحدة من المنطقة، بقدر ما تريد أن تجعل دورها خادما للرغبة في تحويل الشرق الأوسط إلى مركز للهيمنة الصهيونية. ولتحقيق خطة تحويل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط إلى دور خادم لإسرائيل فإن اللوبي الصهيوني يلعب دور المطرقة الثقيلة لطرق الحديد وهو ساخن في مؤسسات صنع التشريع والقرار التنفيذي في واشنطن، من أجل تحويل الطموحات الإسرائيلية إلى حقائق، كما حدث بالفعل في قرار نقل إسرائيل إلى مسؤولية منطقة القيادة العسكرية المركزية.
بعد الضربات الانتقامية الإيرانية لدول الخليج، راحت تبحث لنفسها عن منظومة دفاعية ذات مصداقية كافية، الأمر الذي يقوض الحلم الإسرائيلي في تسلم راية قيادة الدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط
ويعتبر بعض المحللين الأمريكيين مثل البروفيسور مارك لينش أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، أن دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد انتهى؛ وأن النظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 سقط مع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران. واستنتج لينش في مقال أخير له في مجلة «الشؤون الخارجية – Foreign Affairs» أن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إزاحة النظام في طهران، أثبت إفلاس عقود من العقوبات والعنف. ومع ذلك فإننا يجب أن نقبل فرضية أن نهاية الشرق الأوسط الأمريكي الذي قال به لينش، لا يعني نهاية دور أمريكا، وإنما يعني أن قيادة المنطقة على النهج والوسائل والسياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة في فترة هيمنتها على العالم، من خلال نظام أحادي القطبية، لم تعد تصلح، في الوقت الذي يواجه فيه هذا النظام تحديات بالغة وتحولات سريعة في العالم، نحو نظام متعدد الأقطاب ما يزال في طور التشكل. ويقول لينش، يجب على الولايات المتحدة السعي لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال الدبلوماسية والدفاع الجماعي، وليس من خلال الاحتواء العسكري. هذه التوصية تتناقض تناقضا بائنا مع الجزء الظاهر من الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية الحالية، استراتيجية الاحتواء، التي تبدو مضطربة ومتخبطة، وأكثر استجابة للمصالح الإسرائيلية «إسرائيل أولا»، حتى إن كان ذلك على حساب المصالح الأمريكية. وأعتقد أن هذا هو المحرك الأول للمأزق الذي تعاني منه القيادة العسكرية المركزية حاليا. إنه المحرك الأقوى من كل المحركات الأخرى، مثل نقص الأسلحة والذخائر، والفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران، والعجز عن إدراك طبيعة التحولات التي يمر بها النظام العالمي، واختلاف التهديدات الإقليمية عما كانت عليه عند تأسيس القيادة المركزية عام 1983.
عند تأسيس القيادة العسكرية المركزية كانت التهديدات الرئيسية المباشرة في الشرق الأوسط تتمثل في تداعيات حرب أفغانستان، ومزاعم التهديد النووي العراقي (حرب تحرير الكويت ثم حرب احتلال العراق)، والحرب على الإرهاب ( الحرب على القاعدة، والحرب على داعش). هذه التهديدات انتهت. انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، وستكمل انسحابها من العراق في نهاية الشهر الحالي، وتم رفع سوريا من قائمة الإرهاب، وعادت قائمة المصالح الأمريكية التي تحدد أهداف الأمن القومي في المنطقة إلى ترتيبها التقليدي: النفط والسلاح والممرات البحرية وإسرائيل، ومنع احتمالات تمدد نفوذ خصوم الولايات المتحدة (مثل روسيا والصين) في المنطقة. ولا تعتبر واشنطن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية تهديدا للأمن الإقليمي، كما لا ترى أن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية والصواريخ المتقدمة، يمثل تهديدا، بينما ترى أن امتلاك السعودية للتكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم محليا، وسعي إيران للتقدم في امتلاك التكنولوجيا النووية والصاروخية تهديدا للاستقرار الإقليمي. ويؤكد تخبط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين الحرب والدبلوماسية والمقاطعة، استحالة تحقيق انتصار عسكري أمريكي على إيران، وعجز الذراع العسكري الأمريكي في المنطقة عن القيام بدور استراتيجي حاسم في هذه الاستراتيجية، ما يضع دور القيادة العسكرية المركزية على المحك ويجعل استمرارها محل تساؤل.
وهنا يقفز اللوبي الصهيوني العالمي وحكومة إسرائيل الحالية إلى تمهيد طريق يؤدي إلى أن تصبح القيادة العسكرية المركزية الأمريكية أداة لتحقيق مصالح الأمن القومي الإسرائيلي على الصعيدين الإقليمي والمحلي، الأول بتركيز دورها في المواجهة مع إيران، والثاني بتحويل الجزء الأكبر من مجهودها العسكري الرئيسي إلى حماية إسرائيل (بواسطة نظام الدفاع الجوي الصاروخي) الذي ثبت أنه يعمل أساسا من أجل هذا الغرض أكثر من الإسهام في حماية الدول العربية الأعضاء، ويجري تسخير القيادة المركزية لخدمة استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بطريقتين متوازيتين؛ الأولى استخدام اللوبي الصهيوني في إصدار تشريعات يلتزم بها البنتاغون في تكثيف تزويد إسرائيل بالأسلحة، وتعميق الترابط التكنولوجي بين الصناعات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية؛ ما يساعد على تحويل إسرائيل من مشتر للأسلحة الأمريكية إلى شريك في الإنتاج، خصوصا في الحلقات التكنولوجية الأعلى داخل صناعات الطائرات والصواريخ وأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية. والطريقة الثانية هي رفع درجة التنسيق العسكري المباشر مع قيادات القيادة المركزية إلى مستوى يجعلها شريكا في تنفيذ السياسة العسكرية الإسرائيلية. وإذا أردنا تقديم دليل مادي على ذلك فإننا نجده حاضرا بصورة فجة في عدد الزيارات التي يقوم بها قادة القيادة المركزية لإسرائيل منذ تم ضمها إلى منطقة عمليات القيادة. على سبيل المثال فإن القائد الحالي الأدميرال براد كوبر، الذي تم تعيينه في 8 أغسطس الماضي، زار إسرائيل وعقد اجتماعات مع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير 9 مرات على الأقل حتى 2 سبتمبر الحالي (الزيارات المعلنة فقط)، في حين أنه خلال الفترة نفسها زار كلا من السعودية والأردن مرتين على الأقل. هذا يعني أنه كان يزور إسرائيل ويلتقي المسؤولين فيها مرة كل ثلاثة أيام! وخلال واحدة منها استمرت الزيارة عشرة أيام التقى فيها جنودا وضباطا إسرائيليين في مواقعهم الميدانية. وقد لاحظنا أن استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، جاء في كل مرة بناء على تقدير الموقف العسكري الذي ترسله القيادة المركزية إلى البنتاغون، يتضمن عنصرين الأول التلميح إلى أن الجانب الإيراني يستعد لشن هجمات، والثاني أن القوات الأمريكية يجب أن توجه ضربة استباقية دفاعا عن النفس على النمط العسكري الإسرائيلي. في هذه الزيارات أيضا يبالغ الجانب الإسرائيلي في تقدير احتياجاته من الأسلحة والذخائر للاستمرار في الحرب المتعددة الجبهات، وهو ما تعكسه تقارير القيادة العسكرية المركزية التي يتردد صداها في قاعات الكونغرس. وبالتالي فإن إسرائيل صنعت بمشاركة اللوبي الصهيوني الأمريكي والقيادة العسكرية المركزية نسقا من العلاقات تحولت بمقتضاه هذه القيادة إلى فرع لهيئة الأركان المشتركة الإسرائيلية، ينفذ سياساتها، ويخدم مصالحها على حساب الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. هذا الدور يغذي اهتزاز مصداقية الاستراتيجية الإقليمية وسياساتها العسكرية في الشرق الأوسط. وبعد الضربات الانتقامية الإيرانية لدول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، راحت تبحث لنفسها عن منظومة دفاعية ذات مصداقية كافية، الأمر الذي يقوض الحلم الإسرائيلي في تسلم راية قيادة الدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 00:00