أقصى اليمين في أوروبا وإسرائيل
نيسان ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 00:00
«زلزال»، «صدمة عظمى»، «كارثة سياسية»، تلك بعض الأوصاف التي تداولتها وسائل الإعلام الغربية في وصفها لفوز حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ولاية سكْسن-أنهالت (وهي كتابة أقرب إلى الأصل الألماني من سكسونيا أو ساكسونيا التابعتين للتسمية الإنكليزية). وبالرغم من أن استطلاعات الرأي كانت قد أكّدت على الفوز الأكيد للحزب المذكور قبل الاقتراع بأسابيع عديدة، جرى التعامل مع هذا الحدث وكأنه انقلاب هائل في أحوال العالم. والحقيقة أنه حدثٌ محدود الأهمية، مفاده أن إحدى جماعات أقصى اليمين الأوروبي، الذي بات حاكماً في عدد من الدول الأوروبية، منها إيطاليا، وينذر بأن يفوز بالحكم في بلدان أخرى، ومنها فرنسا في العام القادم، فازت في انتخابات ولاية ألمانية لا يزيد عدد سكانها عن المليونين ونيّف ولا يمثّلها في مجلس النواب الألماني سوى 16 نائباً من أصل 630.
طبعاً، لا يفوتنا أن سبب الضجة العظمى التي أثارها الحدث يكمن في أنه جرى في ألمانيا، مهد النازية التاريخي. بيد أن ذلك لا يُنقص من حجم المفارقة التي تظهر أمام أعيننا عندما نقارن بين ردّ فعل الإعلام الغربي على الحدث الألماني وتعامله مع عودة بنيامين نتنياهو، زعيم حزب أقصى اليمين الصهيوني التقليدي، إلى تولّي الحكم في نهاية عام 2022 بصحبة جماعتين جرى وصفهما في صحيفة «هآرتس» ذاتها بأنهما تتألفان من نازيين جدد. هذا وناهيك بالطبع من تعامل الإعلام الغربي مع الإبادة الجماعية التي نفّذتها الدولة الصهيونية في قطاع غزة إثر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أيدتها وبرّرتها معظم وسائله بحجة حق إسرائيل في «الدفاع عن النفس». والحال أن فوز حزب يميني متطرّف في ولاية ألمانية صغيرة حدثٌ ينبغي أن يصدم المراقبين أقل بكثير من تشكيل حكومة أكثر تطرفاً من الحزب المذكور بدرجات، وقيامها بخوض حرب إبادة على رأس دولة تدّعي التعويض عمّا لحق باليهود على يد النازيين.
وقد أسرعت عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول انعطاف المجتمع والدولة الإسرائيليين نحو اليمين الأقصى، وهو مسارٌ طويل الأمد بدأ مع فوز الليكود للمرة الأولى في انتخابات الكنيست في عام 1977 وتجلّى في أن بقي هذا الحزب محتفظاً بالحكم طوال معظم السنوات المنصرمة منذ تلك السنة، مع مشاركة جماعات أخرى من اليمين الصهيوني بما فيه أقصاه في الحكومة خلال تلك الفترة. والنتيجة هي أن المشهد السياسي الإسرائيلي برمّته انزلق يميناً بحيث أن ما كان يُحسب أنه يشكّل اليسار الصهيوني، أي حزب العمل، وهو الذي أشرف على تأسيس الدولة الصهيونية وعلى حكمها طوال العقود الثلاثة الأولى من عمرها، تقلّص إلى حجم حزب ثانوي تحت تسمية جديدة («الديمقراطيون»)، لا يحوز سوى على أربعة من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
إن المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات، إنما هي مراهنة محكومة بالفشل
أما الرجلان اللذان ينظر إليهما الإعلام على أنهما منافسا نتنياهو الأكثر حظاً في الانتخابات المزمع إجراؤها في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول القادم، فيكادان لا يختلفان عنه في موقفهما من القضية الفلسطينية والسياسة الإقليمية. أحدهما، نفتالي بينيت، يميني متطرّف هو الآخر، كان عضواً في الليكود قبل أن ينشق عنه إلى يمينه على أساس «الصهيونية الدينية». والآخر، غادي أيزنكوت، أحد أبرز جنرالات الجيش الصهيوني الذين شاركوا في كافة الحروب الإجرامية التي خاضتها دولتهم، ومنها الحروب على لبنان وعلى غزة مروراً بقمع الانتفاضتين في الأراضي المحتلة سنة 1967. وقد ارتبط اسم أيزنكوت بما يُعرف بتسمية «استراتيجية الضاحية»، أي تعمُّد تدمير البيئة المدنية التي تشكّل حاضنة العدوّ الشعبية، وهي جريمة حرب بامتياز أشرف أيزنكوت على تطبيقها في عدوان عام 2006 على لبنان، سعياً وراء تدمير «حزب الله»، وقد مهّدت لحرب الإبادة والتدمير الشامل في غزة التي شارك هو بالذات في الإشراف عليها خلال أشهرها الأولى.
وإذا كان يصعب على منافسي نتنياهو أن يزايدوا عليه في الشأن الفلسطيني، ألّلهمّ سوى في شجب الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها أكثر المستوطنين تطرّفاً في الضفة الغربية (وقد اضطرّ نتنياهو نفسه لشجبها قبل أيام)، فإنهم يزايدون عليه بلا حرج في الشأنين الإيراني واللبناني. فحتى يائير لبيد، الذي يُنظر إليه عادةً كوجه «الاعتدال» و«الوسطية» في السياسة الإسرائيلية، طالب بتدمير كامل البنية التحتية النفطية والكهربائية في إيران خلال العدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي الذي بدأ قبل أشهر. هذا ولا يؤيد أي من منافسي نتنياهو انسحاب الجيش الصهيوني من غزة، ناهيك من أن لا أحد منهم يدين استمرار الإبادة في القطاع، كما لا يؤيد أي منهم قيام «دولة فلسطينية» ولو على جزء من أراضي 1967.
ولا يتوقف الانزلاق اليميني في المجتمع الإسرائيلي على الأحزاب اليهودية، بل طال أيضاً حزباً عربياً هو جماعة «القائمة الموحدة» المنحدرة من «الحركة الإسلامية في إسرائيل» والتي يتزعمّها منصور عبّاس. فبعد انشقاقها في مطلع عام 2021 عن «القائمة المشتركة» التي ضمّت سائر الأحزاب العربية، شاركت جماعة عبّاس في الحكومة الصهيونية التي ترأسها نفتالي بينيت في ذلك العام وحتى نهاية العام التالي، حين عاد نتنياهو إلى تولّي الحكم. وتفتخر جماعة عبّاس هذا العام بأنها أدرجت في «القائمة الموحدة» في المرتبة الثانية بعد عبّاس، ضابطاً سابقاً في الشرطة الإسرائيلية وعضواً سابقاً في حزب يائير لبيد، اسمه يوآف سيغالوفيتش.
فبعد سابقة انضمام حزب عربي إلى حكومة صهيونية، ها أن جماعة عبّاس تتميّز بإنجاز سابقة ثانية، هي إدراج مرشّح صهيوني في قائمة عربية. وإذا كان بإمكاننا تفهّم إحجام الأحزاب العربية المناهضة للصهيونية والمنضوية في إطار «القائمة المشتركة»، إحجامها عن استخدام لغة التخوين تفادياً لتعميق الشرخ في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي 1948، تبقى الحقيقة الجليّة للعيان أن جماعة عبّاس خانت وتخون المناهضة الفلسطينية والعربية للصهيونية، وذلك في وقت يشهد شطط هذه الأخيرة نحو اليمين الأقصى. فإن المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات بين الأحزاب الصهيونية بدل السعي لتشجيع انسلاخ أكبر عدد ممكن من اليهود الإسرائيليين عن الصهيونية، إنما هي مراهنة محكومة بالفشل، وقد جرى تجريبها ولم تفلح قط في الحؤول دون انزلاق المجتمع الصهيوني إلى أقصى اليمين.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان
طبعاً، لا يفوتنا أن سبب الضجة العظمى التي أثارها الحدث يكمن في أنه جرى في ألمانيا، مهد النازية التاريخي. بيد أن ذلك لا يُنقص من حجم المفارقة التي تظهر أمام أعيننا عندما نقارن بين ردّ فعل الإعلام الغربي على الحدث الألماني وتعامله مع عودة بنيامين نتنياهو، زعيم حزب أقصى اليمين الصهيوني التقليدي، إلى تولّي الحكم في نهاية عام 2022 بصحبة جماعتين جرى وصفهما في صحيفة «هآرتس» ذاتها بأنهما تتألفان من نازيين جدد. هذا وناهيك بالطبع من تعامل الإعلام الغربي مع الإبادة الجماعية التي نفّذتها الدولة الصهيونية في قطاع غزة إثر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أيدتها وبرّرتها معظم وسائله بحجة حق إسرائيل في «الدفاع عن النفس». والحال أن فوز حزب يميني متطرّف في ولاية ألمانية صغيرة حدثٌ ينبغي أن يصدم المراقبين أقل بكثير من تشكيل حكومة أكثر تطرفاً من الحزب المذكور بدرجات، وقيامها بخوض حرب إبادة على رأس دولة تدّعي التعويض عمّا لحق باليهود على يد النازيين.
وقد أسرعت عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول انعطاف المجتمع والدولة الإسرائيليين نحو اليمين الأقصى، وهو مسارٌ طويل الأمد بدأ مع فوز الليكود للمرة الأولى في انتخابات الكنيست في عام 1977 وتجلّى في أن بقي هذا الحزب محتفظاً بالحكم طوال معظم السنوات المنصرمة منذ تلك السنة، مع مشاركة جماعات أخرى من اليمين الصهيوني بما فيه أقصاه في الحكومة خلال تلك الفترة. والنتيجة هي أن المشهد السياسي الإسرائيلي برمّته انزلق يميناً بحيث أن ما كان يُحسب أنه يشكّل اليسار الصهيوني، أي حزب العمل، وهو الذي أشرف على تأسيس الدولة الصهيونية وعلى حكمها طوال العقود الثلاثة الأولى من عمرها، تقلّص إلى حجم حزب ثانوي تحت تسمية جديدة («الديمقراطيون»)، لا يحوز سوى على أربعة من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
إن المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات، إنما هي مراهنة محكومة بالفشل
أما الرجلان اللذان ينظر إليهما الإعلام على أنهما منافسا نتنياهو الأكثر حظاً في الانتخابات المزمع إجراؤها في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول القادم، فيكادان لا يختلفان عنه في موقفهما من القضية الفلسطينية والسياسة الإقليمية. أحدهما، نفتالي بينيت، يميني متطرّف هو الآخر، كان عضواً في الليكود قبل أن ينشق عنه إلى يمينه على أساس «الصهيونية الدينية». والآخر، غادي أيزنكوت، أحد أبرز جنرالات الجيش الصهيوني الذين شاركوا في كافة الحروب الإجرامية التي خاضتها دولتهم، ومنها الحروب على لبنان وعلى غزة مروراً بقمع الانتفاضتين في الأراضي المحتلة سنة 1967. وقد ارتبط اسم أيزنكوت بما يُعرف بتسمية «استراتيجية الضاحية»، أي تعمُّد تدمير البيئة المدنية التي تشكّل حاضنة العدوّ الشعبية، وهي جريمة حرب بامتياز أشرف أيزنكوت على تطبيقها في عدوان عام 2006 على لبنان، سعياً وراء تدمير «حزب الله»، وقد مهّدت لحرب الإبادة والتدمير الشامل في غزة التي شارك هو بالذات في الإشراف عليها خلال أشهرها الأولى.
وإذا كان يصعب على منافسي نتنياهو أن يزايدوا عليه في الشأن الفلسطيني، ألّلهمّ سوى في شجب الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها أكثر المستوطنين تطرّفاً في الضفة الغربية (وقد اضطرّ نتنياهو نفسه لشجبها قبل أيام)، فإنهم يزايدون عليه بلا حرج في الشأنين الإيراني واللبناني. فحتى يائير لبيد، الذي يُنظر إليه عادةً كوجه «الاعتدال» و«الوسطية» في السياسة الإسرائيلية، طالب بتدمير كامل البنية التحتية النفطية والكهربائية في إيران خلال العدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي الذي بدأ قبل أشهر. هذا ولا يؤيد أي من منافسي نتنياهو انسحاب الجيش الصهيوني من غزة، ناهيك من أن لا أحد منهم يدين استمرار الإبادة في القطاع، كما لا يؤيد أي منهم قيام «دولة فلسطينية» ولو على جزء من أراضي 1967.
ولا يتوقف الانزلاق اليميني في المجتمع الإسرائيلي على الأحزاب اليهودية، بل طال أيضاً حزباً عربياً هو جماعة «القائمة الموحدة» المنحدرة من «الحركة الإسلامية في إسرائيل» والتي يتزعمّها منصور عبّاس. فبعد انشقاقها في مطلع عام 2021 عن «القائمة المشتركة» التي ضمّت سائر الأحزاب العربية، شاركت جماعة عبّاس في الحكومة الصهيونية التي ترأسها نفتالي بينيت في ذلك العام وحتى نهاية العام التالي، حين عاد نتنياهو إلى تولّي الحكم. وتفتخر جماعة عبّاس هذا العام بأنها أدرجت في «القائمة الموحدة» في المرتبة الثانية بعد عبّاس، ضابطاً سابقاً في الشرطة الإسرائيلية وعضواً سابقاً في حزب يائير لبيد، اسمه يوآف سيغالوفيتش.
فبعد سابقة انضمام حزب عربي إلى حكومة صهيونية، ها أن جماعة عبّاس تتميّز بإنجاز سابقة ثانية، هي إدراج مرشّح صهيوني في قائمة عربية. وإذا كان بإمكاننا تفهّم إحجام الأحزاب العربية المناهضة للصهيونية والمنضوية في إطار «القائمة المشتركة»، إحجامها عن استخدام لغة التخوين تفادياً لتعميق الشرخ في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي 1948، تبقى الحقيقة الجليّة للعيان أن جماعة عبّاس خانت وتخون المناهضة الفلسطينية والعربية للصهيونية، وذلك في وقت يشهد شطط هذه الأخيرة نحو اليمين الأقصى. فإن المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات بين الأحزاب الصهيونية بدل السعي لتشجيع انسلاخ أكبر عدد ممكن من اليهود الإسرائيليين عن الصهيونية، إنما هي مراهنة محكومة بالفشل، وقد جرى تجريبها ولم تفلح قط في الحؤول دون انزلاق المجتمع الصهيوني إلى أقصى اليمين.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان
نيسان ـ نشر في 2026/09/09 الساعة 00:00