ترمب يزداد ثراء.. فهل يعد ذلك جريمة؟

نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
في مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز ضمن برنامج "أوقات مثيرة للاهتمام"، ناقش الكاتب كريستوفر كالدويل مع أستاذ القانون بجامعة هارفارد جاك غولدسميث الطريقة التي تتزايد بها ثروة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال ولايته الثانية، وما إذا كانت مصادر هذه الثروة تثير مشكلات قانونية ودستورية وأخلاقية، بل وهل الولايات المتحدة تتحرك نحو نموذج يمكن وصفه بـ"حكم اللصوص".
وينطلق المقال من حقيقة أن ترمب حقق خلال العام الماضي أكثر من ملياري دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير راتبه الرئاسي البالغ 400 ألف دولار، ويرى غولدسميث أن الحالة استثنائية في التاريخ الأمريكي، لأن الرؤساء الأثرياء سابقا كانوا يفصلون عادة بين مصالحهم المالية وممارسة السلطة.
أما ترمب، فيحتفظ بشبكة واسعة ومتشابكة من الشركات والأعمال داخل الولايات المتحدة وخارجها، مما يجعل الفصل بين القرار السياسي والمصلحة المالية أكثر صعوبة.
ويبرز قطاع العملات المشفرة باعتباره المصدر الجديد والأكثر إثارة للجدل في ثروة ترمب، ويشير الحوار إلى أن إفصاح ترمب لعام 2025 أظهر نحو 1.4 مليار دولار مرتبطة بالعملات المشفرة، مع استثمارات ضخمة من جهات مرتبطة بدول أجنبية.
خطر تسليح الحكومة
وهنا تكمن المشكلة الأساسية -بحسب غولدسميث- ليس لمجرد أن الرئيس يحقق أرباحا، بل لأن أموالا قادمة من جهات أجنبية يمكن أن تتزامن مع قرارات سياسية وأمنية تتعلق بالدول نفسها.
ويؤكد غولدسميث أن إثبات وجود رشوة مباشرة أو صفقة "مقابل خدمة" ليس أمرا متاحا بسهولة، لكنه يرى أن حجم التعاملات وتشابكها يبرران القلق والتحقيق.
ويستند النقاش إلى بند المخصصات الأجنبية في الدستور الأمريكي، الذي يمنع المسؤولين الفدراليين من تلقي منافع مالية من دول أجنبية دون موافقة الكونغرس، غير أن الإشكال القانوني يتمثل في السؤال: هل الأموال التي تحصل عليها شركات خاصة مرتبطة بالرئيس تدخل بالفعل ضمن تعريف "المخصصات" الدستورية.
لكن المقال لا يكتفي بقضية ثروة ترمب، بل يضعها ضمن مشكلة أوسع تتعلق بتسييس مؤسسات الدولة واستخدام السلطة التنفيذية ضد الخصوم، إذ يميز غولدسميث، الذي عمل سابقا في وزارة العدل، بين "حكم اللصوص" وبين ما يسميه "تسليح الحكومة".
وهو يرى أن إدارة ترمب استخدمت أدوات السلطة التنفيذية لمساعدة الأصدقاء ومعاقبة الخصوم، وأن هذا الأمر قد يترك آثارا مؤسسية أعمق من قضية تضارب المصالح نفسها.
وفي المقابل، يعترف غولدسميث بأن لدى الجمهوريين أسبابا حقيقية للشكوى من "تسليح الحكومة" قبل وصول ترمب إلى السلطة، مشيرا إلى التحقيقات والملاحقات القضائية التي استهدفت ترمب، وبعضها كان ذا طبيعة سياسية شديدة الحساسية.
لكنه يرى أن ذلك لا يبرر ما تقوم به إدارة ترمب حاليا، بل يخشى من الدخول في حلقة انتقام متبادل، بحيث يستخدم كل حزب أدوات الحكومة لتدمير البنية السياسية والمؤسساتية للحزب المنافس، وهذا -في رأيه- يشكل خطرا طويل الأمد على دولة القانون.
العفو الرئاسي الذاتي
ومن القضايا الأخرى التي يناقشها المقال إمكانية العفو الرئاسي الذاتي، ويقر غولدسميث بأن الدستور لا يقدم إجابة واضحة بشأن قدرة الرئيس على إصدار عفو عن نفسه، لكنه يقلل من أهمية المسألة مقارنة بمشكلة أخرى أكثر إلحاحا، وهي أن سلوك ترمب المالي المثير للجدل ليس من الواضح أصلا أنه يشكل جريمة جنائية يمكن أن تستوجب عفوا رئاسيا.
كما يتناول الحوار مفارقة سياسية مهمة: وهي أن ترمب وصل إلى السلطة جزئيا بوعده "بتجفيف المستنقع" ومحاربة الفساد والنخبة البيروقراطية، ويرى غولدسميث أن إدارة ترمب حققت بالفعل نجاحا في تفكيك جزء من نفوذ الموظفين الدائمين في الحكومة، خصوصا في وزارة العدل، وهو أمر يراه المحافظون تصحيحا لاختلال سياسي قديم.
وفي الجانب التاريخي، يشير غولدسميث إلى أن الولايات المتحدة كانت محظوظة نسبيا في تعامل رؤسائها مع المال، رغم فضائح مثل فضيحة "تيبوت" (Teapot Dome) في عهد وارن هاردينغ، وبعد فضيحة ووترغيت في السبعينيات، إذ لم يكتف الكونغرس بسن قوانين للرقابة، بل نشأت أيضا أعراف سياسية وأخلاقية التزم بها الرؤساء لعقود.
ويرى غولدسميث أن ترمب نجح في ولايته الثانية في إضعاف هذه الأعراف بدرجة غير مسبوقة، بعدما أدرك أن المؤسسات لم تعاقبه بصورة فعالة خلال ولايته الأولى.
إعادة بناء القواعد القانونية
وينتهي المقال إلى أن الحل لا يكمن فقط في انتظار رئيس أكثر التزاما بالأعراف، بل في إعادة بناء القواعد القانونية نفسها، ويقترح أن يستخدم الكونغرس سلطته لتحديد مفهوم "المنافع الأجنبية" بصورة أوضح، وإنشاء آليات تسمح بمقاضاة المسؤولين عند خرقها، وتشديد القواعد المتعلقة بالمصالح المالية للرئيس.
لكن الرسالة السياسية الأبرز في نهاية الحوار هي أن المشكلة في نهاية المطاف ديمقراطية وليست قانونية فقط، وبالتالي فإن الأمريكيين هم الذين سيقررون في انتخابات التجديد النصفي وفي انتخابات 2028 ما إذا كانوا يقبلون هذا النموذج من العلاقة بين السلطة والمال.
أما الخطر الأكبر -في رأي غولدسميث- فهو أن يتحول استخدام الحكومة ضد الخصوم إلى قاعدة يتبناها الحزبان، فتدخل الولايات المتحدة في دوامة من الانتقام السياسي المتبادل يصعب الخروج منها.
وفي النهاية لا يقدم الحوار دليلا قاطعا على أن ترمب ارتكب جريمة رشوة أو خرقا دستوريا محددا، لكنه يطرح أسئلة ثقيلة حول تضارب المصالح، والأموال الأجنبية، والعملات المشفرة، واستخدام السلطة التنفيذية، وتآكل الأعراف السياسية التي كانت تضبط سلوك الرؤساء.
ويرى غولدسميث أن خصوصية ترمب تكمن في الجمع بين الثروة التجارية الهائلة، والسلطة الرئاسية، والشبكات المالية العالمية، وأن استمرار هذا النموذج قد يجعل إعادة بناء الثقة في المؤسسات الأمريكية أكثر صعوبة من مجرد تغيير الرئيس.
المصدر: نيويورك تايمز - الجزيرة
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00