25 سنة على 11/9: أكذوبة 'الحرب على الإرهاب'

صبحي حديدي
نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
ليست عجيبة، ولا مفارقة، أو حتى أحدوثة مضحكة مبكية، أن تأخذ واحدة من استئنافات أمريكا الرسمية للذكرى الـ25 لهجمات 11/9 الإرهابية هذه الوجهة الثنائية: 1) ساسة جمهوريون، أعضاء في الكونغرس، يعيبون على عمدة نيويورك زهران ممداني عزمه المشاركة في إحياء المناسبة، بالنظر إلى منبته المسلم الذي يتوجب في نظرهم أن يحظر حضوره؛ و2) الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطلق كذبة فاقعة، فاضحة الفبركة، حول سلوكه «البطولي» بعد اختراق البرجين في نيويورك، وأنه قاد فريق ترميم تحت مبنى آيل للسقوط.
وليت معظم الاستئنافات اتخذت هذه السمة العنصرية/ التلفيقية، وإلا لهانت المصائب على شعوب العالم والمعمورة بأسرها جراء انخراط البيت الأبيض في اختراع أكذوبة «الحرب على الإرهاب»، وتطبيقها عسكرياً وأمنياً ودبلوماسياً ابتداء من أفغانستان والعراق ومواقع أخرى؛ بقيادة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، وفريقه رهط المحافظين الجدد أمثال ديك شيني ودونالد رمسفيلد وبول ولفوفيتز وريشارد بيرل وإليوت أبرامز…
يوم 11/9 شهد العملية الإرهابية الأشهر كونياً في التاريخ الحديث (بعد الهجمة النووية الأمريكية على هيروشيما وناغازاكي، بالطبع)؛ ولم ينقضِ وقت طويل قبلا أن تُكرّس في الولايات المتحدة تلك «الحكمة» المختصرة المختزلة المبتسرة: أنّ «القاعدة» هي البؤرة القصوى للتهديد الإرهابي، وهكذا سوف تبقى في الرطانة الرسمية، والشعبوية أيضاً، حتى بعد اغتيال أسامة بن لادن، أواسط 2011؛ ثمّ جاءت «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أو «داعش» في التسمية الأشهر، لتُبعد «القاعدة» عن الأضواء وعناوين الصحف الكبرى.
ولقد شهد العالم سلسلة من الظواهر المترابطة ذات الصلة بأكذوبة «الحرب على الإرهاب» وممارسات الإرهاب الفعلي، فتنوّعت القوى والمواقع والأنماط، من جهة؛ وتقهقرت، أو حتى انحسرت، بعض الأنماط الأخرى، وبلغت درجة المحاق أحياناً، من جهة ثانية. ومع ذلك فقد تبقى، في الحالتين، طراز عجيب من تكامل الأخطار، خاصة حين تصبح عابرة للحدود، استوى فيها الغرب مع الشرق، وانقلبت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت إلى أسلحة ذوات حدود متعددة التأثير، أبسطها انقلاب السحر على الساحر.
وإذا كانت عشرات الدول، وبينها حفنة مصنّفة في خانة «العظمى»، قد انكبت على قصف «داعش» في العراق وسوريا، على امتداد أشهر، دون كبير جدوى؛ فإنّ خلايا الإرهاب النائمة في الغرب أمكن إيقاظها مراراً وتكراراً، في أمكنة شتى، ومن حيث لا تحتسب أجهزة مكافحة الإرهاب. كان صحيحاً، أيضاً، أن طراز هجمات 11/9 قد انطوى، أو لعله طُوي عملياً وتقنياً؛ إلا أنّ الصحيح الموازي ظلّ يفيد باحتمال سقوط «أبراج» أخرى عديدة، قد لا تتشابه مع برجَيْ التجارة في شيء، ما خلا الرمز والتأثير الكوني الهائل!
وكان توم إنغلهارت واحداً من مراقبين أمريكيين كثر استخلصوا أنّ مسمى «الحرب على الإرهاب» قد أنجز كلّ ما حلم أسامة بن لادن بإنجازه: سنوات متعاقبة «من الحروب، والتدخلات، والاغتيالات، والتعذيب، والخطف، والمواقع السوداء، ونموّ دولة الأمن القومي الأمريكي بمعدّلات هائلة، وانتشار التشدد الإسلامي عبر معظم الشرق الأوسط الكبير وأفريقيا». ثمّ السنوات ذاتها وقد تضخم فيها «الإنفاق الخرافي، وحملات القصف الجوي، والسياسة الخارجية التي تمنح الأولوية للخيار العسكري وتنتهي إلى إخفاقات متكررة، وخيبات أو كوارث»؛ عدا عن «ثقافة الخوف في أمريكا، والإنذارات والتحذيرات بلا نهاية، فضلاً عن ندرة التنبؤ الصحيح بالهجمات الإرهابية، و»دفن الديمقراطية الأمريكية (أو، بالأحرى، إعادة إنتاجها كملعب للمليارديرات ومصدر للفرجة والتسلية، ولكن ليس الحكم)»…
لائحة إنغلهارت سوف تطول وتطول، فتشمل صعود عقيدة الأمن، وفرض السرّية على الوثائق، وتشديد العقاب بحقّ منتهكي الأسرار، وإبقاء الأمريكي في العتمة بذريعة حمايته، وتحويل جمع المعلومات العسكرية إلى مشاريع ربح مالي، وتضخّم عمالة البنتاغون والمخابرات المركزية وأجهزة الأمن القومي الأخرى، وخروج أخلاقيات الرقابة على الناس (من بعض زعماء الدول الكبرى الحليفة، إلى بعض أصغر زعماء العشائر في أقاصي المعمورة!) عن كلّ معيار مقبول. باختصار: سنوات من انقلاب اللامعقول واللامحتمَل، إلى معقول ومحتمَل؛ رغم أنّ إنغلهارت لا يشير إلى ذروة المآل: أنّ الحصيلة لا تنتهي ضدّ تعاظم الإرهاب الكوني، بل تصبّ الزيوت على نيرانه المتأججة، فيتخلّق تنظيم «داعش» من باطن الحرب على «القاعدة»، فلا الأخيرة انقرضت تماماً، ولا الأولى حُوربت في الحاضنة والمهد!
أكذوبة «الحرب على الإرهاب» كانت واحدة، فقط، من سلسلة صناديق سوداء مغلقة تكتنف 9/11، ومعظمها سوف يظلّ مغلقاً على غالبية حقائقه الكبرى
تصحّ، كذلك، إضافة سلسلة الإخفاقات الفاضحة التي انتهت إليها تلك المذكّرة الشهيرة التي قدّمها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رمسفيلد إلى الرئيس بوش الابن، وكتبها دوغلاس فايث، كبير ستراتيجيي البنتاغون آنذاك، وأحد اشرس المحافظين. الخاتمة جاءت هكذا: «إذا لم تنجح الحرب [على ما يُسمّى «الإرهاب»] في إدخال تغيير جوهري على خريطة العالم السياسية، فإنّ الولايات المتحدة لن تكون قد حققت هدفها». وبالطبع، ينبغي أن نتذكّر ذلك الهدف، كما حدّده فايث لرؤسائه: «تحويل الشرق الأوسط وعالم الإسلام الأعرض بشكل عامّ». هذا الملفّ هو الأكثر اكتظاظاً بالأكاذيب، أو الحقائق الدامغة المضادة في القطب الموازي للأضاليل: من طهران إلى بغداد، ومن دمشق إلى بيروت، ومن رام الله إلى غزّة…
واليوم، في الذكرى الـ25، لا يلوح أنّ أحداً ممّن استطابوا تأثيم المسلمين يوم 11/9/2001 قد تعلّم أيّ درس مغاير، طوال ربع قرن حافل بالتحولات الكبرى. تتصاعد، ما تزال، أصوات تأثيم المسلمين كافة (والعرب على رأسهم بالطبع)؛ وتتجاوز خطاب المستشرق والأكاديمي والأنثروبولوجي في الكتب والجامعات، فيردّدها الجنرالات والساسة والمعلّقون، وتجري على ألسنة البشر في الشوارع. وما تزال المخيّلة السياسية الأمريكية الجَمْعية، وجناحها الليبرالي خاصة، شديدة الولع بالوصف وليس بالوصفة، وبتشخيص واقعة الشرّ المنفردة وليس الواقع الشرير العريض، وباللجوء إلى استثناء القاعدة وليس الاعتراف بوجود استثناء على هيئة قاعدة ثانية.
وهذه، في الواقع، مخيّلة أخرى غير تلك القاصرة التي اتكأت عليها هيئة التحقيق في ما جرى يوم 11/9، لأنها واسعة فضفاضة متحررة من كلّ عقال؛ ترفض الإقرار بانزلاق أحفاد الحلم الأمريكي نحو أكثر أشكال الأصولية قتامة وجهالة وعنفاً، وتأبى الإنصات إلى الهدير الصاخب في فضاءات أمريكا ما وراء المحيط، وتعفّ عن إلصاق الأذن بالأرض لكي تتحقّق من شدة الارتجاج الآتي…
ذلك لأنّ الأسهل على رجالات تلك المخيّلة، ولم يكن أمثال بوش الابن وشيني ورمسفيلد وبيرل هم وحدهم كبار ممثّليها، توجيه إصبع الاتهام إلى تشكيلة أعداء تضمّ بن لادن و»القاعدة» و»الإرهاب الدولي»، ثم… «الخطر الأخضر» الإسلامي الذي حلّ محلّ «الخطر الأحمر» الشيوعي. وكلّ هذا على نحو يريح المتخيّلين ويجعلهم يستريحون إلى خيارات الردّ والثأر والبرهنة على عظمة الولايات المتحدة، إذ كان سهلاً تماماً إعلان الحرب (لا يهمّ على مَن، بالملموس)؛ بعد الاتفاق، الأقرب إلى الهستيريا الجَمْعية، على أنّ ما تعرّضت له الولايات المتحدة ذلك اليوم ليس سوى الحرب، والحرب وحدها.
ومع ذلك فقد توفرت ضمائر أمريكية أخرى جهدت لدحض الرواية الرسمية، ليس تطويراً لنظرية المؤامرة، بل تأسيساً لنظرية عالية المصداقية حول لجوء السلطات الأمريكية إلى طمس عشرات الحقائق الدامغة: عن سابق عمد وتصميم، وتفادياً للحساب والمسؤولية؛ ولتمرير أجندات أمنية وعسكرية وسياسية مغامرة.
أكذوبة «الحرب على الإرهاب» كانت واحدة، فقط، من سلسلة صناديق سوداء مغلقة تكتنف 9/11، ومعظمها سوف يظلّ مغلقاً على غالبية حقائقه الكبرى، حتى أمد طويل… أو يطول !
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00