أطفال الطائرة الورقية

رامي أبو شهاب
نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
ثمة رواية للكاتب الأفغاني الأمريكي خالد حسيني بعنوان «عدّاء الطائرة الورقية»، وفيها يصور هذا الكاتب الذي ينتمي إلى بلد غالباً ما يُؤطَّر في الذاكرة، والوعي الجمعي بوصفه عالماً مظلماً، ومقصيّاً. وعلى الرغم من ذلك، فإن خالد حسيني استطاع أن يكتب روايةً لاقت انتشاراً عالمياً كبيراً؛ من منطلق أن روايته اعتمدت على دلالة الطائرة الورقية التي احتملت ثقل التعبير عن مجتمع غالباً ما يواجه بسوء الفهم. ولعل هذا ما يستدعي منا، من ناحية أخرى، أن نتساءل عن وجود رواية عربية بهذا النسق من الشهرة، على الرغم من أن المنطقة العربية ترزح تحت وطأة الكثير من الألم والمعاناة، التي تمتد منذ عقود، ومع ذلك، فلا تكاد رواية عربية تبلغ هذا القدر من الانتشار العالمي الجارف، ولكن المقام لا يتصل بهذه المعضلة، بقدر ما يتصل حقيقةً بما ذكرته بعض وسائل الإعلام، في صورة أقرب إلى المفارقة، إذ تحدثت عن قصف كيان الاحتلال مطلقي الطائرات الورقية من أطفال غزة، الذين يلهون بها فوق ركام بيوتهم، أو من على أبواب خيامهم، التي لا تصمد طويلاً أمام الريح والأمطار والشمس والحرارة.
إن المطلع على تلك التقارير الإخبارية سوف يشعر- بصورة أو بأخرى- بمدى بؤس هذا العالم، حيث دولة عظمى تساند هذا الكيان الذي ينظر إلى هذه الطائرات الورقية بوصفها أخطاراً تهدد الأمن القومي، فيكون الرد بضربات جوية تقتل أطفالاً أمام عالم عاجز تماماً عن إيقاف الجريمة، غير أن المفارقة تتمثل في الطائرة الورقية، التي باتت خارج تكوينها الطبيعي في عالم غير طبيعي، ما يدعوني في هذا السياق استدعاء رواية الفرنسي رومان غاري، بعنوان «الطائرات الورقية» التي ظهرت في الرواية، بوصفها إشارة أو علامة على الحرية والأمل، ولا سيما أثناء الاحتلال النازي لفرنسا، وبذلك تنشأ مفارقة أخرى لا تخلو من دلالة، كون هذا الشيء البسيط، أمسى في الرواية تعبيراً عن توق للحرية، والأمل، والفرح، غير أنه في غزة أمسى حدثاً، أو موضوعاً للريبة والملاحقة، ولنكن أكثر وضوحاً القتل.
لا تكمن المشكلة في الطائرة الورقية عينها، إنما في الطفل الذي يمسك بخيطها، وفي المكان الذي ترتفع منه، وفي المعنى الذي يمكن أن تستعيده السماء حين يصر إنسان محاصر على أن يرسل إليها شيئاً ينتمي إلى الحياة، أو أن يسعى إلى استنهاض فرح طفولي، أو شيئاً من الحرية لطفل محاصر في خيمة، وفي قطاع صغير، من دون مدرسة، أو ألعاب، أو مستقبل في الأفق.
وإذا كانت النازية تمثل أحد أكبر المعايير التاريخية للعنصرية والجريمة، وسائر تلك المفردات التي كمنت في الذاكرة البشرية، وأدانها العالم، فإن السنوات الأخيرة شهدت في غزة ما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى وصفه بالإبادة الجماعية، في حين لم تصدر محكمة العدل الدولية حتى الآن حكماً نهائياً في موضوع الدعوى، ما يعني نوعاً من ممارسة الصمت على الجريمة. إن العالم يكاد يمضي متجاوزاً هذه الكارثة، كما اعتاد أن يتجاوز ملايين الضحايا من البشر الذين قتلوا على أيدي إخوتهم من البشر، في انتهاك بيّن، وصارخ لادعاءات الإنسان بوصفه جنساً يتفوق على سائر الكائنات بداعي الحضارة، والقانون.
قد يقترب الأمر من السخرية السوداء حين يُحرم أطفال غزة من صنع طائرة ورقية يرونها، وهي تطير في سماء غزة التي أثقلتها أعمدة الدخان، فهذا الكيان يسعى إلى سلب أهل غزة من كل الأشياء البسيطة، ولا سيما الأطفال الذين يجردهم من طفولتهم، كونه يرى فيهم أعداء الغد؛ فلا جرم أن تمتد الحرب إلى هذه المساحة الصغيرة من الحياة، وكأن المطلوب ألّا يبقى للطفل شيءٌ خارج منطق الحرب: لا بيت، ولا مدرسة، ولا لعبة، ولا حتى مساحة صغيرة في السماء.
ماذا يعني ذلك، وكيف يمكن للإنسان أن يتقبل هذا الظلم؟ إن المعنى البسيط نراه في ذلك التقاطع بين تلك التقارير ورواية خالد حسيني، فضلاً عن ذلك الصدى البعيد لرواية رومان غاري، إذ يجعلنا على وعي تام بأن ثمة خللاً يعتري العالم. فالتكوين الكامن في صيغة الخبر ينطوي على مادة تصلح لأن تتخذ منطلقاً لنص أدبي؛ وهنا يمكن أن نتذكر ما فعله برتولد بريخت في «أبجدية الحرب»، حين أخذ صور الحرب، وأخبارها من الصحف، وأعاد مجاورتها بالكلمات في تكوين إبداعي مبتكر، حيث كان الهدف تعرية منظومات الإعلام النازي، ووطأة الحرب التي يدفع ثمنها الفقراء، والمعدمون، والبسطاء.
ومع أن الخبر عن غزة قد يخبرنا بما وقع، غير أن الأدب معني في تجسيد تلك الصيغة من البشاعة حين تقع على الإنسان، على الرغم من أن من يقوم بالجريمة يدّعي أنه إنسان أيضاً. إن هذه الصيغة الأدبية في بعدها التخييلي هي التي يمكن أن توازي، من حيث قوة الأثر، ما نجده في رواية خالد حسيني، التي تكشف عن رغبة كامنة في وعي الإنسان للتعلق بأبسط الأشياء، من مبدأ أن القدرة على التقاط تلك المعاني، ربما تكون هي المدخل إلى نقل الصورة وإحداث ذلك التأثير العميق في المتلقي، فالقضايا الكبرى تحتاج إلى قدرة على الابتكار، ولا سيما أن الواقع الذي يؤسس للعمل الأدبي يحتمل قدراً كبيراً من هذه الصيغ، أو لنكن أكثر مباشرةً من القصص التي تتصل بيوميات حرب الإبادة.
إن ثمة خلف كل شخص، وكل عائلة، وكل مبنى، وكل شارع حكاية، ومن حق هذه الحكايات أن تشكل زاداً للأدب الذي من وظائفه – على الأقل- أن يوصل صوت الضحية التي لم تمتلك حق الكلام أو الاعتراض. وهنا تحضر تجربة سفيتلانا أليكسييفيتش في كتابها «آخر الشهود»، حين استعادت الحرب العالمية الثانية من ذاكرة الذين عاشوها أطفالاً، لا بوصفها حركة جيوش وخرائط، إنما بوصفها خوفاً وجوعاً وفقداً وذكريات صغيرة. ومع أن الكوارث الكبرى تنتج الأرقام، والإحصائيات، غير أن وظيفة الأدب أن يعيد إلى هذا الرقم المجهول اسمه، ووجهه وحكايته، والأهم الحلم الذي استلب منه في الحياة.
إن مقارنة بسيطة مع آداب الشعوب الأخرى ستقودنا إلى إدراك مقدار التباين في الاستجابة العربية، ولنأخذ نموذجاً واحداً فقط، ونعني الأدب الروسي الذي فرض وجوده عالمياً من خلال قدرته على تحويل الألم الإنساني، والفقر، والقهر، والحرب، والمنفى، والانكسار.. إلى أسئلة كبرى تتجاوز الجغرافيا الروسية نفسها، سواء قبل الثورة البلشفية، أو أثناءها، وحتى بعد زوال النظام الشيوعي.
إن السؤال ينبغي أن لا يتعلق بنقص المآسي والحكايات في عالمنا، فهي أكثر مما يحتمل الأدب، إنما بالكيفية التي تتحول بها المأساة إلى أدب يستطيع أن يقترب من الأشياء الصغيرة التي تعيد تعريف إنسانيتنا، ومن ذلك الطائرة الورقية التي ينبغي – من وجهة نظر المجرم – أن تقصف، وأن يقصف من يلهو بها.
إن فائض الضحايا يمكن على نحو مفارق أن يحجب الضحية نفسها، فحين نقول إن آلافاً قتلوا فإن الرقم على فداحته الأخلاقية، قد يعجز عن استحضار صورة الإنسان، بينما تكفي حكاية طفل واحد، أو أم واحدة، أو بيت واحد، أو طائرة ورقية واحدة، أن يحدث شقاً في جدار التجريد المفرط للضحايا، الذين نختزلهم في أرقام، ونتناسى أن خلف كل رقم إنسان قبل أن يكون خبراً.
إن ما يميز هذا الذي يسمى الوطن العربي يكمن في فيض الضحايا؛ فثمة قدرة على انتهاك الإنسان، وأحلامه بصورة غير مسبوقة، بحيث نكاد نتفوق على سائر الأمم في هذا الزمن، ومع ذلك فإن نتاجاتنا الأدبية لا تحظى بتلك الأهمية الكونية، فمعظم ضحايانا لا صوت لهم، إلا باستثناءات قليلة، وفي ظني أنها لا تكفي قياساً على كثافة الموت العبثي، والمجاني، ومع ذلك يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل ترقى نصوصنا وأعمالنا الأدبية إلى إحداث الأثر المطلوب للتعبير عن موتنا الذي لا يتوقف!
كاتب أردني فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00