هاكابي وزيارة ترمسعيا: خطاب الخداع والمراوغة

عبد الحميد صيام
نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
في زيارة استثنائية لبلدة فلسطينية، قام سفير الولايات المتحدة في الكيان الإسرائيلي، مايك هاكابي، يوم 5 سبتمبر بزيارة بلدة ترمسعيا القريبة من رام الله، حيث استضافه أهالي البلدة ليشرحوا معاناتهم من عنف المستوطنين. قام بالزيارة بعد عدة رسائل وجهها أهل البلدة الحاملين للجنسية الأمريكية للسفارة، التي من المفروض أن تمثل مصالحهم وتستمع لنداءاتهم وتستجيب لاستغاثاتهم. ولأن أسماء أبناء البلدة من حملة الجنسية الأمريكية محمد وخليل وعامر وفوزية وفاطمة.. وليس سميث ووليم وجاك وإلزابيث وستيفاني.. فلا عجلة في الموضوع وزيارة البلدة التي تتعرض للعنف ليل نهار تأتي في آخر أولويات السفير إن أتت بعد سنة ونصف من تعيينه.
قام السفير بزيارة للبلدة التي تصل نسبة حملة الجنسية الأمريكية فيها إلى نحو 80% ، ثم أطلق تصريحات قوية ضد المستوطنين وعنف المستوطنين ووصفهم بالإرهابيين، وطالب الحكومة الإسرائيلية بوقفهم ومحاكمة مرتكبي الفظائع. اختار السفير بيت سمير الذي يشرف على السهل الذي استولى عليه مستوطنو مستعمرة شيلو المقامة على أرض البلدة. وقد عُرض على السفير أن يكون اللقاء في بيت الشهيد الطفل حامل الجنسية الأمريكية، عامر ربيع، ابن الأربعة عشر ربيعا، والذي أرداه المستوطنون يوم 6 أبريل 2025، لكن الأجهزة الأمنية التابعة للسفير قررت أين سيكون اللقاء، واشترطت في البداية أن يكون اللقاء محصورا مع أعضاء المجلس البلدي فقط، لكن هذا الشرط رفض تماما وكان الحضور أكبر من ذلك بكثير، خاصة ممن عانوا من عنف المستوطنين، بالإضافة إلى الصحافيين الفلسطينيين.
لم تبتعد تعليقات السفير هاكابي عن مفاهيمه الراسخة بحق إسرائيل في هذه الأرض وأن الفلسطينيين هنا لا يتعدون كونهم أفرادا أو سكانا لا يمثلون شعبا له حقوق. كأفراد لهم الحق في العيش بسلام وأمن فقط
وبينما كان السفير يستمع إلى شكاوى السكان، تعمدت ثلة من المستوطنين المرور عدة مرات بدراجات ذات أصوات مزعجة في محيط المنزل الذي استضافه، ما اضطر هاكابي أن يعلو سطح المنزل ويشاهد بنفسه الاستفزازات المتعمدة من قبل المستوطنين، كما قام بالتقاط صور عديدة. وقبل أن نتمحص في الجمل المعسولة التي أطلقها السفير أمام أبناء البلدة والصحافيين في ترمسعيا، أراجع بعض أقواله وتصريحاته التي تفصح عن شخصية مسيانية غيباوية تنتظر انتصار الشعب الإسرائيلي على جميع البشر، وعودة المسيح المنتظر بعد هزيمة الأعور الدجال.
– لا يوجد شيء اسمه فلسطيني. الهوية الفلسطينية وسيلة للضغط على إسرائيل ـ عام 2008
– الدولة الفلسطينية، إن أقيمت، فيجب أن تكون في دول مجاورة مثل سوريا، أو الأردن أو مصر وليس داخل إسرائيل ـ 2015.
– لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية ـ استخدم بدلا منها يهودا والسامرة- لا توجد مناطق محتلة. المستوطنات الإسرائيلية لا تعني مستوطنات بالمعنى نفسه الذي يستخدمه منتقدو إسرائيل- هذه «مجمعات ومدن»- 2025-2026.
– حق إسرائيل التوراتي من النيل إلى الفرات – فبراير 2026 في مقابلة مع تاكر كارلسون.
– لولا إسرائيل لما كانت أمريكا موجودة- يونيو 2026 في مؤتمر للاستيطان جنوب بيت لحم.
هذا غيض من فيض. فتصريحات هاكابي المتماهية مع أكثر الصهاينة تطرفا كثيرة، ولكن تلك الرزمة ذات دلالة كبيرة، حيث تشير إلى أنه إذا كان الخيار بين دعم الولايات المتحدة أم إسرائيل، فإن هذا السفير سيختار الموقف الإسرائيلي المتطرف. لا عجب أن أبناء ترمسعيا اختلفوا في ما بينهم حول استقباله، وكان هناك من رأى أن زيارته للبلدة تبييض لمواقفه الشائنة هو ورئيسه الأهوج ترامب. فلماذا نعطيه هذه الفرصة؟ قال أحدهم. لكن الرأي الذي تغلب في النهاية: دعه يأتي. سيضع عنف المستوطنين تحت المجهر. إن لم نستفد من الزيارة فلن يضيرنا شيء. وكان هذا رأي الأغلبية ولذلك تمت الزيارة. فهل غيّر هاكابي مواقفه وهل قدم شيئا ذا أهمية لأهالي ترمسعيا والقرى الفلسطينية التي تتعرض يوميا لعنف المستوطنين؟ وهل أمّن نوعا من الحماية للفلسطينيين من حملة الجنسية الأمريكية في البلدات الثلاث التي يطلق عليها القرى الأمريكية، ترمسعيا ودير دبوان ومخماس؟
لم تبتعد تعليقات السفير عن مفاهيمه الراسخة بحق إسرائيل في هذه الأرض وأن الفلسطينيين هنا لا يتعدون كونهم أفرادا أو سكانا لا يمثلون شعبا له حقوق. كأفراد لهم الحق في العيش بسلام وأمن فقط. ولنتابع بعض ما قاله أمام أهل البلدة والصحافيين. لقد وصف ما يقوم به المستوطنون بأنه إرهاب. وقال: «الجريمة جريمة والإرهاب إرهاب وعلى من يرتكب مثل هذه الأفعال أن يتوقع مواجهة عواقب وخيمة». وقد يبدو هذا الكلام المعسول مقنعا، لكن عندما يصف أن من يرتكبونها «عددهم صغير»، مقارنة بإجمالي السكان في تلك المناطق. وقال إنهم لا يتجاوزون 5% من مجموع سكان المناطق من الإسرائيليين وعددهم، كما قال، يصل إلى خمسمئة ألف. أي أنه يبرئ 95% من المستوطنين الذين وصفهم بأنهم مسالمون. فهناك، كما قال، مليونا فلسطيني ونصف مليون إسرائيلي يعيشون في «يهودا والسامرة» كما سماها مرارا ورفض تسميتها حتى بالضفة الغربية وراح يجادل الصحافي الذي أثار هذه المسألة حول الاسم التوراتي لهذه المناطق، مؤكدا قناعته بأن أحداث التوراة وقعت في هذه المناطق ولا يجوز استعمال أي اسم آخر، إلا ما ورد ذكره في التوراة. ومن الواضح أنه اختصر أرقام المستوطنين وأرقام الفلسطينيين في الضفة والقدس الشرقية. حقوق هؤلاء يختصرها السفير في قوله: «لسكان هذه المجتمعات الحق في العيش بأمان، وأن من مسؤولية الحكومة السهر على تحقيق ذلك». إذن مسؤولية العيش بأمان ليست في أيدي الفلسطينيين، بل في يد حكومة إسرائيل ما يعني أن كل هذه الأراضي تابعة لحكومة واحدة وهي إسرائيل فقط. لقد تجاهل وجود السلطة الفلسطينية تماما.
وعندما سئل عن تهجير الفلسطينيين قال السفير: «أؤكد لكم بشكل قاطع أن ليس هناك أي خطة لدى الإسرائيليين لتهجير قسري لسكان غزة». ثم أضاف حول موقف إدارة ترامب: «إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي جعلت من مكافحة الهجرة أولوية مركزية، تريد منح الفلسطينيين خيار المغادرة طوعا». وتابع قائلا: «هناك انفتاح في حال رغب الناس في المغادرة، ينبغي أن يكون لهم الحق في المغادرة»، واصفا (حبس) الفلسطينيين داخل غزة بأنه «عار». لا أحد يقترح أن يكون هناك تهجير قسري». قد لا يصل بن غفير إلى مثل هذا الوضوح. ما معنى التهجير الطوعي؟ فهل إذا حبست مليوني إنسان في 135 كيلومترا مربعا، ومنعت عنهم الماء والدواء والغذاء والكهرباء، ثم هدمت بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم وجامعاتهم وملاجئهم ومساجدهم، وأقفلت عليهم الحدود وقتلت خيرة رجالهم ويتمت أطفالهم ورملت نساءهم وسجنت شبابهم، ثم تأتي بالسفن والحافلات والمركبات وتقول لهم من يريد أن يغادر فله ذلك. فهل هذا تهجير طوعي؟
أعتقد أن هذه الزيارة غرضها تجميلي لإدارة ترامب بسبب صمتها المريب أمام عنف المستوطنين، الذي شمل القرى والتجمعات التي تضم أعدادا كبيرة من حملة الجنسية الأمريكية، خاصة بعد طرح المسألة في الكونغرس من نحو 33 نائبا ومطالبة الإدارة بالتحقيق في مقتل 12 أمريكيا منذ 7 أكتوبر 2023، أراد هاكابي أن يظهر بمظهر المتعاطف مع حملة الجنسية الأمريكية حتى لا تكون ورقة في أيدي المناهضين لترامب في الانتخابات النصفية القادمة. وإذا أردت أن تعرف موقف هاكابي الحقيقي مرة أخرى فاقرأ تصريحه الذي يهدد فيه بريطانيا بفرض عقوبات عليها لأنها تريد أن تفرض عقوبات هامشية خفيفة على ما يسمى بالمستوطنات غير الشرعية. فهل نصدق ما قاله حول إرهاب المستوطنين أم ما قاله حول حمايتهم من أي عقوبات؟
كاتب وباحث من فلسطين
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00