حين يُحظر صوت الميت: ماذا يخيفنا في ضياء العوضي؟

حلمي الأسمر
نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
هناك قرارات إدارية تمرّ في الأخبار ثم تُنسى، وهناك قرارات تبدو للوهلة الأولى وكأنها إجراء تنظيمي عابر، لكنها تفتح وراءها أبواباً واسعة من الأسئلة. قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر بشأن الطبيب الراحل الدكتور ضياء العوضي ينتمي، في رأيي، إلى النوع الثاني؛ لأنه لم يكتفِ بمنع طبيب من الظهور، ولم يتوقف عند التحذير من وصفة علاجية أو تصحيح معلومة طبية، وإنما ذهب إلى منطقة أكثر اتساعاً: منع نشر أو بث أو تداول أو إعادة تداول المواد المصورة والمسموعة والمقروءة الصادرة عن العوضي أو المسجلة له.
في الثالث من مايو/أيار 2026 أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أنه تلقى مخاطبات رسمية من وزارة الصحة والسكان ونقابة أطباء مصر بشأن ما وصفه بالمحتوى الإعلامي الخاص بضياء العوضي، معتبراً أن هذا المحتوى «من شأنه الإضرار بالصحة العامة» ويمثل «تهديداً مباشراً لحياة المواطنين». وبناء على ذلك ألزم الوسائل الإعلامية والصحفية والمنصات الرقمية ومواقع وصفحات التواصل الاجتماعي الخاضعة للقانون بعدم نشر محتوى العوضي أو إعادة تداوله، كما كُلّفت إدارة الرصد بمتابعة التنفيذ واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
ثم جاءت الصورة الأكثر دلالة: الإعلامي محمود سعد أعلن حذف الحلقة التي سجلها مع العوضي من قناته، وقال إن الحذف جاء بناء على اتصال من مسؤولي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، التزاماً بالقرار. والحلقة لم تكن بثاً تلفزيونياً حديثاً، بل كانت مسجلة منذ سبتمبر/أيلول 2023، قبل أن تثير لاحقاً اعتراضات من أطباء على ما ورد فيها من آراء.
هنا يصبح السؤال أكبر من ضياء العوضي نفسه: هل نحن أمام تصحيح طبي، أم أمام معركة على من يملك حق الكلام في الصحة والمرض والغذاء؟
لا أحد يجادل في أن النصيحة الطبية ليست لعبة، وأن المريض قد يدفع حياته ثمناً لمعلومة خاطئة، وأن التحذير من ترك دواء موصوف أو استبدال علاج مثبت بوصفة غير مثبتة يمكن أن يكون واجباً لا خياراً. وهذه نقطة لا ينبغي التلاعب بها. بل إن محمود سعد نفسه قال بوضوح إن وقف الأدوية دون دليل علمي يمثل خطراً بالغاً، وإنه لا يمكن مطالبة المريض بالتخلي عن العلاج الدوائي والاكتفاء بنظام غذائي من دون دراسات منهجية مكتملة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من تفنيد فكرة إلى إسكات صاحبها، ثم منع أرشيفه كله من التداول. مع أن صوت الراحل العوضي بملأ الفضاء الإلكتروني على نحو كبير!
فالفكرة العلمية لا تُهزم بحذف الفيديو. والوصفة الخاطئة لا تصبح صحيحة إذا مُنع الناس من سماعها، كما أن الفكرة الصحيحة لا تصبح خاطئة لأنها أثارت غضب مؤسسة طبية. العلم، في جوهره، ليس سلطة تقول للناس: صدقوا هذا ولا تسمعوا ذاك؛ العلم عملية اختبار ومقارنة وتجربة ونقد وتصحيح. وإذا كان في كلام العوضي خطأ طبي، فإن أقوى رد عليه ليس اختفاء كلامه، بل تفكيكه أمام الجمهور: هذه المعلومة خاطئة، وهذا سبب خطئها، وهذه الدراسة تناقضها، وهذا هو البديل الصحيح.
وهنا تحديداً يصبح قرار المنع مادة تستحق البحث، لا مجرد خبر عابر.
لقد كان ضياء العوضي طبيباً دخل في مواجهة فكرية مع منظومة واسعة من المسلمات المتعلقة بالغذاء والمرض والعلاج، ثم انشق عن المنظومة الطبية برمتها؛ ثم تحولت أفكاره إلى ما سُمّي «نظام الطيبات». وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فقد تجاوز الرجل حدود العيادة إلى فضاء اجتماعي واسع، وأصبح له جمهور يؤيده وجمهور يهاجمه، وأصبح السؤال عن أفكاره جزءاً من سؤال أكبر: لماذا يبحث ملايين الناس أصلاً عن بدائل للطب التقليدي؟ لماذا يزداد الشك في بعض المؤسسات الطبية والغذائية؟ ولماذا يشعر بعض الناس أن هناك شيئاً لا يقال لهم عن علاقتهم بالطعام والدواء والمرض؟
هذه الأسئلة هي التي حاولتُ الاقتراب منها في كتابي «المنشق: ضياء العوضي ونظام الطيبات»، الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون»، في عمان؛ والموجود الآن في الأسواق. والكتاب، كما أوضحت في مقدمته، لا يحاول أن يجعل من ضياء العوضي قديساً طبياً، ولا أن يحاكمه بوصفه دجالاً، ولا أن يطلب من القارئ أن يتبنى «نظام الطيبات» أو يرفضه مسبقاً؛ وإنما يحاول أن يفهم الرجل والفكرة والظاهرة، وأن يضع ما قاله أمام الأسئلة العلمية والاجتماعية والفكرية التي يستحقها.
وهذا هو بالضبط ما يجعل قرار منع تداول محتوى العوضي مفارقة لافتة بالنسبة إلى الكتاب. فبينما كنت أبحث في الظاهرة باعتبارها ظاهرة فكرية وصحية واجتماعية تستحق أن تُفهم وتُناقش، جاء قرار رسمي ليجعل من المحتوى نفسه موضوعاً للحظر.
كأننا انتقلنا فجأة من سؤال: «هل كان ضياء العوضي على حق؟» إلى سؤال أخطر: «هل يجوز لنا أصلاً أن نسمع ما قاله ثم نحكم عليه؟»
والفرق بين السؤالين هائل.
قد يكون العوضي مخطئاً في بعض أطروحاته، وقد تكون بعض أفكاره بحاجة إلى أدلة أقوى، وقد يكون بعضها متعارضاً مع الإجماع الطبي المستقر. بل إن بعض ما نُسب إليه من مواقف تجاه الأدوية والعلاجات يستحق نقداً علمياً صارماً، لا مجاملة فيه ولا تقديساً. لكن هذا كله لا يلغي حق المجتمع في معرفة ما قاله، ثم معرفة الرد العلمي عليه.
فإذا كانت هناك وصفة خطرة، فاكشف خطورتها. وإذا كانت هناك معلومة خاطئة، فافضح خطأها. وإذا كان هناك مريض يمكن أن يتضرر، فاحمه. ولكن لا تجعل الحذف بديلاً عن الحجة.
الأخطر من ذلك أن المنع قد ينتج النتيجة المعاكسة تماماً لما تريده السلطة الصحية. فحين تمنع مادة مثيرة للجدل، فإنك لا تقتل بالضرورة فضول الناس تجاهها؛ أحياناً تفعل العكس تماماً. يتحول المحتوى المحظور إلى مادة مطاردة، ويبدأ الناس في البحث عنه من مصادر أخرى، وتتحول الشخصية التي كانت موضع جدل طبي إلى رمز للمنع والمقاومة. عندها لا يعود الناس يناقشون: «هل ما قاله صحيح؟»، وإنما يبدأون بالسؤال: «لماذا خافوا من أن نسمعه؟»
وهذه، ربما، هي أخطر نتيجة ممكنة.
إن قصة ضياء العوضي لم تعد اليوم قصة طبيب ونظام غذائي فحسب. لقد أصبحت اختباراً لعلاقة المجتمع بالمعرفة، ولعلاقة المؤسسات الطبية والإعلامية بالجمهور، ولحدود السلطة حين تتدخل لحماية الناس من المعلومات التي تراها خطرة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل ينبغي حماية الناس من التضليل الطبي؟ نعم، بالتأكيد.
السؤال هو: كيف نحمي الناس من التضليل من دون أن نحول الحماية إلى وصاية على عقولهم؟
فالمواطن الذي نطالبه بأن يثق بالطب والمؤسسات يجب أن نمنحه في الوقت نفسه القدرة على المقارنة والسؤال والنقد. وإذا كنا نخشى أن يصدق الناس معلومة خاطئة، فعلينا أن نرفع مستوى المعرفة لديهم، لا أن نخفض كمية المعلومات المتاحة لهم.
ربما لهذا السبب يبدو عنوان كتابي «المنشق» أكثر إثارة اليوم مما كان عليه يوم صدوره. فالمنشق ليس بالضرورة صاحب الحقيقة، كما أن المؤسسة ليست بالضرورة صاحبة الحقيقة. بين الطرفين توجد منطقة هائلة اسمها البحث والتجربة والدليل. وفي هذه المنطقة وحدها يمكن أن نعرف أين أصاب ضياء العوضي وأين أخطأ، وأين كان سابقاً لأسئلة علمية ظهرت لاحقاً، وأين ذهب بعيداً في استنتاجاته، وأين اصطدمت تجربته الفردية بحدود التعميم العلمي.
والكتاب موجود الآن في الأسواق تحديداً لكي يفتح هذه المساحة: لا للدفاع عن العوضي، ولا لإدانته، وإنما لكي نقرأ الظاهرة قبل أن نحكم عليها. فالكتاب يتناول سيرته، وأفكاره، وأصول «نظام الطيبات»، وعلاقته بتاريخ الغذاء والطب، ثم ينتقل إلى الأسئلة العلمية والاجتماعية التي صنعت حوله ذلك الانقسام الكبير، وصولاً إلى سؤال أوسع: من يملك حق تعريف الغذاء الصحي؟ ومن يملك حق تعريف المرض؟ ومن يملك في النهاية حق تحديد ما يجوز للناس أن يعرفوه؟
ولعل المفارقة الكبرى أن ضياء العوضي رحل عن الدنيا، لكن الجدل حوله لم يرحل. بل ربما دخل بعد موته مرحلته الأكثر إثارة. فالميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يستطيع أن يشرح ما قاله، ولا أن يراجع ما أخطأ فيه، ولا أن يرد على منتقديه. ولذلك فإن حذف أرشيفه الآن لا يحسم القضية، بل يجعلها أكثر تعقيداً.
قد يختلف الناس حول العوضي، وهذا طبيعي. وقد يختلفون حول «نظام الطيبات»، وهذا صحي. وقد يرفض الأطباء بعض أطروحاته رفضاً قاطعاً، وهذا حقهم. لكن المجتمع الذي يريد أن يتقدم لا يخاف من الأفكار المخالفة؛ بل يضعها على طاولة التشريح العلمي.
وفي النهاية، ليست القضية: هل نصدق ضياء العوضي أم لا؟
القضية أن نصل إلى مرحلة لا نحتاج فيها إلى الحذف كي ننتصر، ولا إلى المنع كي نحمي الحقيقة.
فالحقيقة التي تحتاج إلى حذف خصمها لكي تنتصر، لم تنتصر بعد.
أما كتاب «المنشق: ضياء العوضي ونظام الطيبات»، الموجود الآن في الأسواق، فليس خاتمة قصة العوضي، وإنما محاولة لفتحها على مصراعيها؛ لأن الرجل مات، لكن الأسئلة التي أثارها عن الغذاء والمرض والطب والسلطة والمعرفة ما زالت حية… وربما أصبحت، بعد قرار المنع، أكثر حياة من أي وقت مضى.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00