يصنعون الغضب... ثم يحاكمونه على مقاسهم

نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
ثمة أشياء نعقدها كثيرا، ونستدعي لفهمها علم النفس والسياسة وربما الخوارزميات، ثم يأتي رجل من الصعيد فيختصرها بجملة. أبو زياد، الذي يبالغ في إكرامي بعمله في المزرعة، قالها ذات يوم وعاد إلى عمله كأنه لم يقل شيئا:
ــ هو ليه الواحد يحرث بحد تاني لحد ما يطلّع صوان أمه... وبعدها يزعل منه؟
قهقهت كثيرا، ليس لأن السؤال مضحك، بل لأن أبا زياد، من دون أن يدري، كان يختصر واحدة من أقدم الحيل في العلاقات والسياسة معا: أن تستدعي أسوأ ما في الآخر، ثم تستخدم ما استدعيته دليلا على حقيقة موهومة.
أبو زياد لا يقرأ بيانات الحكومات، ولا يشغله ما يقوله المحللون السياسيون، وغير معني كثيرا بتعقيدات العلاقات العاطفية، لكنه يملك تلك الفطرة التي تفسد أحيانا على السياسة كل تعقيداتها.
قلت له:
ــ يمكن لأنه يريد أن يعرف حقيقته.
رفع رأسه ونظر إلي كأنني قلت شيئا يستحق السخرية:
ــ حقيقة إيه ؟ ما هو اللي واصل الحرث فيه!
ويقصد أن يخرج الشيطان من بين ضلوعه ذات غضب. ثم عاد إلى عمله.
والحق أنني بقيت عند الجملة، ففي السياسة أيضا هناك من "يحرث" بالناس طويلا، يضغط على أعصابهم، يضيّق عليهم، يراكم أسباب الغضب، ثم ينتظر اللحظة التي ينفجر فيها أحدهم ليشير إليه منتصرا: أرأيتم؟ هؤلاء ضد البلد.
وفجأة تختفي الحكاية كلها، ولا يبقى منها إلا المشهد الأخير، لا أحد يسأل عما سبق الصرخة، ولا كم مرة ابتلع صاحبها غضبه، ولا كم بابا طرقه قبل أن يضرب أحدها بقبضته.
وهل يصبح رد الفعل هو القضية، أما الفعل الذي صنعه فينسحب بهدوء من المحضر؟.
وهذه حيلة تصلح بين اثنين، كما تصلح لإدارة خلاف سياسي كامل، استفز خصمك بما يكفي، ادفعه إلى الزاوية التي تريد، ثم انتظر منه الخطأ الذي تحتاجه، بعد ذلك لن يكون عليك سوى عرض اللقطة الأخيرة على الناس، مع رشة بكاء مفتعلة ومظلومية مصطنعة.
قف هادئا ودعه يصرخ، تحدث أنت عن القانون والصواب والخطأ والخير والشر، واتركه غاضبا. أنت ترتدي حزنك وقبعة أوهامك، وهو قد "طلع صوان أمه". وهكذا تكون قد ربحت الصورة، حتى لو كنت أنت من صنع المشهد وأخرج ما فيه.
قلت لأبي زياد:
ــ يعني الواحد مش مسؤول عن رد فعله؟
قال:
ــ مسؤول طبعا. بس ما تجيبش آخر الحكاية وتقول لي دي الحكاية.
هذه المرة لم أضحك.
لأن أخطر ما في صناعة الغضب أن تمحى أسبابه فور وقوعه، فجأة يصبح الغاضب هو الحكاية كلها، ويتوارى من دفعه إلى الغضب، هكذا تبتر الحقيقة من أولها، ولا يبقى منها إلا المشهد الأخير، لأنه وحده يصلح للرواية المعدة سلفا.
وقبل أن أتركه قلت:
ــ يا أبو زياد، لو فضلت تحرث بواحد وما طلعش صوان أمه؟
ضحك وقال:
ــ يبقى غيظك إنت اللي هيطلع.
وهنا فقط فهمت قسوة المشهد، قد يعرفونك عمرا كاملا، ثم يدفعونك إلى الحافة وينتظرون غضبك، وحين تغضب لا يذكرون الطريق الذي دفعوك إليه، ولا اليد التي ظلت تزاحمك نحو حافة السرير، يشيرون إليك في اللحظة التي لم تعد فيها تشبه نفسك ويقولون: هذا هو.
لا يا عزيزي... هذا ليس أنا، هذا ما ظللت تحفر في داخلي حتى أخرجته، لأنك منذ البداية لم تكن تبحث عن حقيقتي، بل عن اللحظة التي تصلح دليلا بين يديك.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/11 الساعة 00:00