33 عامًا على توقيع 'أوسلو'.. التنازل التاريخي يرتد حصارًا وحبل خناق على الفلسطينيين

نيسان ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 00:00
تمر، يوم الأحد، ذكرى توقيع اتفاق "أوسلو"، بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي عام 1993، ليشكل تحولاً مفصلياً في تاريخ القضية الفلسطينية.
ويُعد "أوسلو" أول تنازل رسمي وقعه طرف فلسطيني عن 78% من أرض فلسطين التاريخية لصالح قيام كيان الاحتلال، مقابل سلطة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.
وجاء هذا التنازل التاريخي محصلة لثلاثة عقود من التراجعات والتنازلات السياسية المتدرجة، بدأت بالتحول من شعار تحرير فلسطين الكاملة عبر الكفاح المسلح، مروراً بالقبول بالقرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 242، ثم إعلان برنامج النقاط العشر عام 1974.
ومرّ هذا التحول بمبادرة السلام الفلسطينية عام 1988 وتأسيس خيار التفاوض كممر وحيد.
ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود على التوقيع، أفضى هذا المسار إلى طريق مسدود، بعد أن تحول الرهان الفلسطيني على الوصول إلى دولة مستقلة بحلول عام 1999، إلى واقع أعمق من الاحتلال والتثبيت للمشروع الاستيطاني.
بنود الخديعة
وعند تفكيك بنود الاتفاق ومقارنتها بالواقع الميداني، يظهر حجم الخديعة والتنصل الإسرائيلي الكامل؛ فالبند الخاص بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة تموضع القوات جرى تفريغه من مضمونه.
وحوّل الاحتلال إعادة التموضع إلى تقطيع أوصال الضفة وتقسيمها إلى مناطق (أ، ب، ج)، ليحتفظ بالسيطرة أمنياً وإدارياً على أكثر من 60% من مساحتها تحت تصنيف "مناطق ج".
وفي بند "قضايا الحل النهائي" التي أُرجئ البحث فيها إلى السنة الثالثة من المرحلة الانتقالية، وتضم القدس، الحدود، اللاجئين، المياه، والمستوطنات، استغل الاحتلال عامل الوقت وفرض واقعاً يتجاوز أية مفاوضات.
وانقلابًا على هذا البند، منعت "إسرائيل" عودة أي لاجئ، وضمت القدس المحتلة، وعزلتها بالكامل عن محيطها الديمغرافي والجغرافي عبر الجدار العازل، وضاعفت أعداد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس من نحو 240 ألفاً عام 1993 إلى أكثر من 700 ألف مستوطن اليوم.
أما الممر الآمن بين الضفة وغزة الذي نص عليه الاتفاق لضمان وحدة الأراضي الفلسطينية، فقد أجهز عليه الاحتلال تماماً بفصل القطاع عن الضفة وترسيخ الحصار وإلغاء أي تواصل جغرافي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كبّل الاحتلال الفلسطينيين بـ "بروتوكول باريس"، الذي أبقى الاقتصاد رهينة للسيطرة الإسرائيلية على المعابر والجمارك وأموال المقاصة.
واليوم، تحول هذا الاتفاق إلى حبل خناق يلتف حول السلطة الفلسطينية ذاتها، التي باتت محاصرة بتبعات تنازلاتها.
وتجد السلطة اليوم نفسها مطالبة بالوفاء بالاستحقاقات الأمنية والإدارية الواردة في أوسلو مقابل تنصل إسرائيلي شامل.
وبرز هذا الخناق بأبشع صوره في الحصار المالي المطبق وخنق أموال المقاصة؛ حيث استخدم الاحتلال العائدات الضريبية الفلسطينية كأداة ابتزاز سياسي وعقاب جماعي.
وعمد الاحتلال إلى اقتطاع مبالغ ضخمة منها بذرائع متعددة، مما أدى إلى تجفيف الموارد المالية للسلطة، وعجزها عن صرف رواتب موظفيها بانتظام، وشلل أجهزتها ومؤسساتها الخدمية، في محاولة لتحصيل المزيد من التنازلات من قيادة السلطة وفرض الإملاءات عليها.
وفي الواقع الميداني اليوم، يتعامل الاحتلال مع قيادة السلطة كأداة إدارية بلا سيادة، فيقتحم مناطق "أ" يومياً، وينفذ عمليات الاغتيال والاعتقال، ويهدم المنازل، مما أفرغ السلطة من وزنها السياسي وجعلها عاجزة عن حماية شعبها.
وأمام هذه الجرائم المتصاعدة والانسداد السياسي، رفض عدد، رغم قلته، من عناصر وضباط الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، هذا الاتفاق وتداعياته؛ بالتوجه لتنفيذ عملية فدائية ضد قوات الاحتلال.
وشهدت السنوات الأخيرة انخراط أفراد من منتسبي الأجهزة في تنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال والمستوطنين في عدة مناطق بالضفة الغربية، في انحياز واضح للخيار الشعبي والمقاومة، ورداً على جرائم الاحتلال اليومية.
مطالبات الفلسطينيين بإلغائه
وأمام هذا الواقع المتردي، تصاعدت المطالبات الوطنية والشعبية والفصائلية للتحلل الكامل من أوسلو والتزاماته.
ودعت قوى المقاومة والفصائل الفلسطينية مراراً إلى إعلان موت الاتفاق، وسحب الاعتراف بـ"إسرائيل"، ووقف التنسيق الأمني والفكاك الاقتصادي، وإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الاستراتيجية الوطنية الموحدة والمقاومة الشاملة.
ورغم صياغة هذه المطالبات في القرارات الرسمية الصادرة عن المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير لتعليق العمل بالاتفاقيات، وتكرار قيادة السلطة تهديداتها بإلغاء التفاهمات، إلا أن تلك القرارات بقيت معطلة ومجمدة ودون تطبيق عملي على الأرض.
في المقابل، ألغت حكومات الاحتلال المتعاقبة اتفاق أوسلو فعلياً وميدانياً، وجسدت ذلك باجتياح المدن عام 2002 وتصفية مقومات الحكم الذاتي، وصولاً إلى التصريحات العلنية لقيادات الكيان بتصفية مفهوم "الدولة الفلسطينية" وفرض "السلام الاقتصادي" أو الضم الفعلي.
ولم يعد للاتفاق وجود سوى من طرف واحد متمسك بوجوده، ليظل الشعب الفلسطيني يعيش تداعيات هذا المسار المأزوم في تفكيك أرضه، واستمرار حصاره، واستباحة مقدساته من الاحتلال ومستوطنيه.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/13 الساعة 00:00