ما الذي لم يفعله نتنياهو بعد؟

أحمد عويدات
نيسان ـ نشر في 2026/09/16 الساعة 00:00
المتابع لقرارات وتصريحات وخطابات بنيامين نتنياهو، لن يجد أشد عدوانيةً وأشرس فاشيةً منها، سواء في حكومته الأولى أو الثانية. ويتساءل أي مراقب لسياسة نتنياهو هل من شيء بقي ولم يفعله حتى الآن؟
في واقع الأمر، لم يسبق أن شهدت دولة الكيان أحداً بمثل هذه المواصفات من الخداع والكذب والمناورة والعزف على ما يريده الجمهور الإسرائيلي، خاصة اليمين منه. إنه القاطرة التي يسير بها اليمين الديني المتطرف، فهو «نبي إسرائيل» وقد وهبه الله هذه الأرض وهذا الشعب «شعب الله المختار» ليحقق أمانيه ويحافظ على وجوده بوجه التهديدات التي تعصف به.
ومع زلزال أكتوبر 2023 ازدادت فاشيته وعدوانيته وتوسعت، حتى شملت سبع جبهات، من أجل كسب رضا بن غفير وسموترتش اللذين ما انفكا يطالبان بقتل وتهجير الفلسطينيين، ولكسب حزبيهما وأنصارهما من المتطرفين؛ ضمانة لبقائه في الحياة السياسية الإسرائيلية، بعيداً عن السجن الذي ينتظره بتهم الفساد، وفشله في تحقيق الأمن – كما وعد المجتمع الإسرائيلي بذلك- وتحقيقا أيضا، لشبقه السياسي وتربعه على كرسي القرار الإسرائيلي، بما يشبه ديكتاتوريي، العصر في الأنظمة الشمولية. إنه بذلك بدا صهيونياً أكثر من الصهيونية ذاتها، متمثلاً فكر معلمه وقائده جابوتنسكي، القائم على القتل والإبادة.
على جبهة غزة أدار مع قادة حربه حرباً همجية شرسة، ما زالت متواصلة منذ نحو ثلاث سنوات، أوقعت أكثر من 74000 شهيد ونحو 174 ألف جريح، وتمت السيطرة على أكثر من 60% من قطاع غزة وتدمير 90% منه، وما زالت دعوات بن غفير وسموترتش، ومؤخراً وزير الدفاع كاتس، تحرض على تهجير سكانه، ومواصلة جيش الاحتلال الاعتداءات والاغتيالات اليومية، كما حدث مؤخراً عندما تم اختطاف ضابط الأمن الداخلي في غزة وقتل زوجته سماح عربيد وإصابة ولديه، بالتعاون مع بعض الميليشيات العميلة، ومنع دخول المساعدات التي لم يدخل منها إلا 30% على عكس ما تم الاتفاق عليه في «خطة ترامب للسلام». والأكثر من ذلك، منع اللجنة المكلفة بإدارة قطاع غزة من الدخول وممارسة أعمالها، وربط إعادة الإعمار بتسليم المقاومة سلاحها، على الرغم من موافقة هذه الأخيرة على ذلك، ووضع العراقيل التي تؤدي إلى مزيد من قتل الحياة في القطاع.
ولم يكتف نتنياهو بما فعله في غزة، فقد وسّع عدوانه إلى الضفة الغربية؛ بإطلاق العنان لقطعان المستوطنين تحت حراب الجيش الإسرائيلي، حيث تمت محاصرة المخيمات والمدن والقرى والبلدات الفلسطينية تحت حججٍ وذرائع واهية، والاعتداء على المدنيين، واعتقال الشبان، واغتيال البعض، والاعتداء على المقدسات واقتحامها وتدنيسها، إضافة إلى مصادرة وتجريف الأراضي الزراعية، ونسف البيوت وتدمير الممتلكات؛ بغرض توسيع الاستيطان، وإقامة المزيد من البؤر الاستيطانية، والمباشرة بإقامة ما يسمى «بالخيط القرمزي»، الذي يعزل مساحات شاسعة من منطقة الأغوار الفلسطينية تبلغ نحو 180 ألف دونم، وعزمه إقامة جدار فصل جديد، لتقطيع الأوصال وتفتيت المجتمعات الفلسطينية، تمهيداً للضم النهائي للضفة. كل هذه الإجراءات تأتي في سياق سياسة التوسع الاستيطاني، وإرضاءً لقادة المستوطنين، التي أصبحت نهجاً وممارسةً يومية بقيادة نتنياهو وأركان اليمين الديني المتطرف، الذين لم يعد يكفيهم إلّا تهجير الفلسطينيين وضم الضفة وغزة إلى ما يسمى «يهودا والسامرة».
مع زلزال أكتوبر 2023 ازدادت فاشية نتنياهو وعدوانيته وتوسعت، حتى شملت سبع جبهات، من أجل كسب رضا بن غفير وسموترتش اللذين ما انفكا يطالبان بقتل وتهجير الفلسطينيين
أما على جبهة القدس، فقد تم تنفيذ ما كان الكنيست قد قرره بإنهاء عمل وخدمات الأونروا، الشاهد الأممي الوحيد على نكبة فلسطين؛ حيث نُسفت مقراتها وأُجلي موظفوها، وتم إغلاق معهد قلنديا وحرمان نحو 750 طالباً من أنحاء الضفة في الحصول على التعليم والتدريب المهني، ناهيك من إغلاق بعض المدارس، وفرض تعليم المناهج الإسرائيلية، في سابقةٍ خطيرةٍ تشكل تحدياً لمنظمات المجتمع الدولي، وخطوة أولى نحو إنهاء خدمات هذه المنظمات، التي تعتبر الشاهد الحي اليومي على ممارسات وإجرام جيش الاحتلال ضد اللاجئين الفلسطينيين، وعمليات تهويد المدينة المقدسة، والقضاء سياسياً وقانونياً على حق العودة وإنهاء قضية اللاجئين. إن كل ما يقوم به نتنياهو على هذه الجبهات يندرج في إطار برنامجه الانتخابي، وخوفه من السقوط أمام الأحزاب الأخرى؛ فهو في سباقٍ ماراثوني معها لخدمة الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة التي تسعى، ويسعى معها، لتهويد الأراضي المحتلة، وتهجير الفلسطينيين، أو شن حرب إبادة جديدة، تحقيقاً لحلم غلاة الصهاينة بشق قناة بن غوريون، والبدء بطريق الحرير نحو تحقيق مخطط «إسرائيل الكبرى»، الذي كان قد أعلن عنه نتنياهو أكثر من مرة، فلم تعد تعنيه أي مبادرة للسلام، ولا حل دولة ولا دولتين، ما يعنيه فقط، على حد زعمه، أمن ووجود «إسرائيل»؛ لذلك فإن خوفه الأمني والوجودي تخطى الحدود، إذ عمل على تسعير نار الحروب في المنطقة، فوجه، بالتعاون مع الولايات المتحدة، ضرباته واعتداءاته نحو إيران بهدف تدمير برنامجها النووي والصاروخي وإسقاط النظام، معتبرا إياها الداعم الأول للإرهاب في المنطقة، وعمل وما زال لإسقاط العمل بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، التي لم يخف رفضه لها، وعمل على تأزيم الأوضاع في منطقة الخليج. ومن ناحية أخرى، لم يسلم لبنان الذي اجتاح جنوبه من عدوانية برنامجه الانتخابي، بناءً على توصيات وتحريض زعماء التطرف والتدمير والإبادة، وفرض على لبنان اتفاقاً مذلاً. وما الاعتداءات المتواصلة والمتكررة على سوريا، وتوغل قواته في الأراضي السورية، واعتقال الشبان إلا سعياً منه لفرض اتفاق عارٍ آخر؛ مستغلا الأوضاع الداخلية السورية والتحديات التي تواجهها الإدارة السورية الجديدة، وفتح باب التطبيع مجددا، ولتأكيد سياسة الكيان بأنه «قوة الردع» الوحيدة في المنطقة، و»الذراع الطويلة» ونهج الهيمنة والسيطرة. كما قام بفتح جبهة أخرى ضد العراق واليمن تحت ذريعة ضرب الأذرع الإيرانية، التي تهدد أمن كيانه، فقام بتوجيه صواريخه ومسيراته، وطائراته نحو مقرات الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران، وضرب البنى التحتية للحوثيين في اليمن، لردع تدخلها لنصرة إيران وقبلها نصره غزة، هذا التوجة العدواني التوسعي يحمل دلالات فشله في تحقيق أهدافه في كل الجبهات التي فتحها، خاصة فشله في زلزال السابع من أكتوبر2023، ومحاولة من نتنياهو لزيادة رصيده الانتخابي، الذي تراجع نحو 20 مقعداً لصالح آيزنكوت رئيس الأركان السابق، الذي شكل حزباً جديداً في مواجهة حزب نتنياهو.
تأتي هذه المحاولة في ظل الصراع القائم مع المعارضة، وحتى مع أحزاب أخرى جديدة، وبالتالي من شأنها أن تهدد بقاء أحزاب اليمين موحدة، وما يسبب ذلك بتشتت أصوات الناخبين لصالح تلك الأحزاب. لذلك يسعى نتنياهو بكل طاقته جمع هذه الأحزاب اليمينية تحت مظلته لضمان الأغلبية في الكنيست القادمة، بمواصلة شن حروب جديدة في المنطقة، وبقاء هذه المنطقة على صفيح ساخن، غير أن هذه السياسة أدت إلى نتائج عكسية وأزماتٍ داخلية، وتسببت بخسائر باهظة في القطاع التجاري والسياحي، وزيادة الإنفاق العسكري والأمني، باستدعاء قوات الاحتياط، وبروز أرقام مهولة بالهجرة المعاكسة، بسبب فقدان عامل الأمن والسلامة، وسقوط تبجح نتنياهو المستمر وسعيه لإبعاد أي تهديد أمني يطال الإسرائيليين، والأبلغ من ذلك إدراك الإسرائيليين بأن ما يمارسه نتنياهو هو لأهداف شخصية محضة، ولا علاقة لها بأمن ووجود الكيان أو أمنه. وقد سقط من يده ما كان يسعى لإعلانه «النصر المطلق»، وزاد من عزلة «إسرائيل» الدولية، واتساع الهوة مع الحلفاء والداعمين لها، وأصبح مطلوباً مع آخرين لمحكمة الجنايات الدولية.
وعليه، فإن تصدير أزمته وفشله إلى الخارج لم يعد يجدي نفعاً أمام الضغط الداخلي الانتخابي؛ لذلك فإن الخيارات أمام نتنياهو باتت ضيقة، وإذا استمر في السياسة نفسها فإن أيامه في الحياة السياسية باتت قليلة، ولن يستطيع ضمان الأغلبية (61 مقعدا) في الكنيست القادمة، وما عليه ألا أن يقوم بما يجب القيام به، إذا بقي لديه ما يفعله.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/16 الساعة 00:00