أهل المنطقة أولى بحل مشاكلها من دون تدخل أجنبي

إبراهيم نوار
نيسان ـ نشر في 2026/09/16 الساعة 00:00
ابتكر الأكاديميون الغربيون، خصوصا في مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية، مصطلحات من شأنها الإبقاء على المشاكل في العلاقات بين الدول قائمة ومستمرة، داخل النطاق الذي يخدم مصالح استمرار النفوذ الغربي حول العالم.
ويعتبر مصطلح «إدارة الأزمات» من المصطلحات المهمة في هذا السياق. وعندما انتقل هذا المصطلح من النطاق الأكاديمي إلى النطاق العملياتي، دبلوماسيا وعسكريا فإنه أصبح هيكلا مؤسسيا يملك كل الأدوات القادرة على تنشيط الأزمات وإشعال نيرانها أو تبريدها إلى الحد الذي يحافظ على بقاء الجذوة مشتعلة، تمهيدا لإعادة تنشيطها مرة أخرى عند الحاجة. في مقابل ذلك أصبحنا في حاجة إلى حلول إقليمية للأزمات والمشاكل الإقليمية، بعد أن وصلت دبلوماسية «إدارة الأزمات» إلى طريق مسدود.
في هذا السياق أناقش الدور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، الذي يقف الآن على المحك، من حيث قدراته التي تناقصت، ومصداقيته التي أصيبت، وآفاق استمراره التي ضاقت، مقارنة بما كان عليه في نهاية الحرب الباردة. لقد أدركت دول المنطقة، أن مصداقية الدور الأمريكي في إدارة الصراعات وتوفير غطاء فعال للأمن الإقليمي، قد أصيبت إصابة بالغة، وأن وجود نظام أمني إقليمي مفروض من الخارج، حتى إن كان ضروريا للمحافظة على توازنات مرغوب فيها، لم يعد كافيا لتغطية احتياجات الطلب على الأمن وتحقيق الاستقرار. عدم كفاية هذا الدور أدى إلى ظهور ما يمكن أن نسميه عجز الأمن الإقليمي – Regional Security Deficit نتيجة قصور العرض، الذي من المفترض أن تقدمه القواعد العسكرية الأمريكية. لقد كشفت المواجهات العسكرية الأخيرة أن هذه القواعد عجزت عن حماية مصالح الولايات المتحدة التي أنشئت من أجلها، مثل ضمان تدفق النفط، وأمن الممرات المائية، وعجزت عن حماية الدول المُضيفة من حيث القدرة على رد أو ردع «الضربة الثانية»، التي يعرف العسكريون ضرورة الاستعداد لها قبل توجيه الضربة ضد الخصم. والمضحك أن هذه القواعد عجزت أيضا عن حماية نفسها! المثال المثير للدهشة هنا هو أن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، استطاعت إحداث تدمير هائل في القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين. إيران لم تكن هي التي قالت ذلك، لكن من قالها هو هونغ كاو القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية في مقابلة مع صحيفة «إيبوك تايمز» الأمريكية نُشرت يوم الخميس الماضي. في هذه المقابلة اعترف كاو بأن الإيرانيين «دمروا البحرين تدميراً كاملاً». وهو يقصد بالبحرين هنا منطقة تابعة للقيادة المركزية في البحرين، وقال إن عودة قيادة الأسطول الخامس إلى هناك لن يتم في وقت قريب!
الحوار السياسي الإقليمي يجب أن يكون حاضرا وفعالا من أجل إيجاد حلول سلمية للخلافات، أو النزاعات، وليس لمجرد إدارتها على الطريقة الأمريكية. إن توسيع قاعدة المصالح الاقتصادية المشتركة يمثل نطاقا مهما للأمن الإقليمي
وقد أدركت المملكة السعودية مبكرا وجود هذا «العجز الأمني الإقليمي»؛ فسعت بقوة للعمل على تعويضه؛ بتوقيع اتفاق للدفاع المشترك مع باكستان في العام الماضي، ثم إقامة تحالف دولي لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وأخيرا توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا. هذا التوجه لا يزال يحتاج إلى هياكل وآليات للعمل، وسياسات تجعل من هذه الاتفاقيات مكونات حية ونابضة لتعويض العجز الأمني الإقليمي، وهو ما يحتاج إلى وقت ولا يمكن تحقيقه بين يوم وليلة. إضافة إلى ذلك فإن الأمن الإقليمي ليس مجرد ترتيبات عسكرية قائمة بذاتها، وإنما يقوم على أساس مفهوم مُدمَج سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وقد يكون لاستمرار وجود القواعد العسكرية الأجنبية في بعض الدول العربية الخليجية وغيرها مبررات مفهومة. لكن وبعد ثبوت وجود عجز أمني إقليمي، على الرغم من وجودها؛ فإن بناء الأمن الإقليمي من الداخل يجب أن لا يتوقف عند تعويض نقص القدرات العسكرية في طرف بالحصول عليها من طرف آخر، لأن العجز الأمني الإقليمي يكشف وجود خلل هيكلي من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وليس العسكرية فقط.
لهذا، فإن الحوار السياسي الإقليمي يجب أن يكون حاضرا وفعالا من أجل إيجاد حلول سلمية للخلافات، أو النزاعات، وليس لمجرد إدارتها على الطريقة الأمريكية. إن توسيع قاعدة المصالح الاقتصادية المشتركة يمثل نطاقا مهما للأمن الإقليمي. على سبيل المثال، ليس من المقبول أن تعيش أكثر الدول العربية ثراء، دول الخليج، وإلى جوارها أفقر الدول العربية، وهي اليمن، من دون وجود شبكة من البنية الأساسية والمصالح الاقتصادية المشتركة، تحد من التباين القائم. وقد شرحت من قبل كيف يمكن أن يكون اليمن منفذا آمنا للنفط الخليجي ومشتقاته إلى الخارج، من خلال خطوط الأنابيب ومصافي إنتاج المشتقات، كذلك فإن تداعيات هذا التعايش المستحيل بين الثراء والفقر، لا يمكن حلها بالحرب، وإنما بالحوار الدبلوماسي على أسس المبادئ الوستفالية، التي تتضمن عدم التدخل واحترام وحدة أراضي الدول الأخرى وحل المشاكل بالطرق السلمية، ونبذ نزعة محاولة دولة ادعاء ولايتها على مواطني دول أخرى مهما كانت الذرائع والمبررات. الآن أصبحت المنطقة تعاني تداعيات أزمة في الملاحة عبر مضيق باب المندب، بينما هي لم تجد بعد حلا لأزمة الملاحة في مضيق هرمز!
وأظن أن المبادرة التي تقوم بها سلطنة عمان من أجل تسهيل إقامة حوار خليجي – إيراني هي خطوة شجاعة على طريق «بناء السلام» في الخليج والبحر الأحمر، وقد استطاعت هذه الدبلوماسية، تحقيق نجاحين خلال الأسابيع الأخيرة. الأول تمثل في الاتفاق مع إيران على قواعد ترسيم مسار آمن للملاحة في مضيق هرمز، وطريقة إدارته، على الرغم من الصعوبات البالغة في المفاوضات مع إيران، والتهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترهيب العمانيين، ومحاولة فرض سياسته تجاه إيران عليهم. النجاح الثاني يتمثل في إقناع الدول الخليجية من حيث المبدأ بقبول صيغة للحوار بشأن تحرير الملاحة في المضيق وإخراج صادراتها النفطية من الخناق الذي تعاني منه، على أساس الاتفاق الموقع بين السلطنة وإيران. ولا أظن أن تأجيل اللقاء الذي كان متوقعا في صلالة يوم الإثنين الماضي، يمثل نكسة لدبلوماسية بناء السلام. وربما يحتاج الأمر إلى بعض الوقت لتحقيق التوافق بين وجهات النظر الخليجية، خصوصا في ما يتعلق بإقناع البحرين بالمشاركة حتى يكون الاتفاق بواسطة مجلس التعاون الخليجي جماعيا من دون استثناء. ومن المرجح أن الأطراف المدعوة لهذا الحوار تأخذ في اعتبارها عددا من الأهداف السياسية المهمة. إيران على سبيل المثال تشترط لفتح المضيق، إنهاء الحصار البحري والعقوبات النفطية من جانب الولايات المتحدة، وليس مجرد موافقة الدول الخليجية على الاتفاق. كما أن الاتفاق على الصيغة العمانية يعني ثلاث نتائج مهمة في وقت واحد: الأولى هي تحويل صيغة الاتفاق بخصوص الملاحة في المضيق من مجرد اتفاق ثنائي عماني – إيراني إلى اتفاق متعدد الأطراف تؤيده وتلتزم به دول مجلس التعاون الخليجي الست، إضافة إلى العراق وإيران. النتيجة الثانية هي إرساء صيغة لحوار ثُماني بين دول مجلس التعاون الست وكل من العراق وإيران، ما قد يتطور بعد ذلك من «حوار الموضوع الواحد» إلى حوار متعدد المحاور، يرتبط بوضع أساس نظام جديد للأمن الإقليمي. أما النتيجة الثالثة فهي نزع أي مبررات لاستمرار التدخل العسكري الأمريكي في مضيق هرمز بذريعة تحرير حركة الملاحة، وهي ذريعة تخالف حقيقة الوضع الذي كان قبل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، حين كانت الملاحة مفتوحة وآمنة.
ويمكن القول إن تأجيل اجتماع صلالة، لا يعود فقط إلى الموقف البحريني، وإنما قد يعود أيضا إلى موقف سعودي، احتجاجا على الهجوم الحوثي الذي استهدف مستودعات الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة في قاعدة شرورة العسكرية القريبة من اليمن يوم الأحد الماضي (اليوم السابق للاجتماع). ومن المعروف أن السعودية تحمِّل إيران مسؤولية هجمات الحوثيين، في حين أن طهران تنكر ذلك تماما. الجديد في المتغيرات المحيطة بالمبادرة العمانية هو أن حكومة أنصار الله في صنعاء (الحوثيين)، وهي حكومة غير شرعية في نظر القانون الدولي، ربما أرادت فرض موضوع أمن الملاحة في مضيق باب المندب على اجتماع صلالة لتحقيق مكاسب سياسية، تتعلق أولا بشرعيتها الدولية، وثانيا بإعادة تصويب علاقاتها مع السعودية. وربما رأت حكومة صنعاء أن هذه المكاسب السياسية يمكن أن تتحقق ضمن إطار إقليمي بفرض أزمة الملاحة في باب المندب على جدول أعمال الاجتماع، والحصول على اعتراف إقليمي بأن صنعاء شريك في ترتيبات أمن الممرات البحرية بقوة الأمر الواقع، بعد التقدم الذي أحرزته قواتها وسيطرتها على ميناء المخا التاريخي وجزيرة ميون الاستراتيجية والجزر الأخرى التي توجد في مدخل المضيق.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/09/16 الساعة 00:00