انتخابات نزيهة في ديمقراطية مزيّفة

جمال زحالقة
نيسان ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 00:00
بعد التسجيل الرسمي للقوائم الانتخابية، الأسبوع الماضي، اتضحت أكثر صورة التنافس في انتخابات الكنيست الإسرائيلية، التي من المقرر أن تجري يوم 27.10.2026. وقد سُجّلت 38 قائمة وفقط 12 منها، وربما أقل، قادرة على اجتياز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات، التي قد تصل بتقديري، إلى عتبة تقارب 175 ألف صوت، تبعا لنسبة التصويت المتوقعة. وقد اضطرت بعض الأحزاب الصغيرة إلى إقامة تحالفات انتخابية، أملا في تجاوز عتبة الحسم العالية نسبيا، ما زاد المشهد الانتخابي تعقيدا.
وتدور المعركة الانتخابية الحالية بين معسكرين؛ الأول معسكر نتنياهو، المكوّن من حزب الليكود برئاسته، والأحزاب التي تدور في فلكه: الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش، والعظمة اليهودية برئاسة إيتمار بن غفير، وشاس برئاسة أرييه درعي، واليهودية التوراتية برئاسة يعقوب آشير، وشعبك إسرائيل بقيادة عوفير فينتر، وهو الحزب الوحيد المكوّن بالكامل من وجوه جديدة. وفي الجهة الأخرى، هناك أربعة أحزاب في معسكر «ضد نتنياهو»، وهي: «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت، و«بياحاد» برئاسة نفتالي بينيت، وإسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب الديمقراطيين برئاسة يئير غولان.
إضافة إلى ذلك، هناك قائمتان عربيتان؛ الأولى هي القائمة المشتركة، وتضم ثلاثة أحزاب: الجبهة برئاسة البروفيسور يوسف جبارين، والتجمع برئاسة سامي أبو شحادة، والعربية للتغيير برئاسة د. أحمد الطيبي. أما القائمة الثانية فهي القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، التي تعلن نيتها الانضمام إلى الائتلاف بعد الانتخابات. الأحزاب كثيرة، والمنافسة شديدة، والكل ينتظر نتائج صناديق الاقتراع لحسم شكل الحكومة «ديمقراطيا». لكن نظرة أكثر تفحصا تُبرز عمق التناقض بين الإجراءات الانتخابية «السليمة» وحالة «الديمقراطية المعطوبة» التي يتميز بها نظام الحكم في إسرائيل. يمكن النظر إلى الحدث الانتخابي في إسرائيل في سياقين تاريخيين.
أولهما الموقع، فبناية الكنيست، التي جرى تقديم القوائم فيها، وهي مقر البرلمان الإسرائيلي، تقع في المنطقة الجنوبية لقرية الشيخ بدر، التي جرى تدميرها وتهجير أهلها عام 1948، وقد بُنيت الكنيست فوق قطعة أرض تابعة لبطريركية الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية. بعد النكبة، استأجرتها إسرائيل بثمن زهيد من البطريركية لمدة طويلة، ثم قامت لاحقا بشرائها بثمن زهيد أيضا. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الطائفة العربية المسيحية الأرثوذكسية لا تعترف بهذه الصفقة ومثيلاتها، وتعتبر أملاك الكنيسة ملكا للطائفة في فلسطين.
إسرائيل، في حقيقتها، مشروع استعماري أقام نظام أبرتهايد يتحكم بمصير اليهود الإسرائيليين وبمصير الشعب الفلسطيني. هو ليس نسخة طبق الأصل عن نظام الأبرتهايد في جنوب افريقيا، لكنه بالتأكيد من العائلة نفسها
وثانيهما أن تبجّح إسرائيل بأنها «واحة ديمقراطية» في صحراء من الأنظمة الشمولية تنسفه الحقائق التاريخية. فقد عارضت الحركة الصهيونية بشدة، على امتداد فترة الانتداب البريطاني، إجراء انتخابات تشريعية يشارك فيها جميع السكان بلا تمييز. والسبب بسيط: كان اليهود أقلية، ما يعني أن الانتخابات، لو جرت، كانت ستفرز مجلسا تشريعيا ذا أغلبية عربية معارضة للمشروع الصهيوني. وفي المقابل، جرت إدارة الشؤون الداخلية للحركة الصهيونية بشكل «ديمقراطي» يعتمد التعددية والانتخابات.
عشية النكبة، أصرت القيادة الصهيونية على إقامة دولة «يهودية وديمقراطية»، وهي معادلة لم يكن من الممكن تحقيقها في الواقع الديمغرافي القائم آنذاك إلا بتهجير الفلسطينيين. فاعتماد الديمقراطية وفق مبدأ حكم الأغلبية كان سينتج دولة غير يهودية بحكم الأغلبية العربية، والسعي إلى دولة يهودية كان سيقود إلى نظام لا يقوم على حكم الأغلبية السكانية. أما «الدولة اليهودية الديمقراطية»، فلم يكن تحقيقها ممكنا إلا بتغيير التركيبة السكانية عبر التهجير، للوصول إلى أغلبية يهودية. لقد أُنشئت «الديمقراطية الإسرائيلية» بعد تهجير الفلسطينيين وتغيير التوازن الديمغرافي، وخلق أغلبية يهودية. إنها، بهذا المعنى، ديمقراطية قائمة على الترانسفير. والشعب الفلسطيني ليس ضحية المسعى لإقامة وطن قومي ودولة يهودية فحسب، بل هو، في الوقت ذاته، ضحية المسعى لتشييد صرح «الديمقراطية الإسرائيلية». ظاهريا، ومن الناحية الإجرائية، تبدو «الديمقراطية الإسرائيلية» على ما يرام؛ فهناك حرية تشكيل القوائم الانتخابية، ودعاية حرة، ورقابة قضائية، وتنافس مفتوح، والأغلبية هي التي تشكل الحكومة. لكن هذا المشهد يخفي حقيقة أساسية وراء مظهر «حكم الشعب»، وهي أنه جرى أولا تغيير تركيبة الشعب، وتحويل الأقلية اليهودية إلى أكثرية في الدولة، وعلى هذا الأساس، وعلى مدى عقود بعد النكبة، جرت وتجري انتخابات في إسرائيل.
وفي إطار النظام الإسرائيلي، يجري بشكل «ديمقراطي» تنفيذ إبادة جماعية، وتدمير شامل، وتهجير قسري، وفرض الاحتلال، والاستيطان. وكلها قرارات تتخذها حكومة وكنيست منتخبان، بعد نقاش وتصويت في هيئات منتخبة. إنها ديمقراطية داخل الجماعة المهيمنة، وسلطة استعمارية عدوانية تجاه الشعب الفلسطيني؛ ديمقراطية لمن يقرر، لا لمن يقع عليه القرار. المشهد الإسرائيلي خادع ومخادع: ظاهريا «نظام ديمقراطي»، وجوهريا نظام استعماري استيطاني إحلالي إجرامي. وهل هناك فرق جوهري بين جريمة إبادة يرتكبها نظام ديكتاتوري وأخرى يرتكبها نظام «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، كما تنعت إسرائيل نفسها؟ إن إسرائيل، في حقيقتها، مشروع استعماري أقام نظام أبرتهايد يتحكم بمصير اليهود الإسرائيليين وبمصير الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات. هو ليس نسخة طبق الأصل عن نظام الأبرتهايد في جنوب افريقيا، لكنه بالتأكيد من العائلة نفسها.
ومع ذلك، تبقى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في أكتوبر المقبل مهمة. هي لن تغيّر طبيعة النظام ولا سياساته الكبرى، لكنها قد تؤثر في مدى التمادي في استهداف الشعب الفلسطيني، وفي تنفيذ مشاريع محاصرة وجوده، والتهجير والقتل والتدمير. هذه «تفاصيل» مهمة، مهما كان قربها أو بعدها من متن المشروع السياسي الإسرائيلي، الذي يحظى بإجماع الأحزاب الصهيونية المشاركة في الانتخابات. وتؤثر هذه «التفاصيل» بالتأكيد في حياة ملايين الفلسطينيين، فالإفراج عن مليارات الدولارات التي تحتجزها إسرائيل، على سبيل المثال، سيكون مفيدا لمئات الآلاف من العائلات الفلسطينية التي تعاني من تقليص الأجور وشح الموارد. وهناك احتمال لأن تتغير أمور أخرى في حال تغيّرت الحكومة الحالية، في مجالات مثل مشاريع الضم والتهجير وتوسيع الاستيطان. هذا ليس مؤكدا، لكنه ممكن. أما عودة الحكومة الحالية، فستعني استمرار السياسات الكارثية المدمّرة التي ألحقت دمارا وأضرارا واسعة بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
ويمكن تلخيص التحولات في الخريطة السياسية خلال السنوات الأخيرة، ورغم كثرة الأحزاب وتباين مواقفها، بأن مركز الثقل في السياسة الإسرائيلية قد انزاح نحو اليمين. وكان هذا الانزياح حادا بعد وصول حكومة اليمين المتطرف إلى السلطة عام 2022، وأصبح أكثر حدة بعد السابع من أكتوبر 2023. والمفارقة أن طغيان التطرف لم يؤد إلى زيادة قوة ائتلاف نتنياهو، الذي لديه اليوم 68 عضوا في الكنيست، فيما تعطيه الاستطلاعات نحو 52 مقعدا فقط. ويعود ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى وجود كتلة انتخابية كبيرة تحمّل نتنياهو مسؤولية سياسية عن إخفاق السابع من أكتوبر، ولا تزال ترفض اندفاعه نحو إحداث تغييرات جذرية في الجهاز القضائي، كما أنها مستاءة من تعامله المتساوق مع الأحزاب الدينية بكل ما يخص الإعفاء من التجنيد وضخ الميزانيات.
في الماضي، دار الصراع السياسي في إسرائيل بين معسكرين: اليمين الإسرائيلي، وفي مركزه حزب الليكود، من جهة، واليسار الصهيوني، ومحوره حزب العمل، من جهة أخرى. أما التغيير الكبير الذي طرأ على إسرائيل في السنوات الأخيرة فهو تلاشي قوة اليسار الصهيوني، المتمثل اليوم في حزب «الديمقراطيين» بقيادة الجنرال في الاحتياط يئير غولان، الذي صار عمليا جزءا ملحقا بالمعسكر المناهض لنتنياهو، الذي يقوده ليبرمان وبينيت وآيزنكوت، الذين يتنافسون على قيادة مرحلة ما بعد نتنياهو. وتشير الخريطة الحزبية الحالية إلى أن الخلاف المركزي بين معظم الأحزاب اليهودية لا يدور حول إنهاء السيطرة على الشعب الفلسطيني، بقدر ما يدور حول كيفية إدارتها، وحدود استخدام القوة، والعلاقة بين الجيش والسياسة، ومكانة القضاء، وقضية تجنيد الحريديم، وشخص بنيامين نتنياهو ومستقبله السياسي. وهناك، بالطبع، فروق حقيقية بين الأحزاب في هذه القضايا، وفي الموقف من السلطة الفلسطينية والاستيطان والضم والحرب، لكنها لا تصل، لدى معظم القوى المركزية، إلى طرح بديل سياسي جدي، أو إلى مشروع واضح لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق المساواة لفلسطينيي الداخل.
وهنا تكمن المفارقة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، المنافسة حقيقية، والأصوات حقيقية، والفرز حقيقي، لكن الديمقراطية نفسها غير حقيقية حين يُنظر إليها من زاوية الشعب الفلسطيني، الضحية المباشرة لهذه «الديمقراطية» أو من زاوية الحكم الموضوعي على جوهر الديمقراطية لا على شكلها الخارجي فقط.
لا يمكن اختزال طبيعة النظام الإسرائيلي في صناديق الاقتراع، فهو يتعامل مع نتائج «التصويت الديمقراطي» بوصفها تفويضا لاتخاذ قرارات أبعد ما تكون عن الديمقراطية، وتمس شعبا آخر لا يشارك في اختيار السلطة التي تقرر مصيره. وعليه، عند متابعة الانتخابات الإسرائيلية، ينبغي النظر إلى جوهر النظام وما ينتجه من علاقات قوة وسيطرة، لا إلى مظهر الإجراءات ونزاهة الانتخابات وحده. وهنا تحديدا تتجسد المفارقة: قد تكون انتخابات نزيهة لكنّا تجري في إطار ديمقراطية مزيّفة.
كاتب وباحث فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/09/17 الساعة 00:00