النقد في العصر الرقمي..تحولات النص وسلطة الناقد
نيسان ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 00:00
تنهض التجربة النقدية الرقمية على فضاء مفتوح تتداخل فيه النصوص والوسائط والخوارزميات، بما يجعل المعنى نتاجا تفاعليا، فلم يعد المُؤلف هو مالك الدلالة ومسيرها، كما لم يعد المُتلقي مُستهلكا أو قارئا للنصوص وحسب، بل شريكا في الإنتاج، حتى أن الوسيط لديه دور فاعل في تسيير الحدث وتوجيه التجربة الأدبية.
وبالتالي فإن المعنى في زمن الرقمنة فعل جماعي تشاركي بين المُرسل والمُتلقي تُنظمه وتحركه خوارزميات؛ والتفاعل الحاصل بينهما يفرض رؤية خاصة في المفاهيم، باعتبارها متحركة لا تخضع إلى ثبات أو استقرار.
غير أن المُلاحظ منذ البداية، أن الدرس النقدي لم يُساير العصر الرقمي؛ لأن «الناقد الذي يتوسل أدوات تقنيات التواصل لا يقرأ الأدب إلا داخل دوائر النقد التقليدي، فهو يُصنفه وفق الأجناس والمذاهب الأدبية المعروفة من قبل، وهو كذلك يستخدم إجراءات المناهج النقدية المألوفة التي تُحاول إخضاع النص الأدبي لسلطانها، والشاهد هنا أن الدرس النقدي لم يتأقلم مع الرقمي الذي يتجاوز النص الأدبي فيه معايير الشعرية التقليدية عدا اللغة التي ستظل الفاعل المُهيمن في الأدب التقليدي والأدب الرقمي كذلك»؛ فالمقاربات التقليدية/الكلاسيكية التي تخوض في النص الرقمي تكون عاجزة للوصول إلى المعنى، لأن بينهما هوة واسعة، وشرخ يعترض التحليل، ومن ثم الفشل الذريع في إدراك جوهر النص الرقمي، كون الأدب الرقمي لا يعتمد على الشعرية الكامنة داخل الحرف، وإنما يتعداها إلى شعرية أخرى، هي شعرية تناغم الحرف مع التقنية وامتزاجهما، بحيث يكتمل داخلها، وبعباءتها.
وهذا ما يؤدي حتما إلى ضعف سلطة الناقد الرقمي بضعف ميكانيزماته، وتعلو في المُقابل سلطة القارئ اللامتخصص، وتتشابك الآراء وتختلف تبعا للانقسام الحاصل بين النقاد، فيذهب البعض إلى القول بإمكانية تطبيق المناهج التقليدية، من المناهج السياقية إلى المناهج النسقية، إلى ما بعدهما وهي مناهج ما بعد الحداثة (نظرية القراءة والتلقي، والتفكيكية، والنقد الثقافي)، باعتبار حضور بعض المصطلحات التي تُساعده على ولوج الأدب الرقمي ونقده، ويقول في ذلك السيد نجم: «يتفق النقد الرقمي مع النقد الأدبي في كونه:
– يرفض أحكام القيمة، أي إطلاق الحكم المطلق بأن العمل سيئ أو جيد، بل يعتمد على التحليل وإبراز مواطن القوة ومواطن الضعف، من دون إصدار أحكام نهائية.
– في تنسيب العمل الإبداعي الرقمي كأن يكون العمل رومانسيا أو واقعيا أو اجتماعيا.
أما عن نقاط الافتراق بين النقد الرقمي والنقد الأدبي، والتي تُشكل بالمُقابل القطيعة بين المفهومين، يقول السيد نجم: «ولا يتفق مع النقد الأدبي السردي في:
– تنسيب العمل الإبداعي الرقمي إلى مدرسة ما مثل البنيوية والشكلانية والتفكيكية تلك التي تعتمد على الأسلوب أي الكلمة وتركيبها». اِقتصرت سلطة الناقد في السياقات التقليدية في تحديد قيمة النصوص من خلال القراءة الصحيحة لها، والمقبولة منهجيا، وقد كانت المقالات النقدية والدراسات الأكاديمية وسيطا بين النص والقارئ، وتحولت سلطة الناقد في البيئة الرقمية بفعل عدة عوامل، نذكر أهمها: أفول السلطة التقليدية؛ فلم يعد القارئ ناقدا أكاديميا بالضرورة، بل توزعت القراءة على القراء باختلاف الرؤى، إضافة إلى التحول من الخطاب أحادي الصوت إلى الخطاب التفاعلي
ويذهب إدموند كوشو، إلى القول إنه على الناقد الرقمي أن يقبل بالدخول التام في لعبة التحاور الذي يطرحه المبدع الرقمي، تحاورا بكل ما في الكلمة من معنى أن يُعايش الفنان والمؤلف الرقمي، أن يختلط به، فهو يُركز على ضرورة تجاوز الناقد للأدوار التقليدية التي كانت قائمة على المسافة النقدية أو الموضوعية الخارجية، ليتحول إلى طرف فاعل في بنية الإبداع الرقمي نفسها؛ من خلال الانخراط الكلي في «لعبة التحاور» التي يدعو إليها المُبدع الرقمي؛ هذا التحاور لا يُفهم بوصفه تبادلا شكليا أو سطحيا للآراء، بل كفعل تواصلي عميق يستوجب التفاعل مع بنية النص الرقمي، ومع أساليبه التفاعلية ومع لغته المُتحررة، بما يعني أن الناقد لم يعد مُراقبا – إن صح القول- بل إنه شريك في التجربة؛ أي أن يعيش حالته الإبداعية وأن ينخرط في أُفقه المعرفي والتقني، لأن الأعمال الرقمية بخلاف الأعمال التقليدية تُبنى على التفاعل الآني.
وهنا، يُصبح التحاور فعلا مركزيا يعمل على تشكيل مفهوم القراءة النقدية، مُقدما أطروحة نقدية مفادها أن النقد الرقمي لا يُمكن أن يُمارس بأدوات النقد الكلاسيكي، بل يحتاج إلى إعادة تشكيل للذهنية النقدية نفسها؛ من خلال الانخراط الوجودي والمعرفي والتقني في منطق الإبداع الرقمي.
كاتبة جزائرية
وبالتالي فإن المعنى في زمن الرقمنة فعل جماعي تشاركي بين المُرسل والمُتلقي تُنظمه وتحركه خوارزميات؛ والتفاعل الحاصل بينهما يفرض رؤية خاصة في المفاهيم، باعتبارها متحركة لا تخضع إلى ثبات أو استقرار.
غير أن المُلاحظ منذ البداية، أن الدرس النقدي لم يُساير العصر الرقمي؛ لأن «الناقد الذي يتوسل أدوات تقنيات التواصل لا يقرأ الأدب إلا داخل دوائر النقد التقليدي، فهو يُصنفه وفق الأجناس والمذاهب الأدبية المعروفة من قبل، وهو كذلك يستخدم إجراءات المناهج النقدية المألوفة التي تُحاول إخضاع النص الأدبي لسلطانها، والشاهد هنا أن الدرس النقدي لم يتأقلم مع الرقمي الذي يتجاوز النص الأدبي فيه معايير الشعرية التقليدية عدا اللغة التي ستظل الفاعل المُهيمن في الأدب التقليدي والأدب الرقمي كذلك»؛ فالمقاربات التقليدية/الكلاسيكية التي تخوض في النص الرقمي تكون عاجزة للوصول إلى المعنى، لأن بينهما هوة واسعة، وشرخ يعترض التحليل، ومن ثم الفشل الذريع في إدراك جوهر النص الرقمي، كون الأدب الرقمي لا يعتمد على الشعرية الكامنة داخل الحرف، وإنما يتعداها إلى شعرية أخرى، هي شعرية تناغم الحرف مع التقنية وامتزاجهما، بحيث يكتمل داخلها، وبعباءتها.
وهذا ما يؤدي حتما إلى ضعف سلطة الناقد الرقمي بضعف ميكانيزماته، وتعلو في المُقابل سلطة القارئ اللامتخصص، وتتشابك الآراء وتختلف تبعا للانقسام الحاصل بين النقاد، فيذهب البعض إلى القول بإمكانية تطبيق المناهج التقليدية، من المناهج السياقية إلى المناهج النسقية، إلى ما بعدهما وهي مناهج ما بعد الحداثة (نظرية القراءة والتلقي، والتفكيكية، والنقد الثقافي)، باعتبار حضور بعض المصطلحات التي تُساعده على ولوج الأدب الرقمي ونقده، ويقول في ذلك السيد نجم: «يتفق النقد الرقمي مع النقد الأدبي في كونه:
– يرفض أحكام القيمة، أي إطلاق الحكم المطلق بأن العمل سيئ أو جيد، بل يعتمد على التحليل وإبراز مواطن القوة ومواطن الضعف، من دون إصدار أحكام نهائية.
– في تنسيب العمل الإبداعي الرقمي كأن يكون العمل رومانسيا أو واقعيا أو اجتماعيا.
أما عن نقاط الافتراق بين النقد الرقمي والنقد الأدبي، والتي تُشكل بالمُقابل القطيعة بين المفهومين، يقول السيد نجم: «ولا يتفق مع النقد الأدبي السردي في:
– تنسيب العمل الإبداعي الرقمي إلى مدرسة ما مثل البنيوية والشكلانية والتفكيكية تلك التي تعتمد على الأسلوب أي الكلمة وتركيبها». اِقتصرت سلطة الناقد في السياقات التقليدية في تحديد قيمة النصوص من خلال القراءة الصحيحة لها، والمقبولة منهجيا، وقد كانت المقالات النقدية والدراسات الأكاديمية وسيطا بين النص والقارئ، وتحولت سلطة الناقد في البيئة الرقمية بفعل عدة عوامل، نذكر أهمها: أفول السلطة التقليدية؛ فلم يعد القارئ ناقدا أكاديميا بالضرورة، بل توزعت القراءة على القراء باختلاف الرؤى، إضافة إلى التحول من الخطاب أحادي الصوت إلى الخطاب التفاعلي
ويذهب إدموند كوشو، إلى القول إنه على الناقد الرقمي أن يقبل بالدخول التام في لعبة التحاور الذي يطرحه المبدع الرقمي، تحاورا بكل ما في الكلمة من معنى أن يُعايش الفنان والمؤلف الرقمي، أن يختلط به، فهو يُركز على ضرورة تجاوز الناقد للأدوار التقليدية التي كانت قائمة على المسافة النقدية أو الموضوعية الخارجية، ليتحول إلى طرف فاعل في بنية الإبداع الرقمي نفسها؛ من خلال الانخراط الكلي في «لعبة التحاور» التي يدعو إليها المُبدع الرقمي؛ هذا التحاور لا يُفهم بوصفه تبادلا شكليا أو سطحيا للآراء، بل كفعل تواصلي عميق يستوجب التفاعل مع بنية النص الرقمي، ومع أساليبه التفاعلية ومع لغته المُتحررة، بما يعني أن الناقد لم يعد مُراقبا – إن صح القول- بل إنه شريك في التجربة؛ أي أن يعيش حالته الإبداعية وأن ينخرط في أُفقه المعرفي والتقني، لأن الأعمال الرقمية بخلاف الأعمال التقليدية تُبنى على التفاعل الآني.
وهنا، يُصبح التحاور فعلا مركزيا يعمل على تشكيل مفهوم القراءة النقدية، مُقدما أطروحة نقدية مفادها أن النقد الرقمي لا يُمكن أن يُمارس بأدوات النقد الكلاسيكي، بل يحتاج إلى إعادة تشكيل للذهنية النقدية نفسها؛ من خلال الانخراط الوجودي والمعرفي والتقني في منطق الإبداع الرقمي.
كاتبة جزائرية
نيسان ـ نشر في 2026/09/19 الساعة 00:00