عن التسول بالذكاء الاصطناعي

نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00
‏ طلب المال من الغرباء لم يعد رصيفًا مزدحمًا أو مواجهة مباشرة بين المحتاجين ومن يمكنهم المساعدة؛ لقد تغيرت قواعد اللعبة ‏‏وتطورت لكن التسول لا يزال تسولًا حتى لو تغيرت عناصره وأدواته.‏
من مرض وهمي يجمع مئات الآلاف إلى حسابات تتسول المساعدة تحت منشورات لا علاقة لها بالتبرعات.. كيف نقلت منصات ‏‏التواصل الاجتماعي طلب المال من الشارع إلى الفضاء الرقمي العابر للحدود وكيف يجعل الذكاء الاصطناعي من الصعب التمييز بين ‏‏الحاجة الحقيقية والخداع؟
منصات التواصل الاجتماعي والتمويل الجماعي غيرت هذه المعادلة. الآن يمكنك الوصول إلى آلاف الأشخاص في ساعات مع قصة ‏‏إنسانية أو صورة أو مقطع فيديو ووسيلة إلكترونية لتحويل المال.‏
في أبسط صور الظاهرة، يظهر تعليق تحت منشور لا علاقة له بالعمل الخيري، يطلب صاحبه مساعدة أسرته أو علاج طفل ويدعو المستخدم إلى زيارة حسابه. وفي صور أكثر تعقيداً، تمتد القصة لأسابيع أو شهور، مدعومة بصور من المستشفى وتحديثات وتقارير طبية وشهادات من المحيطين بالحالة، إلى أن تتكون لدى الجمهور علاقة شبه شخصية مع صاحبها.
هذه الأدوات ساعدت بالفعل حالات إنسانية حقيقية على الوصول إلى متبرعين لم يكن بإمكانها الوصول إليهم من قبل.
لكن البنية الرقمية نفسها أتاحت مجالاً لاستثمار المشاعر، حيث يمكن للقصة الإنسانية أن تتحول إلى أداة لجمع الأموال بصرف النظر عن مدى صحتها.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد التعاطف»، حيث تصبح الثقة والعاطفة والوصول إلى الجمهور عناصر ذات قيمة مالية.
ولا يوجد تصنيف إحصائي عالمي موحد يسمى «التسول الإلكتروني». فالجهات الأمنية والتنظيمية توزع هذه الممارسات بين الاحتيال الإلكتروني، والاحتيال الخيري، والتمويل الجماعي الاحتيالي، والتسول، وجمع التبرعات دون ترخيص، وانتحال الهوية.
لذلك لا يمكن اختزال الظاهرة في رقم عالمي واحد، لكن الأرقام الرسمية والقضايا القضائية والدراسات الأكاديمية تكشف حجم البيئة التي تتحرك داخلها.
40 مليار دولار.. اقتصاد المساعدة
تقول منصة «غو فاند مي» إن الأفراد والمنظمات غير الربحية جمعوا عبرها أكثر من 40 مليار دولار منذ تأسيسها في 2010، وإن المنصة شهدت نحو 79 مليون عملية تبرع خلال 2025.
هذه ليست أموالاً احتيالية، لكنها تكشف حجم سوق التمويل الجماعي وقدرته على نقل قصة شخص مجهول إلى جمهور عالمي خلال وقت قصير.
وهذا الحجم نفسه يفسر جاذبيته للمحتالين، فحين يعتمد جمع المال على قصة يرويها شخص لغرباء، تصبح الثقة جزءاً أساسياً من العملية المالية.
وتقول «غو فاند مي» إنها تستخدم فرقاً للثقة والسلامة وتقنيات للتحقق والتحقيق في البلاغات، كما تتيح في ظروف محددة طلب استرداد التبرعات عند ثبوت إساءة استخدامها.
لكن المعضلة تبقى قائمة: كيف يمكن التحقق من ملايين القصص الشخصية بسرعة من دون تعطيل الحالات العاجلة؟
وخلال عام 2024، تلقى مركز شكاوى جرائم الإنترنت «آي سي 3» التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي أكثر من 4,500 شكوى مرتبطة بجمعيات خيرية احتيالية وحسابات تمويل جماعي وحملات إغاثة مزيفة، بخسائر تقارب 96 مليون دولار.
الرقم لا يمثل الحجم الكامل للظاهرة، بل الخسائر التي أبلغ عنها ووصلت إلى المركز، أي أنه رقم مرصود، لا تقدير شامل لما يحدث فعلياً.
2.1 مليار دولار.. عندما تبدأ الخديعة من السوشيال ميديا
وتتسع الصورة عند النظر إلى الاحتيال عبر منصات التواصل عموماً.
تشير بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية إلى أن نحو 30 في المئة ممن أبلغوا عن خسارة أموال بسبب الاحتيال خلال 2025 قالوا إن العملية بدأت عبر منصة اجتماعية، فيما بلغت الخسائر المبلغ عنها نحو 2.1 مليار دولار.
هذا الرقم لا يتعلق بالتسول الإلكتروني وحده، لكنه يكشف الدور الذي أصبحت منصات التواصل تؤديه كبوابة أولى للخداع المالي.
فالمنصة تمنح المحتال جمهوراً واسعاً، وهوية رقمية قابلة للبناء بمرور الوقت، ووسائل دفع تختصر المسافة بين التأثر وتحويل المال.
سرطان لم يكن موجوداً
المرض، وخصوصاً السرطان، يتكرر في قضايا الاحتيال المرتبطة بالتبرعات، فالأميركية أماندا كريستين رايلي قدمت نفسها منذ 2012 باعتبارها مصابة بسرطان الغدد الليمفاوية من نوع هودجكن، واستخدمت وسائل التواصل ومدونة شخصية لنشر تفاصيل ما وصفته برحلة العلاج.
لكن التحقيقات أثبتت أنها لم تكن مصابة بالسرطان.
وبحسب وزارة العدل الأميركية، حلقت رايلي شعرها، وزورت سجلات وخطابات طبية، وبنت على مدار سنوات قصة بدت حقيقية للمحيطين بها والمتبرعين.
وحددت السلطات 349 شخصاً وجهة قدموا لها 105,513 دولاراً، قبل الحكم عليها بالسجن خمس سنوات وإلزامها برد الأموال.
وفي ولاية ألاباما، ادعت جينيفر فلين كاتالدو إصابتها بسرطان في مرحلة نهائية، وحصلت على 264,163 دولاراً قبل أن تقر بالذنب في تهمتي الاحتيال الإلكتروني والمصرفي.
وفي قضية أخرى، ادعت فيدوتي هوبراج إصابتها بسرطان دم في مرحلة نهائية، وأنشئت حملتان على «غو فاند مي» لمصلحتها، وقال الادعاء إنها حصلت على أكثر من 50 ألف دولار من أكثر من 300 شخص.
وفي أستراليا، استخدمت لوسي ويلاند إنستغرام ومدونة شخصية لتوثيق معركة وهمية مع سرطان المبيض، وجمعت نحو 55 ألف دولار أسترالي قبل أن تقر بالذنب ويحكم عليها بالسجن عامين.
ما يجمع هذه الحالات ليس المرض فقط، بل طريقة بناء المصداقية: صور، تحديثات، تفاصيل طبية، تفاعل اجتماعي، ثم طلب المال.
20 دولاراً صنعت 400 ألف
وليس المرض شرطاً لصناعة القصة، في 2017، قالت كايتلين مكلور إن جوني بوبيت، وهو رجل مشرد ومحارب سابق، أنفق آخر 20 دولاراً يملكها لشراء الوقود لها بعدما تعطلت سيارتها قرب فيلادلفيا.
أنشأت مكلور وشريكها مارك داميكو حملة لمساعدة بوبيت بهدف أولي قدره 10 آلاف دولار، وجمعت الحملة نحو 400 ألف دولار من أكثر من 14 ألف متبرع، ثم تبين أن القصة الرئيسية لم تحدث.
لم ينفد الوقود، ولم ينفق بوبيت آخر 20 دولاراً لإنقاذها، والقصة التي كان هدفها 10 آلاف دولار أنتجت 400 ألف.
560 ألف دولار لعيادات لم تكن موجودة
في نيويورك، قدم بافيل بيليتسكي نفسه باعتباره يدير عيادات طبية في بيروت ويحتاج إلى الأموال لشراء الأدوية والمعدات.
وبحسب وزارة العدل الأميركية، جمع أكثر من 560 ألف دولار من أكثر من 350 شخصاً.
وقالت السلطات إن العيادات لم تكن موجودة بالشكل الذي قدمه للمتبرعين، وإن جانباً من الأموال استخدم في نفقات شخصية.
وأقر بيليتسكي بالذنب، قبل أن يحكم عليه في 2025 بالسجن خمس سنوات.
القضية تكشف نموذجاً مختلفاً: المحتال لا يحتاج إلى القول «أنا مريض»، فقد يقول «أنا أعالج المرضى».
187 مليون دولار باسم السرطان
في 2015، تحركت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية وجهات إنفاذ القانون في الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة ضد أربع مؤسسات قدمت نفسها باعتبارها جمعيات لمساعدة مرضى السرطان.
وقالت الجهات التنظيمية إن تلك المؤسسات حصلت على أكثر من 187 مليون دولار.
وبحسب اللجنة، قيل للمتبرعين إن الأموال ستذهب إلى مرضى السرطان، بينما استفاد منها في معظمها القائمون على المؤسسات وأفراد أسرهم وأصدقاؤهم وشركات جمع الأموال.
وتظهر القضية أن استغلال التعاطف لا يحتاج إلى حساب مجهول، بل يمكن أن يأتي عبر مؤسسة تبدو رسمية.
18 مليون دولار.. وسنت واحد
وفي قضية أخرى، قالت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية وعشر ولايات إن مؤسسة «وومنز كانسر فاند» جمعت أكثر من 18 مليون دولار بين 2017 و2022، بينما ذهب نحو سنت واحد فقط من كل دولار إلى المساعدة المباشرة التي جرى الترويج لها.
وتبقى هذه الوقائع منسوبة إلى الشكوى التنظيمية، وليست حكماً جنائياً نهائياً.
25 مليون دولار خارج إطار المرض
وجمعت حملة «وي بيلد ذا وول» أكثر من 25 مليون دولار من مئات الآلاف من المتبرعين، وقال الادعاء الأميركي إن أموالاً جرى تحويلها إلى بعض القائمين على الحملة خلافاً لما أبلغ به المتبرعون، وإن برايان كولفاج حصل على أكثر من 350 ألف دولار للاستخدام الشخصي.
ورغم أن القضية لا تتعلق بالتسول التقليدي، فإنها تكشف الآلية نفسها: قصة، وثقة، وجمهور، ثم أموال تتحرك بسرعة.
مصر.. أربعة ملايين جنيه قيد التحقق
في مصر، ظهرت خلال 2026 قضية دنيا فؤاد، التي ظهرت عبر وسائل التواصل بقصة إصابتها بالسرطان قبل أن تصبح موضع بلاغات وتحقيقات تتعلق بجمع التبرعات.
وقالت الصحفية ندى الجبالي، التي ذكرت أنها كانت من داعمي الحالة في البداية، إن فؤاد جمعت أكثر من أربعة ملايين جنيه، وإن متبرعاً واحداً حول لها 350 ألف جنيه.
كما قالت إن تقارير طبية اطلعت عليها أظهرت عدم وجود أورام خبيثة وعدم خضوع فؤاد للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي.
لكن رقم الأربعة ملايين جنيه لم يصدر باعتباره حصيلة نهائية رسمية، ولم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة، لذلك يبقى منسوباً إلى الجبالي.
كما نقلت وسائل إعلام مصرية عن مصادر مرتبطة بالتحقيقات أن الفحص امتد إلى الحسابات والتحويلات وممتلكات قيل إنها شملت شقة وسيارة وسكوتر وهواتف.
وتبقى هذه المعلومات أيضاً منسوبة إلى مصادرها، ولا تقدم باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً.
أرجوك لا تتجاهلني
بعيداً عن القضايا الكبرى، توجد صورة أكثر يومية للظاهرة، تحت منشور عن هاتف أو مباراة أو فنان أو وصفة طعام، يظهر تعليق لا علاقة له بالمحتوى، يطلب صاحبه المال أو يدعو المستخدم إلى زيارة حسابه.
وتتكرر أحياناً عبارات متشابهة من حسابات مختلفة، ما يثير الشك في وجود نشاط آلي أو منسق، والمؤشرات الأهم تتعلق بالسلوك الرقمي: هل يتكرر النص عبر حسابات متعددة؟ هل تستخدم الصورة نفسها بأسماء مختلفة؟ هل الحساب حديث؟ هل ينقل المستخدم سريعاً إلى تطبيق أو رابط دفع خارجي؟ وهل تشترك حسابات مختلفة في وسيلة الدفع نفسها؟
هذه المؤشرات تتقاطع مع ما حدده مركز دبي للأمن الإلكتروني من علامات تستدعي التحقق.
ثلاثة ملايين منشور و832 حساباً
في دراسة «قراصنة العمل الخيري: استكشاف إساءة استغلال التبرعات على منصات التواصل الاجتماعي»، حلل الباحثون بيانات 151,966 حساباً وأكثر من 3.053 ملايين منشور مرتبط بالتبرعات على إكس وإنستغرام وفيسبوك ويوتيوب وتلغرام.
وحدد الباحثون 832 حساباً احتيالياً داخل مجموعة البيانات التي درسوها.
وعلى إنستغرام، وجدوا أن 3,619 منشوراً من أصل 4,606 منشورات مرتبطة بالحسابات الاحتيالية كانت مكررة، بنسبة 78.57 في المئة.
ولا تعني النسبة أن 78.57 في المئة من طلبات المساعدة على إنستغرام مزيفة، لكنها تكشف أن إعادة استخدام المحتوى بكثافة ظهرت بوضوح داخل الحسابات التي صنفتها الدراسة باعتبارها احتيالية.
وفي دراسة «سكام سبوت»، جمع الباحثون أكثر من 100 ألف تعليق على إنستغرام في مجال المال والعملات المشفرة، وصنفوا يدوياً آلاف التعليقات لبناء نظام لرصد الاحتيال.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00