قوات الليفي: ذراع الاحتلال البريطاني في العراق
نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00
لم يكن احتلال العراق بالنسبة إلى بريطانيا، مجرد عملية عسكرية انتهت بسقوط بغداد ثم انهيار الحكم العثماني، بل كان بداية لمعضلة أكثر تعقيدا: كيف يمكن الإمساك ببلاد واسعة ومضطربة سياسيا واجتماعيا بأقل عدد ممكن من الجنود البريطانيين والهنود، وبأقل كلفة على الخزانة البريطانية؟ كان أحد الأجوبة المبكرة هو إنشاء قوات محلية، يقودها ضباط بريطانيون ويُجنّد أفرادها من سكان البلاد، تتولى المهمات التي لا تستدعي دائما حضور الجيش النظامي، من حفظ الأمن والاستطلاع وحراسة المنشآت، إلى قمع العشائر والانتفاضات المسلحة. ومن هذه السياسة نشأت قوات «الليفي» (Levies)، وهي تسمية إنكليزية مشتقة من levy بمعنى التجنيد، أو حشد الرجال للخدمة العسكرية، وأطلقت في الحالة العراقية على القوات المحلية التي جندتها بريطانيا ووضعَتها تحت قيادة ضباطها، والتي ستصبح لاحقا واحدة من أكثر المؤسسات إثارة للجدل في تاريخ العراق المعاصر.
غير أن صورتها التي استقرت لاحقا في الذاكرة العراقية، باعتبارها قوة آثورية تكاد تحجب تاريخا أطول وأكثر تعقيدا، فالليفي لم تنشأ آثورية، ولم يكن الآثوريون أول من حمل السلاح في صفوفها.
يروي العميد ج. كيلبرت براون، الذي جمع تاريخ هذه القوات، أن بدايتها تعود إلى عام 1915، عندما جند الميجر ج. أ. إيدي أربعين فارسا عربيا من القبائل المحيطة بالناصرية وأطراف الفرات، للقيام بخدمات تحت إشراف الاستخبارات البريطانية. ومن هذه النواة الصغيرة نمت تدريجيا قوة متعددة المهمات بلغ عدد أفرادها، حسب براون 6199 في مايو 1922. وخلال ذلك تغير تركيبها من فرسان عرب إلى تشكيلات تضم العرب والكرد والتركمان واليزيديين والفرس، قبل أن يصبح الآثوريون في مرحلة لاحقة مكونها الغالب.
تاريخ الليفي يكشف الطريقة التي أدارت بها بريطانيا جانبا من احتلالها للعراق. فمن أربعين فارسا عربيا جُنّدوا في الناصرية عام 1915، إلى تشكيلات ضمت العرب والكرد والتركمان وغيرهم
هذه البداية ليست تفصيلا ثانويا، لأنها تحدد منذ البداية هوية المؤسسة ووظيفتها. فالليفي لم تكن تنظيما أنشأته جماعة إثنية عراقية لخدمة مشروع سياسي خاص بها، وإنما قوة أنشأتها سلطة الاحتلال، وتولت قيادتها وتحديد مهماتها واستخدامها حيث تقتضي مصالحها. ومع صدور اللوائح المنظمة لها عام 1919 اتسع التجنيد ليشمل الكرد والتركمان إلى جانب العرب؛ فشكل الكرد وحدات في السليمانية وأربيل، والتحق بعضهم بجندرمة الموصل، بينما جُند التركمان في الكوت وبعقوبة وكركوك. وتقدم إحدى الوثائق صورة شديدة الدلالة عن هذا التنوع في جندرمة الموصل، إذ ضمت القوة أكرادا وعربا ومسلمين من أهالي الموصل ومسيحيين، وكان بين ضباطها عدد من الضباط السابقين في الجيش العثماني. ولهذا فإن وصف الليفي بأنها «ميليشيا آثورية» منذ نشأتها لا يصمد أمام الوثائق، مثلما لا يصح، في الاتجاه المقابل، اختزال وظيفتها إلى مجرد قوة شرطية محلية. لقد عملت في منطقة رمادية بين الشرطة والجيش والاستخبارات، لكنها ظلت في جوهرها قوة محلية مسلحة خاضعة للقيادة البريطانية. وتشير التقارير العسكرية إلى أن بعض تشكيلاتها كُلّف بقمع الاضطرابات والقيام بعمليات عسكرية محدودة، والعمل في الخطوط الأمامية للاستطلاع والاستكشاف، وتوفير قوة احتياط للقوات البريطانية في العمليات الأوسع، فضلا عن وجود أفراد يقومون بجمع المعلومات. وهنا تتضح فلسفة الليفي: أن تتولى قوة مجندة محليا جزءا من الوظائف الأمنية والعسكرية التي كان على قوات الاحتلال أن تتولاها بنفسها. وجاءت ثورة العشرين لتكشف بوضوح حساسية هذه المعادلة، فقد وجدت وحدات الليفي نفسها تقاتل إلى جانب القوات البريطانية في مواجهة عراقيين حملوا السلاح ضد سلطتها. وتذكر الوثائق البريطانية مشاركة هذه القوات في مواجهة الاضطرابات والانتفاضات، كما تتحدث عن استخدامها ضد حركات مسلحة في الشمال، وعن بقاء وحدات عربية وكردية موالية لقيادتها البريطانية خلال تلك الأحداث. ويسجل تقرير المفتش العام لقوات الليفي لسنتي 1920 و1921 أن أفرادا منها تعرضوا بسبب ذلك للنبذ الاجتماعي والشتائم والتهديد، وأن المضايقات امتدت أحيانا إلى عائلاتهم.
لا تحتاج هذه الوقائع إلى تجميل، مثلما لا تحتاج إلى أحكام تخوين جماعية، فمن حمل السلاح ضمن قوة يقودها البريطانيون، وشارك في عمليات ضد ثوار عراقيين كان، في تلك اللحظة، يؤدي وظيفة عسكرية تخدم سلطة الاحتلال، أيا كانت قوميته أو ديانته، لكن هذه الحقيقة تصبح مشوهة عندما تُقتطع من تسلسلها الزمني وتُنسب بأثر رجعي إلى الآثوريين وحدهم، مع أن العرب والكرد والتركمان وغيرهم سبقوهم أو شاركوهم الخدمة في الليفي.
التحول الكبير بدأ مع تأسيس الجيش العراقي في يناير 1921. فقد أخذ المسلمون من العرب والكرد والتركمان ينتقلون من الليفي إلى الجيش الوطني الجديد، وتوقف تجنيدهم تدريجيا، في ما اتجه البريطانيون إلى تعويض النقص بتوسيع تجنيد الآثوريين، وبذلك تغيرت البنية الإثنية للقوة شيئا فشيئا، حتى غلب عليها العنصر الآثوري، وظل معها عدد أقل من الكرد والعرب. ومن هنا تحديدا نشأت الصورة التي ستلتصق لاحقا بالليفي كلها، حتى بات تاريخ المؤسسة منذ 1915 يُقرأ أحيانا، كما لو أنها كانت منذ يومها الأول تشكيلا ميليشياويا آثوريا.
لكن السؤال الأصعب ليس متى أصبح الآثوريون عماد الليفي، وإنما لماذا وجد البريطانيون فيهم قوة مناسبة، ولماذا وجد بعض الآثوريين في الخدمة البريطانية خيارا ممكنا. فالجماعات الآثورية التي وصلت العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت قد خرجت من تجربة قاسية من الحرب والنزوح وفقدان مواطنها، واستقر قسم منها في مخيم بعقوبة لاجئا، في ظروف جعلت الأمن والعمل ومستقبل الجماعة مسائل وجودية، لا مجرد خيارات سياسية. وتشير المصادر إلى أنهم كانوا قد نظموا تشكيلات للدفاع عن عائلاتهم، قبل أن يبدأ البريطانيون تجنيدهم بصورة أوسع في الليفي. وكانت وراء ذلك أيضا علاقة سياسية أقدم نشأت أثناء الحرب، ارتبطت بتوقعات آثورية بالحماية وبحل لقضيتهم بعد انتهاء القتال. وينقل يوسف مالك، الذي يكتب بالطبع من موقع آثوري واضح وينبغي التعامل مع شهادته ضمن هذا السياق، إقرارا بريطانيا لاحقا بأن وعودا بالحماية والاستقلال الذاتي قدمت للآثوريين مقابل وقوفهم ضد العثمانيين. وبذلك لم تكن دوافع الانخراط في الليفي واحدة: الوظيفة والراتب، والحاجة إلى الحماية، والخبرة العسكرية، والرهان على البريطانيين في حل المسألة الآثورية، كلها تداخلت بدرجات متفاوتة. فهم هذه الدوافع لا يعني تبرئة كل ما فعلته القوة، لكنه يمنع تحويل التاريخ إلى محاكمة أخلاقية لجماعة كاملة.
أما الحساب البريطاني فكان أكثر وضوحا. فالليفي وفرت قوة محلية أرخص من إبقاء أعداد كبيرة من القوات البريطانية والهندية في العراق. وتذكر بعض الدراسات استنادا إلى وثائق تلك المرحلة، أن البريطانيين نظروا إليها بوصفها وسيلة لتخفيف العبء عن دافع الضرائب البريطاني وتقليص النفقات العسكرية، عبر إحلالها محل جزء من القوات النظامية البريطانية. كما أصبحت حماية المعسكرات والمطارات البريطانية من واجباتها الأساسية، وهكذا تحولت جماعة كانت تبحث عن حماية بريطانيا إلى مورد بشري يحمي بدوره ركائز الوجود العسكري البريطاني. إن فهم الظروف التي دفعت الآثوريين إلى الانخراط الواسع في قوات الليفي لا يعني إعفاء هذه القوات من مسؤوليتها عما ارتكبته خلال عملياتها، مثلما أن كونها أداة أنشأتها بريطانيا لا يحوّل أفرادها إلى مجرد منفذين بلا إرادة، فقد شاركت وحدات الليفي، في مراحل مختلفة، في قمع حركات وتمردات وانتفاضات عراقية، ومارست القوة في خدمة سلطة الاحتلال، وهي وقائع ينبغي إثباتها كما حدثت، بصرف النظر عن الانتماء القومي أو الديني لمن قام بها. وحين أصبح الآثوريون لاحقا عماد هذه القوات، أصبح حضورهم في تلك العمليات جزءا من تاريخ الليفي لا يصح إنكاره، أو تخفيفه بحجة ما تعرضوا له هم أنفسهم من اقتلاع ولجوء، مثلما لا يصح إسقاط هذه المسؤولية بأثر رجعي على الآثوريين جميعا. فالتفسير التاريخي ليس تبرئة، كما أن إثبات المسؤولية لا يقتضي تحويلها إلى إدانة إثنية جماعية.
والأهم أن تاريخ الليفي يكشف الطريقة التي أدارت بها بريطانيا جانبا من احتلالها للعراق. فمن أربعين فارسا عربيا جُنّدوا في الناصرية عام 1915، إلى تشكيلات ضمت العرب والكرد والتركمان وغيرهم، ثم إلى قوة غلب عليها الآثوريون، تبدلت هوية المجندين بينما بقيت القيادة والوظيفة الأساسيتان على حالهما: قوة محلية مسلحة تعمل تحت إمرة بريطانية وتستخدم حيث تقتضي مصالح السلطة البريطانية. وهنا ربما تكمن الخلاصة الأبعد من الجدل حول هوية من خدم في الليفي: لقد استطاع الاحتلال أن يحوّل التباينات المحلية، والحاجة إلى العمل، ومخاوف الجماعات، وصراعاتها وتطلعاتها السياسية، إلى موارد للقوة والسيطرة. وبذلك لم تكن قوات الليفي هامشا صغيرا في تاريخ الاحتلال البريطاني، بل واحدة من أدواته الأكثر دلالة، ذراعا محلية حملت السلاح، فيما بقي القرار في يد من أنشأها وقادها وحدد لها من تقاتل.
كاتب عراقي
غير أن صورتها التي استقرت لاحقا في الذاكرة العراقية، باعتبارها قوة آثورية تكاد تحجب تاريخا أطول وأكثر تعقيدا، فالليفي لم تنشأ آثورية، ولم يكن الآثوريون أول من حمل السلاح في صفوفها.
يروي العميد ج. كيلبرت براون، الذي جمع تاريخ هذه القوات، أن بدايتها تعود إلى عام 1915، عندما جند الميجر ج. أ. إيدي أربعين فارسا عربيا من القبائل المحيطة بالناصرية وأطراف الفرات، للقيام بخدمات تحت إشراف الاستخبارات البريطانية. ومن هذه النواة الصغيرة نمت تدريجيا قوة متعددة المهمات بلغ عدد أفرادها، حسب براون 6199 في مايو 1922. وخلال ذلك تغير تركيبها من فرسان عرب إلى تشكيلات تضم العرب والكرد والتركمان واليزيديين والفرس، قبل أن يصبح الآثوريون في مرحلة لاحقة مكونها الغالب.
تاريخ الليفي يكشف الطريقة التي أدارت بها بريطانيا جانبا من احتلالها للعراق. فمن أربعين فارسا عربيا جُنّدوا في الناصرية عام 1915، إلى تشكيلات ضمت العرب والكرد والتركمان وغيرهم
هذه البداية ليست تفصيلا ثانويا، لأنها تحدد منذ البداية هوية المؤسسة ووظيفتها. فالليفي لم تكن تنظيما أنشأته جماعة إثنية عراقية لخدمة مشروع سياسي خاص بها، وإنما قوة أنشأتها سلطة الاحتلال، وتولت قيادتها وتحديد مهماتها واستخدامها حيث تقتضي مصالحها. ومع صدور اللوائح المنظمة لها عام 1919 اتسع التجنيد ليشمل الكرد والتركمان إلى جانب العرب؛ فشكل الكرد وحدات في السليمانية وأربيل، والتحق بعضهم بجندرمة الموصل، بينما جُند التركمان في الكوت وبعقوبة وكركوك. وتقدم إحدى الوثائق صورة شديدة الدلالة عن هذا التنوع في جندرمة الموصل، إذ ضمت القوة أكرادا وعربا ومسلمين من أهالي الموصل ومسيحيين، وكان بين ضباطها عدد من الضباط السابقين في الجيش العثماني. ولهذا فإن وصف الليفي بأنها «ميليشيا آثورية» منذ نشأتها لا يصمد أمام الوثائق، مثلما لا يصح، في الاتجاه المقابل، اختزال وظيفتها إلى مجرد قوة شرطية محلية. لقد عملت في منطقة رمادية بين الشرطة والجيش والاستخبارات، لكنها ظلت في جوهرها قوة محلية مسلحة خاضعة للقيادة البريطانية. وتشير التقارير العسكرية إلى أن بعض تشكيلاتها كُلّف بقمع الاضطرابات والقيام بعمليات عسكرية محدودة، والعمل في الخطوط الأمامية للاستطلاع والاستكشاف، وتوفير قوة احتياط للقوات البريطانية في العمليات الأوسع، فضلا عن وجود أفراد يقومون بجمع المعلومات. وهنا تتضح فلسفة الليفي: أن تتولى قوة مجندة محليا جزءا من الوظائف الأمنية والعسكرية التي كان على قوات الاحتلال أن تتولاها بنفسها. وجاءت ثورة العشرين لتكشف بوضوح حساسية هذه المعادلة، فقد وجدت وحدات الليفي نفسها تقاتل إلى جانب القوات البريطانية في مواجهة عراقيين حملوا السلاح ضد سلطتها. وتذكر الوثائق البريطانية مشاركة هذه القوات في مواجهة الاضطرابات والانتفاضات، كما تتحدث عن استخدامها ضد حركات مسلحة في الشمال، وعن بقاء وحدات عربية وكردية موالية لقيادتها البريطانية خلال تلك الأحداث. ويسجل تقرير المفتش العام لقوات الليفي لسنتي 1920 و1921 أن أفرادا منها تعرضوا بسبب ذلك للنبذ الاجتماعي والشتائم والتهديد، وأن المضايقات امتدت أحيانا إلى عائلاتهم.
لا تحتاج هذه الوقائع إلى تجميل، مثلما لا تحتاج إلى أحكام تخوين جماعية، فمن حمل السلاح ضمن قوة يقودها البريطانيون، وشارك في عمليات ضد ثوار عراقيين كان، في تلك اللحظة، يؤدي وظيفة عسكرية تخدم سلطة الاحتلال، أيا كانت قوميته أو ديانته، لكن هذه الحقيقة تصبح مشوهة عندما تُقتطع من تسلسلها الزمني وتُنسب بأثر رجعي إلى الآثوريين وحدهم، مع أن العرب والكرد والتركمان وغيرهم سبقوهم أو شاركوهم الخدمة في الليفي.
التحول الكبير بدأ مع تأسيس الجيش العراقي في يناير 1921. فقد أخذ المسلمون من العرب والكرد والتركمان ينتقلون من الليفي إلى الجيش الوطني الجديد، وتوقف تجنيدهم تدريجيا، في ما اتجه البريطانيون إلى تعويض النقص بتوسيع تجنيد الآثوريين، وبذلك تغيرت البنية الإثنية للقوة شيئا فشيئا، حتى غلب عليها العنصر الآثوري، وظل معها عدد أقل من الكرد والعرب. ومن هنا تحديدا نشأت الصورة التي ستلتصق لاحقا بالليفي كلها، حتى بات تاريخ المؤسسة منذ 1915 يُقرأ أحيانا، كما لو أنها كانت منذ يومها الأول تشكيلا ميليشياويا آثوريا.
لكن السؤال الأصعب ليس متى أصبح الآثوريون عماد الليفي، وإنما لماذا وجد البريطانيون فيهم قوة مناسبة، ولماذا وجد بعض الآثوريين في الخدمة البريطانية خيارا ممكنا. فالجماعات الآثورية التي وصلت العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت قد خرجت من تجربة قاسية من الحرب والنزوح وفقدان مواطنها، واستقر قسم منها في مخيم بعقوبة لاجئا، في ظروف جعلت الأمن والعمل ومستقبل الجماعة مسائل وجودية، لا مجرد خيارات سياسية. وتشير المصادر إلى أنهم كانوا قد نظموا تشكيلات للدفاع عن عائلاتهم، قبل أن يبدأ البريطانيون تجنيدهم بصورة أوسع في الليفي. وكانت وراء ذلك أيضا علاقة سياسية أقدم نشأت أثناء الحرب، ارتبطت بتوقعات آثورية بالحماية وبحل لقضيتهم بعد انتهاء القتال. وينقل يوسف مالك، الذي يكتب بالطبع من موقع آثوري واضح وينبغي التعامل مع شهادته ضمن هذا السياق، إقرارا بريطانيا لاحقا بأن وعودا بالحماية والاستقلال الذاتي قدمت للآثوريين مقابل وقوفهم ضد العثمانيين. وبذلك لم تكن دوافع الانخراط في الليفي واحدة: الوظيفة والراتب، والحاجة إلى الحماية، والخبرة العسكرية، والرهان على البريطانيين في حل المسألة الآثورية، كلها تداخلت بدرجات متفاوتة. فهم هذه الدوافع لا يعني تبرئة كل ما فعلته القوة، لكنه يمنع تحويل التاريخ إلى محاكمة أخلاقية لجماعة كاملة.
أما الحساب البريطاني فكان أكثر وضوحا. فالليفي وفرت قوة محلية أرخص من إبقاء أعداد كبيرة من القوات البريطانية والهندية في العراق. وتذكر بعض الدراسات استنادا إلى وثائق تلك المرحلة، أن البريطانيين نظروا إليها بوصفها وسيلة لتخفيف العبء عن دافع الضرائب البريطاني وتقليص النفقات العسكرية، عبر إحلالها محل جزء من القوات النظامية البريطانية. كما أصبحت حماية المعسكرات والمطارات البريطانية من واجباتها الأساسية، وهكذا تحولت جماعة كانت تبحث عن حماية بريطانيا إلى مورد بشري يحمي بدوره ركائز الوجود العسكري البريطاني. إن فهم الظروف التي دفعت الآثوريين إلى الانخراط الواسع في قوات الليفي لا يعني إعفاء هذه القوات من مسؤوليتها عما ارتكبته خلال عملياتها، مثلما أن كونها أداة أنشأتها بريطانيا لا يحوّل أفرادها إلى مجرد منفذين بلا إرادة، فقد شاركت وحدات الليفي، في مراحل مختلفة، في قمع حركات وتمردات وانتفاضات عراقية، ومارست القوة في خدمة سلطة الاحتلال، وهي وقائع ينبغي إثباتها كما حدثت، بصرف النظر عن الانتماء القومي أو الديني لمن قام بها. وحين أصبح الآثوريون لاحقا عماد هذه القوات، أصبح حضورهم في تلك العمليات جزءا من تاريخ الليفي لا يصح إنكاره، أو تخفيفه بحجة ما تعرضوا له هم أنفسهم من اقتلاع ولجوء، مثلما لا يصح إسقاط هذه المسؤولية بأثر رجعي على الآثوريين جميعا. فالتفسير التاريخي ليس تبرئة، كما أن إثبات المسؤولية لا يقتضي تحويلها إلى إدانة إثنية جماعية.
والأهم أن تاريخ الليفي يكشف الطريقة التي أدارت بها بريطانيا جانبا من احتلالها للعراق. فمن أربعين فارسا عربيا جُنّدوا في الناصرية عام 1915، إلى تشكيلات ضمت العرب والكرد والتركمان وغيرهم، ثم إلى قوة غلب عليها الآثوريون، تبدلت هوية المجندين بينما بقيت القيادة والوظيفة الأساسيتان على حالهما: قوة محلية مسلحة تعمل تحت إمرة بريطانية وتستخدم حيث تقتضي مصالح السلطة البريطانية. وهنا ربما تكمن الخلاصة الأبعد من الجدل حول هوية من خدم في الليفي: لقد استطاع الاحتلال أن يحوّل التباينات المحلية، والحاجة إلى العمل، ومخاوف الجماعات، وصراعاتها وتطلعاتها السياسية، إلى موارد للقوة والسيطرة. وبذلك لم تكن قوات الليفي هامشا صغيرا في تاريخ الاحتلال البريطاني، بل واحدة من أدواته الأكثر دلالة، ذراعا محلية حملت السلاح، فيما بقي القرار في يد من أنشأها وقادها وحدد لها من تقاتل.
كاتب عراقي
نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00