سجالات حول الكتاب والمعرفة والذكاء الاصطناعي

د. سعيد الشهابي
نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00
لا يمكن أن يتحقق التطور المعرفي بدون القدرة على القراءة. فبدونها تتسطح الثقافة وتسود الأمّيّة ويعمّ الجهل. وتتسابق الدول المتقدمة في مجال الكتب، تأليفا وطباعة ونشرا. وتكشف معارض الكتب في بعض الدول استمرار طباعة الكتب بشكل متصاعد، برغم اعتقاد البعض بأن هناك إعراضا عنها في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة. ولا شك أن التصاعد المستمر في استخدام الهاتف النقّال عامل مهم في تراجع معدلات القراءة، ولكن جدّيّة الأفراد، خصوصا الراغبين في التعمق في المعرفة تدفعهم لاقتناء الكتب والانكباب على قراءتها. ولا تزال المطابع العملاقة تتسابق في ما بينها لطباعة الكتب. ويكفي النظر إلى عدد المعارض التي تقام سنويا في كثير من البلدان لعرض الكتب الجديده والمراجع الأدبية وآخر منتجات المطابع العالمية. هذا لا يعني أن الإقبال على الكتب ما يزال بالمستوى نفسه الذي سبق التطور التكنولوجي الحديث. وعُرفت الدول الغربية بانتشار ظاهرة القراءة خصوصا في وسائط النقل العامة. فمشهد المسافرين على هذه الوسائط وعيونهم مشدودة إلى صفحات الكتب كان يبعث في النفس الشعور بأن الكتاب ما يزال بخير، وأن إقبال الشباب والرجال على القراءة يمثل ظاهرة متواصلة لم تتوقف برغم تغير أساليب نقل المعرفة. وقد توسع الاهتمام بالكتب منذ أن اخترع الألماني يوهان غوتنبرغ آلة الطباعة في القرن الخامس عشر. فكان ذلك نقلة ثورية غيرت مجرى التاريخ الإنساني بطباعة الكتب ونشر المعرفة.
لا شك أن انتشار الهواتف الذكية خلال ربع القرن الاخير قد أثر سلبا على ظاهرة القراءة. فأصبح الشباب أكثر انشدادا للهواتف منهم إلى الكتب. ونجم عن ذلك ظواهر عديدة. فقد تراجع انتشار الكتب بين الأجيال الجديدة. فحتى الأطفال الذين كانوا مولعين بالقصص الملوّنة قبل ثلاثة عقود مثلا أصبحوا مشدودين للقصص التي تبثها التلفزيونات بشكل متواصل كل يوم. فما أن يعود الطفل من مدرسته حتى يبدأ مشوارا آخر من يومه، مشاهدة الكارتون على شاشات التلفزيون. ومع انشغال الأمهات بالأعمال المنزلية بدأ التراجع عن قراءة القصص للأطفال قبيل نومهم. بل أن الكثير من الآباء والأمهات يهرعون لإسكات أطفالهم عن البكاء بإعطائهم أجهزة الهاتف لمشاهدة مسلسلات الكارتون. وبشكل تدريجي أصبحت هناك لغة جديدة يستخدمها الأطفال في ما بينهم، وهي لغة تساعدهم على التخاطب والتعامل ولكنها لا ترفع مستوياتهم الثقافية والمعرفية. فهي لغة تعتمد على الاختصار والسرعة لكي تتواءم مع الهواتف الجوّالة. ويمكن القول إن هذه الهواتف ضيّقت مجال التطوير اللغوي مقارنة بما توفره أجهزة الكومبيوتر. فاختصرت الجمل، واستُبدلت بكلمات قليلة، وتحولت إلى بضع حروف لنقل المعلومة. ومن آثار ذلك تراجع الاهتمام باللغة العربية أو أية لغة أخرى. هنا أصبحت اللغة محصورة بالكتب التقليدية أو الأكاديمية أو البحثية. وتراجع استخدام اللغة التقليدية في مجال التحاور والتخاطب بين الناس. وانتشرت لغة الإشارات أو الحروف والاختصار، حتى أصبح هناك قبول لبعض المفردات التي تعني في مضامينها جملا طويلة، ولكنها تُختصر عندما تبعث على الهاتف ببضع حروف. ومن المؤكد أن العزوف عن قراءة الجمل الطويلة فضلا عن الكتب، من شأنه أن ينعكس على المستوى المعرفي المتاح للناس من خلال الاهتمام باللغة الرسمية. وأصبح الكثيرون يبرّرون ذلك بأننا نعيش في زمن السرعة ولا مجال للكتب الطويلة والكتابات التي تشرح الكثير من الأمور. وأصبح الاهتمام منصبا على تكوين مصطلحات جديدة تسهل نقل المعلومة وتحوّل الجمل إلى حروف.
تشير الاحصاءات إلى أن بعض الشعوب أكثر قراءة من الآخرى. ففي سنغافورة تبلغ نسبة من يقرأ شيئا في الأسبوع الواحد 89 بالمائة، من بينها 28 بالمائة يقرأون الكتب، وهناك قراءات بهدف جمع التبرعات للأعمال الخيرة. كما تذكر المصادر أن إيران تأتي في المرتبة رقم 22 عالمياً حيث يبلغ معدل القراءة لكل مواطن 6.36 كتاب سنويًا، بمعدل حوالي 149ساعة قراءة في السنة. وتليها تركيا في المرتبة رقم 30 عالمياً حيث يقرأ المواطن 6.05 كتب سنويًا، بمعدل حوالي 130 ساعة قراءة في السنة. وتأتي مصر في المرتبة الأولى عربيًّا والمرتبة 39 عالميا، حيث تقرأ 5.41 كتاب سنويًا، بمعدل حوالي 121 ساعة قراءة في السنة.
ليس جديدا القول إنّ الجمل الطويلة تقوّي التركيز والتفكير النقدي والخيال في عقول من يمارس ذلك. فإذا انقطع الشباب منذ صغرهم عن التواصل مع اللغة بشكل مستفيض تقلصت القدرات على الإبداع الأدبي، وقلّ الاهتمام بالجانب الثقافي الذي يرفع مستوى لغه الفرد والجماعة. لذلك، يمكن القول إن ما حدث من تطورات تكنولوجية في العقود الثلاثة الأخيرة ساهم بشكل مباشر في إضعاف الاهتمام باللغة، وحصر المعرفة بما تتيحه الأجهزة الصغيرة وأجهزة الكمبيوتر وبالأخص أجهزة الهواتف النقالة. وإذا استمر الوضع على هذا الحال فسوف يتراجع دور العقل في الحياة البشرية ويتضاءل العطاء الفكري، وتضمر القدرات على التخيل والإبداع. فحتى في لغة الرياضيات التي تركز على الحروف والرسومات التي تعبّر عن المعادلات الرياضية هناك قدر من استخدام اللغة للتوضيح والشرح. ولا يمكن كتابة مرجع في الرياضيات او العلوم الحديثة بدون استخدام اللغة على نطاق واسع. فاذا تضاءل استخدام تلك اللغة ضعفت القدرة على التأليف والنشر.
إن ما حدث من تطورات تكنولوجية في العقود الثلاثة الأخيرة ساهم بشكل مباشر في إضعاف الاهتمام باللغة
هناك الكثير من الحديث المتداول حول الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيره على الحياة البشرية. ومن بين مخاطر هذا الذكاء الاصطناعي التي يتحدث عنها العالم هذه الأيام وجود احتمال بأن يقضي هذا الذكاء على الإنسان. وبالاضافة لذلك فإن الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي والابتعاد عن الثقافة التقليدية. من شأنه أن يؤدي إلى ضمور الدماغ. فإذا استمر شباب اليوم في الاستخدام المفرط للهواتف النقالة وما تحتويه من لغة مختصرة وإشارات صغيرة لأمور كبيرة فإن الإنسان لن يستخدم الكثير من عقله. فإذا حدث ذلك فمن المؤكد أن العقل الإنساني سوف يتضاءل. وبشكل تدريجي، يضعف عن أداء دوره في التفكير والإبداع. ومن المؤكد أن الكتب وقراءتها تساعد على توسيع آفاق الإنسان وهو يقرأ الكتاب. هذا بالإضافة لما يشعر من متعة وزيادة القدرة على العطاء والإبداع. بينما يشكل فتح الأبواب على مصاريعها أمام موجة البحث العلمي الهادفة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي خطرا على الإنسان، ليس في مجال الرقابة والتجسس فحسب، بل في جانبه العقلي والجسدي حيث أصبحت نماذج هذا الذكاء توحي بذلك الخطر.
هناك الآن سجالات كثيرة حول ظاهرة الذكاء الاصطناعي، من بينها: هل أن من الحكمة الاستمرار في مجال الاختراع والتصنيع الهادف لدفع الذكاء الاصطناعي إلى آفاق جديدة من التفكير الذاتي واتخاذ القرارات التي يُفترض أن تختص بالإنسان وليس الآلة؟ هل أن السعي لاحتواء مخاطر الذكاء الاصطناعي يعتبر قمعا للمواهب البشرية وحرية الاختيار؟ هل أصبح حقا مصير الإنسان بيد الذكاء الاصطناعي؟ وما واقعية فرضية أن هذا الذكاء يمثل المرحلة النهائية للوجود البشري على ظهر هذه الارض؟ من المؤكد عدم وجود إجابات شافية لهذه التساؤلات. ولكن من الأمور الثابتة ما يلي: أولها أن تراجع الانسان عن دوره في التفكير والتخطيط واحتلال مركز الصدارة في كل ذلك أمر خطير، يجدر بالجهات الدولية والمحلية تداركه والسعي لاحتوائه والتقليل من أخطاره. ثانيها: أن الحاجة المادّيّة للاختراع لا تتوقف، ويجب أن يتواصل البحث في مجال الاختراع والتطوير ولكن ضمن الحدود التي لا تلغي دور الإنسان في التخطيط والإدارة. الجانب الثالث أن الإنسان لديه مشاعر الخوف والخشية والرجاء والأمل، ولا تملك الآلة أو الذكاء الاصطناعي شيئا منها. رابعها أن الإنسان يخضع لبرمجة إلهية تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، بينما تتم برمجة الآلة من قبل أفراد لا يملكون القدرة على شيء من ذلك، فهو مسخّر للإرادة الإلهية ولا يتحرّك من تلقاء نفسه. وهكذا يزداد السجال حول الذكاء الاصطناعي تعقيدا، ويجد البشر، بمن فيهم المختصون في مجالات الذكاء الاصطناعي، في حيرة كبرى حين تتجاوزمخترعاتهم الحدود الإنسانية، ويسعون لمحاكاة «الغيب» أو ما يُسمى في اللغة العلمانية «ما بعد الطبيعة». فهذا سباق بين الممكن والمستحيل، بين المحدود واللانهائي، وبين العبد والمعبود، ويستحيل أن ينتصر فيه ذوو المعارف المحدودة والقدرات غير الذاتية المكتسبة من واجب الوجود.
كاتب بحريني
    نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00