الملك في الأمم المتحدة .. خطابات تضع حلولا للأزمات ولا تكتفي بوصفها

نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00
تكشف خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على امتداد سنوات، عن نهج لا يكتفي بوصف الأزمات وتشخيص تداعياتها، وإنما يضع أمام المجتمع الدولي مسارات واضحة لمعالجتها، انطلاقا من رؤية أردنية تنظر إلى السلام والأمن والاستقرار باعتبارها مسؤولية مشتركة لا تتحقق بإدارة الأزمات أو تأجيلها، وإنما بمعالجة جذورها ووضع حلول سياسية وقانونية وإنسانية قابلة للتنفيذ.
وفي هذه الخطابات، لم تقتصر الرسائل الملكية على القضايا التي تشغل الأردن والمنطقة، رغم حضور القضية الفلسطينية وتداعيات أزمات الإقليم في صلبها، إنما اتسعت لتلامس قضايا ذات طابع عالمي، في احترام القانون الدولي والعدالة وحقوق الإنسان، إلى تعزيز العمل متعدد الأطراف، ومواجهة التطرف والإرهاب، ودعم اللاجئين، وحماية الأمن والسلم الدوليين، بما جعل من المنبر الأممي مساحة لطرح رؤية أردنية تتجاوز رد الفعل على الأحداث إلى استشراف مآلاتها والدعوة إلى التحرك قبل أن تتفاقم.
ويشارك جلالة الملك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة حاليا في نيويورك ويلقي جلالته خطابا في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد.
ويؤكد متحدثون أن الخطاب الملكي يعكس رؤية أردنية متكاملة تقوم على الدفاع عن الأمن والاستقرار والسلام، والتمسك بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية.
وأكد أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور حسن الدعجة، أن خطابات جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تمثل محطة أساسية لفهم مرتكزات السياسة الخارجية الأردنية، وأولويات التحرك الدبلوماسي للمملكة تجاه القضايا الإقليمية والدولية.
وأوضح أن الخطاب الملكي يعكس رؤية أردنية متكاملة تقوم على الدفاع عن الأمن والاستقرار والسلام، والتمسك بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية التي تحتل موقعا مركزيا في السياسة الخارجية الأردنية.
وبيّن الدعجة أن جلالة الملك وضع القضية الفلسطينية في صدارة خطاباته، مؤكدا أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود طويلة لم يعد يحتمل الاكتفاء بالبيانات والإدانات، إنما يتطلب انتقال المجتمع الدولي إلى خطوات عملية قادرة على إنهاء الصراع وتحقيق السلام.
وأشار إلى أن جلالته لفت في خطاباته إلى ما عاناه الشعب الفلسطيني على مدى عقود من القتل والتهجير وفقدان الحقوق والكرامة، مؤكدا أن استمرار هذه الحالة لا يمكن أن يشكل أساسا للأمن والاستقرار في المنطقة.
وكان جلالة الملك قد قال خلال خطابه في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيلول الماضي، "متى سنجد حلا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ حل يحمي حقوق جميع الأطراف، ويوفر حياة طبيعية للأسر التي تعيش في قلب هذا الصراع".
وأضاف الدعجه إن الموقف الملكي يبرز التأكيد المستمر على أن القضية الفلسطينية ليست قضية إنسانية فحسب، وإنما قضية سياسية وقانونية ترتبط بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ولفت إلى تجديد جلالة الملك التأكيد على حل الدولتين باعتباره الإطار الذي يمكن من خلاله تحقيق السلام المستدام، عبر قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية إلى جانب إسرائيل، ضمن ترتيبات تضمن الأمن والسلام لجميع شعوب المنطقة.
وشدد على أن القدس تحتل مكانة خاصة في الخطاب الملكي والسياسة الخارجية الأردنية انطلاقا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، مبينا أن جلالة الملك شدد على ضرورة حماية الوضع القانوني والتاريخي القائم في المدينة المقدسة، والتحذير من أي إجراءات من شأنها تغيير هويتها أو المساس بالمقدسات، بكونها قضية تتجاوز حدود الصراع السياسي لما لها من أبعاد دينية وإنسانية ودولية.
و بيّن الدعجه أن الجهود الأردنية انتقلت من الموقف السياسي والدبلوماسي إلى العمل الميداني، إذ أشار جلالة الملك إلى دور الأردن في دعم الاستجابة الإنسانية في غزة، وتسهيل إيصال المساعدات الغذائية والطبية عبر القوافل البرية والجسر الجوي والكوادر الطبية، ما يعكس توجها أردنيا يقوم على الجمع بين التحرك السياسي والجهد الإنساني وعدم الاكتفاء بالتعبير عن المواقف.
وتابع أن الخطاب الملكي يعكس رؤية أوسع للسياسة الخارجية الأردنية تقوم على توظيف الدبلوماسية في منع اتساع الصراعات وحماية مصالح الأردن وتعزيز أمن المنطقة، إذ ينظر الأردن إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الشرق الأوسط واستقراره، وأن استمرار الاحتلال والصراع والعنف والتوترات الإقليمية يهدد مستقبل المنطقة بأكملها.
وبين الدعجه إلى أن خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة يمثل امتدادا للجهود الملكية المتواصلة على المستوى الدولي والإقليمي، لإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الأجندة الدولية، وحشد الدعم للحل السياسي، ووقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، والدفع باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وأكد أن الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك تتحرك على مسارات متوازية سياسية وإنسانية وقانونية ودبلوماسية، وتسعى إلى تحويل المواقف الدولية من مجرد بيانات إلى إجراءات عملية، مشيرا إلى أن جوهر الرسالة الأردنية يظل واضحا بأنه لا يمكن تحقيق أمن إسرائيلي مستدام ولا استقرار إقليمي حقيقي من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، يقوم على قيام الدولة الفلسطينية وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام سلام عادل وشامل في المنطقة.
إلى ذلك ذهب الدكتور أخليف الطراونة إلى أن قراءة خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة تكشف عن مسار سياسي وفكري متصل، حافظ على ثوابت واضحة في مقدمتها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، إلى جانب التأكيد على السلام العادل واحترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.
وأوضح الطراونة أن اللافت في هذه الخطابات أن جلالة الملك لم يكتفِ بتوصيف الأزمات التي تمر بها المنطقة، وإنما اتجه بصورة متزايدة إلى مساءلة المجتمع الدولي عن مسؤوليته تجاهها، وعن قدرة مؤسساته على حماية القانون الدولي وتطبيق مبادئ العدالة بصورة متساوية، مؤكدا جلالته أن استمرار ازدواجية المعايير لا يهدد القضايا المطروحة فقط، بل يضعف الثقة بالنظام الدولي ومؤسساته.
وأشار إلى أن خصوصية الخطاب الملكي تنبع من الجمع بين البعد الوطني الأردني والبعد الإنساني للقضية الفلسطينية؛ فالأردن يتحدث من موقع المتأثر مباشرة بتداعيات الصراع، ويطرح في الوقت نفسه القضية باعتبارها قضية حقوق وعدالة واستقرار، لا مجرد أزمة سياسية عابرة.
ولفت الطراونة إلى أن الرسائل الملكية حذرت من مخاطر استمرار الصراع وأكدت بوضوح أن معالجة جذوره هي الطريق الحقيقي إلى الأمن والاستقرار، وأن السلام لا يتحقق بإدارة الصراع أو تأجيله، وإنما بمعالجة أسبابه والوصول إلى حل سياسي عادل.
وبين أن أبرز ما يميز الخطاب الملكي هو مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المسؤولية؛ فالمطلوب ليس أن يدرك العالم حجم ما يجري فحسب، وإنما أن يتحمل مسؤوليته تجاهه، وهي رسالة تتجاوز الظرف الراهن لتطرح سؤالا أوسع حول مستقبل النظام الدولي وقدرته على حماية العدالة والقانون وحقوق الإنسان بصورة متساوية.
من ناحيته، أكد مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الأستاذ الدكتور حسن المومني، أن خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تمثل مرجعية إقليمية ودولية دائمة لكيفية إحلال السلام والأمن على المستويين الإقليمي والعالمي، نظرا لما يتمتع به جلالة الملك من خبرة ومصداقية ومنطق عقلاني حازم ومتوازن.
وقال إن خطابات جلالة الملك تعكس باستمرار أولويات الأردن وأولويات الإقليم والعالم، وهي قضايا تمس المصالح الوطنية الاستراتيجية الأردنية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأضاف المومني إن الخطاب الملكي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني كان على الدوام الأكثر توازنا وحزما، مشيرا إلى أن السنوات الثلاث الأخيرة، وتحديدا بعد الحرب على غزة، أظهرت كيف أحدث هذا الخطاب المتوازن الحازم فرقا حقيقيا في هذا الملف.
وأوضح أن جلالة الملك جمع في خطاباته بين الحزم والشجاعة في وضع النقاط على الحروف، وفي بيان ما مارسته الحكومة الإسرائيلية من أبشع صور التهجير والقتل، مشيرا إلى أن جلالة الملك يركز دائما على أهمية التشاركية الدولية والعمل الجماعي من أجل حفظ الأمن العالمي، انطلاقا من أن القضايا التي يواجهها العالم أكبر من قدرات الدول منفردة، وتتطلب جهوداً مشتركة.
ولفت إلى أن جلالة الملك يولي اهتماما دائماً لقضايا الإنسانية، وبخاصة قضايا اللجوء، باعتبار الأردن من أكبر الدول المضيفة للاجئين، وما يقوم به من دور إنساني في هذا الجانب.
وبين أن قضية مواجهة التطرف والإرهاب تشكل محورا آخر يطرحه جلالة الملك باستمرار، مؤكدا أن الأردن يقود هذا الملف ويمتلك الخبرة والقدرة على الإسهام الفعال في مواجهته، إضافة إلى قضايا التعاون الاقتصادي والأمني.
وخلص المومني إلى أن خطابات جلالة الملك تمثل مرجعية نابعة من خبرة ومصداقية عالمية، وتعكس براعة الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالته، مؤكدا أن اجتماعات الجمعية العامة تحتل مكانة مهمة في سياق الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتشكل مناسبة للتأكيد على القضايا التي تمس المصالح الوطنية الاستراتيجية الأردنية وإبرازها.
وأكد أستاذ القانون العام الدكتور معاذ أبو دلو، أن خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة تحظى دائما بمتابعة واهتمام دوليين واسعين، كون جلالته يمثل صوت الإقليم والعالم العربي في المحافل الدولية.
وأوضح أبو دلو أن الرسالة المحورية التي طالما حملتها خطابات جلالته السابقة تؤكد أن غياب الاستقرار والسلام يحول دون الحديث عن فرص المنطقة وإمكاناتها، مشيرا إلى تحذيرات الملك المستمرة من أن منطقة شهدت العديد من الحروب تبقى مرشحة لإنتاج المزيد منها ما لم يُسدّ جوهر الصراع، مع دعوة دول الإقليم والحرص على التحلي بالحكمة تجنبا لاتساع رقعته.
وأشار إلى أن الخطابات الملكية طالما سلطت الضوء على صمود الأردن في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ورفضه القاطع لأن يكون ساحة للصراعات الإقليمية، إلى جانب تمسكه بفتح قنوات الحوار مع كافة الأطراف سعياً لترسيخ السلم والأمن الدوليين.
وأضاف أبو دلو أن الثوابت الأردنية التي تجلت في الخطابات السابقة ركزت على ضرورة خفض التصعيد الإقليمي، إلى جانب وقوف الأردن الثابت مع سيادة لبنان واستقراره، والدعوة لوحدة سوريا واستقرارها، وإنهاء الاضطرابات في الضفة الغربية وضمان وصول المساعدات لقطاع غزة.
وشدد على أن خطابات جلالة الملك أطرت الموقف الأردني الراسخ تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية، داعية إلى احترام قرارات الشرعية الدولية وحل العادل والشامل وفق حدود الرابع من حزيران 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية استناداً إلى مبادرة السلام العربية (قمة بيروت 2002) ومبدأ الأرض مقابل السلام.
وأشار إلى تأكيد الخطابات الملكية الدائم على التصدي لأي محاولات للمساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ودعم استمرار عمل وكالة (الأونروا)، مع الرفض المطلق لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين، جاعلة من إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المدخل الأساسي والمفتاح الرئيسي لتحقيق الاستقرار والأمن والسلم الدوليين.
وقال أستاذ القانون الدستوري الدكتور مشعل الماضي، إن خطابات جلالة الملك في الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد عرض للموقف الأردني، بل هي حضور أردني فاعل في صناعة الموقف الدولي تجاه قضايا المنطقة.
وأضاف إن هذه الخطابات حافظت على ثوابت واضحة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والوصاية الهاشمية على المقدسات.
وبيّن الماضي أنه يبرز في الخطاب الملكي رؤية تقوم على السلام والاعتدال واحترام القانون الدولي ورفض ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات، مشيرا إلى أن الخطاب يتميز بقدرته على الجمع بين وضوح الموقف وعمق الرؤية وقوة الحجة دون التخلي عن لغة الحوار والتوازن.
وأشار إلى أن أهمية الحضور الملكي دولياً تكمن في أن الأردن لا يكتفي بالتعبير عن موقفه، وإنما يقدم رؤية سياسية متكاملة لقضايا المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه تحقيق السلام والاستقرار.
(بترا - أمين الرواشدة)
    نيسان ـ نشر في 2026/09/21 الساعة 00:00