كيف تخطط مدريد لضم سبتة ومليلية إلى حلف الأطلسي؟
نيسان ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 00:00
هل تسعى الحكومة الإسبانية إلى إدماج سبتة ومليلية المحتلتين ضمن مظلة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟ هذا ما يمكن استنتاجه من استراتيجية حكومة مدريد الاشتراكية، وكذلك من مواقف المعارضة اليمينية منذ سنوات، غير أن وتيرة هذا التوجه ارتفعت بعد الاقتحام الجماعي لسبتة يوم 30 يوليو/تموز بمباركة الاتحاد الأوروبي.
عمليا، أصبحت عملية الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة يوم 30 يوليو 2026، التي سجلت دخول ما يقارب 80 ألف شخص، أغلبهم مغاربة، ومقتل 141 شخصا غرقا، منعطفا بالغ الحساسية في العلاقات المغربية – الإسبانية، وكذلك في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي. ويمكن تأويل هذه التطورات في اتجاهين: أولهما رغبة الأوروبيين في دفع المغرب إلى الالتزام بتعهداته، ومنها محاربة الهجرة غير النظامية، وثانيهما رغبة إسبانيا في الحد من أي تطور إقليمي للمغرب وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
يبدو أن الاستراتيجية الإسبانية تقوم على تحرك دقيق يرمي للحصول على اعتراف أوروبي بإسبانية سبتة ومليلية، وهو ما حققته الآن بشكل واضح، تمهيدا، للحصول على مظلة حماية من حلف شمال الأطلسي
ويبقى جوهر بيان البرلمان الأوروبي الصادر يوم 17 سبتمبر/أيلول الجاري بشأن مأساة سبتة، هو الدعم الأوروبي الصريح لإسبانيا على حساب المغرب، إذ خصص القرار أكثر من 26 نقطة لدعم الموقف الإسباني، إلى جانب نقاط أخرى يستعرض فيها حيثيات القرار وخلفياته. ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها، النقطة الثالثة، التي جاء فيها حرفيا: «يعرب عن تضامنه الكامل مع مواطني سبتة وسلطاتها المحلية، ويؤكد مجددا أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وأوروبيتان، وأن سيادتهما وسلامتهما الإقليمية موضع لا لبس فيه». ثم تأتي النقطة الرابعة، التي تصف ما تعرضت له سبتة بأنه «حرب هجينة وغزو»، من خلال اعتبار استخدام الهجرة غير النظامية أداة ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وفي النقطة السابعة، يبرز نص القرار حرفيا «إن أي محاولة للمساس بسيادة أي دولة عضو وسلامتها الإقليمية، تشكل انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة». وفي النقطة 22 من البيان يبرز حرفيا «يحث السلطات المغربية على تحمل مسؤولياتها كشريك رئيسي للاتحاد الأوروبي، والوفاء بالتزاماتها في إدارة الحدود والإعادة والتعاون في مجال الهجرة. ويؤكد أن هذا التعاون يجب أن يقوم على الاحترام غير المشروط للسلامة الإقليمية للدول الأعضاء في الاتحاد، ويعتبر أن أي تصريح يشكك في السيادة الإسبانية غير مقبول وغير متوافق مع التزامات الدولة الشريكة».
ويتضح من خلال هذه النقاط كيف نجحت إسبانيا في إضفاء طابع أوروبي على النزاع حول سبتة ومليلية، مستغلة مأساة سبتة يوم 30 يوليو. وإذا كان قرار البرلمان الأوروبي قد اعتبر، في يونيو/حزيران 2021، عقب اقتحام مماثل لسبتة خلال شهر مايو/أيار من السنة نفسها، شارك فيه نحو 17 ألف شخص، أن سبتة ومليلية أراض إسبانية، فإن قرار 17 سبتمبر ذهب أبعد من ذلك، بعدما ربط اتفاقية الشراكة مع المغرب بعدم التشكيك من جانب سلطات الرباط في إسبانية سبتة ومليلية. واللافت أن هذا الموقف تتبناه الآن المفوضية الأوروبية أيضا، ويكفي الاطلاع على تصريحات رئيستها، أورسولا فون دير لاين، عندما قالت يوم 16 سبتمبر 2026 أمام البرلمان الأوروبي: «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا». ويبدو أن الاستراتيجية الإسبانية تقوم على تحرك دقيق يرمي إلى الحصول على اعتراف أوروبي بإسبانية سبتة ومليلية، وهو ما حققته الآن بشكل واضح، تمهيدا، وفق هذا الطرح، للحصول على مظلة حماية من حلف شمال الأطلسي، والاستفادة من أي ترتيبات دفاعية أوروبية مستقبلية لصالح المدينتين، خاصة أنه يجري الحديث عن جيش أوروبي موحد في ظل الانقسام وسط الحلف. ويمكن التوقف عند ثلاث محطات رئيسية في هذا المسار: الأولى: زيارة لجنة تابعة لحلف شمال الأطلسي إلى مليلية في منتصف سبتمبر من السنة الماضية، التي شكلت، حسب هذا الطرح، سابقة في تاريخ الحلف. الثانية: حصول إسبانيا على دعم من أعضاء في حلف شمال الأطلسي في حال نشوب نزاع مسلح مع المغرب، علما أن الحلف سينضم براغماتيا الى دعم إسبانيا، ولن يترك دولة مسلمة من الجنوب الانتصار على دولة غربية ومسيحية. والثالثة: ما صدر، خلال الأيام الأخيرة، عن الممثل الخاص لحلف شمال الأطلسي لشؤون الجوار الجنوبي، خافيير كولومينا، من أن الحلف سيستجيب إذا طلبت إسبانيا مساعدة بقية الحلفاء بشأن سبتة، إضافة إلى نصحه مدريد بطرح ملف المدينتين على الحلف، وفق المادة الرابعة من معاهدة شمال الأطلسي، من أجل دراسة الوضع. ففي مقالات سابقة، وكذلك في كتابي «المغرب في الفكر الإسباني» الصادر سنة 2023، عالجت كيف نجح الجيش المغربي، نسبيا، في تقليص الفجوة في موازين القوة العسكرية بينه وبين إسبانيا، وهي الفجوة التي استمرت لقرون. وهذا ما يجعل إقدام إسبانيا على شن حرب ضد المغرب، مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار التحولات التي طرأت على طبيعة الحروب في عصرنا الراهن، إذ إن التفوق العسكري، في حد ذاته، لا يضمن تحقيق الانتصار. ولهذا، يبقى الرهان لضمان تفوق كمي ونوعي هو إقحام مؤسسات عسكرية دولية مثل الحلف الأطلسي والقوات الأوروبية.
في غضون ذلك، سيتم التوصل إلى حل مشكل الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن الأخير يلوح بعقوبات اقتصادية منها، تعليق اتفاقية الشراكة. ولكن من الصعب أن يقنع الاتحاد الأوروبي بالتراجع عن موقفه المؤيد لاستعمار إسبانيا لسبتة ومليلية. ويبقى السؤال المثير هو: لماذا لم يصدر رد سياسي من طرف المغرب على البرلمان الأوروبي. نعم، المغرب يعطي الأولوية لنزاع الصحراء، ولكن هذا لا يمنع الأحزاب السياسية من رد فعل حتى لا يكتب التاريخ أن المغرب وقف صامتا أمام اعتراف أوروبا بواقع استعماري لجزء من أراضيه، سبتة ومليلية التي حاولت أجيال وأجيال استعادتها.
كاتب مغربي
عمليا، أصبحت عملية الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة يوم 30 يوليو 2026، التي سجلت دخول ما يقارب 80 ألف شخص، أغلبهم مغاربة، ومقتل 141 شخصا غرقا، منعطفا بالغ الحساسية في العلاقات المغربية – الإسبانية، وكذلك في العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي. ويمكن تأويل هذه التطورات في اتجاهين: أولهما رغبة الأوروبيين في دفع المغرب إلى الالتزام بتعهداته، ومنها محاربة الهجرة غير النظامية، وثانيهما رغبة إسبانيا في الحد من أي تطور إقليمي للمغرب وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
يبدو أن الاستراتيجية الإسبانية تقوم على تحرك دقيق يرمي للحصول على اعتراف أوروبي بإسبانية سبتة ومليلية، وهو ما حققته الآن بشكل واضح، تمهيدا، للحصول على مظلة حماية من حلف شمال الأطلسي
ويبقى جوهر بيان البرلمان الأوروبي الصادر يوم 17 سبتمبر/أيلول الجاري بشأن مأساة سبتة، هو الدعم الأوروبي الصريح لإسبانيا على حساب المغرب، إذ خصص القرار أكثر من 26 نقطة لدعم الموقف الإسباني، إلى جانب نقاط أخرى يستعرض فيها حيثيات القرار وخلفياته. ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها، النقطة الثالثة، التي جاء فيها حرفيا: «يعرب عن تضامنه الكامل مع مواطني سبتة وسلطاتها المحلية، ويؤكد مجددا أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وأوروبيتان، وأن سيادتهما وسلامتهما الإقليمية موضع لا لبس فيه». ثم تأتي النقطة الرابعة، التي تصف ما تعرضت له سبتة بأنه «حرب هجينة وغزو»، من خلال اعتبار استخدام الهجرة غير النظامية أداة ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وفي النقطة السابعة، يبرز نص القرار حرفيا «إن أي محاولة للمساس بسيادة أي دولة عضو وسلامتها الإقليمية، تشكل انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة». وفي النقطة 22 من البيان يبرز حرفيا «يحث السلطات المغربية على تحمل مسؤولياتها كشريك رئيسي للاتحاد الأوروبي، والوفاء بالتزاماتها في إدارة الحدود والإعادة والتعاون في مجال الهجرة. ويؤكد أن هذا التعاون يجب أن يقوم على الاحترام غير المشروط للسلامة الإقليمية للدول الأعضاء في الاتحاد، ويعتبر أن أي تصريح يشكك في السيادة الإسبانية غير مقبول وغير متوافق مع التزامات الدولة الشريكة».
ويتضح من خلال هذه النقاط كيف نجحت إسبانيا في إضفاء طابع أوروبي على النزاع حول سبتة ومليلية، مستغلة مأساة سبتة يوم 30 يوليو. وإذا كان قرار البرلمان الأوروبي قد اعتبر، في يونيو/حزيران 2021، عقب اقتحام مماثل لسبتة خلال شهر مايو/أيار من السنة نفسها، شارك فيه نحو 17 ألف شخص، أن سبتة ومليلية أراض إسبانية، فإن قرار 17 سبتمبر ذهب أبعد من ذلك، بعدما ربط اتفاقية الشراكة مع المغرب بعدم التشكيك من جانب سلطات الرباط في إسبانية سبتة ومليلية. واللافت أن هذا الموقف تتبناه الآن المفوضية الأوروبية أيضا، ويكفي الاطلاع على تصريحات رئيستها، أورسولا فون دير لاين، عندما قالت يوم 16 سبتمبر 2026 أمام البرلمان الأوروبي: «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا». ويبدو أن الاستراتيجية الإسبانية تقوم على تحرك دقيق يرمي إلى الحصول على اعتراف أوروبي بإسبانية سبتة ومليلية، وهو ما حققته الآن بشكل واضح، تمهيدا، وفق هذا الطرح، للحصول على مظلة حماية من حلف شمال الأطلسي، والاستفادة من أي ترتيبات دفاعية أوروبية مستقبلية لصالح المدينتين، خاصة أنه يجري الحديث عن جيش أوروبي موحد في ظل الانقسام وسط الحلف. ويمكن التوقف عند ثلاث محطات رئيسية في هذا المسار: الأولى: زيارة لجنة تابعة لحلف شمال الأطلسي إلى مليلية في منتصف سبتمبر من السنة الماضية، التي شكلت، حسب هذا الطرح، سابقة في تاريخ الحلف. الثانية: حصول إسبانيا على دعم من أعضاء في حلف شمال الأطلسي في حال نشوب نزاع مسلح مع المغرب، علما أن الحلف سينضم براغماتيا الى دعم إسبانيا، ولن يترك دولة مسلمة من الجنوب الانتصار على دولة غربية ومسيحية. والثالثة: ما صدر، خلال الأيام الأخيرة، عن الممثل الخاص لحلف شمال الأطلسي لشؤون الجوار الجنوبي، خافيير كولومينا، من أن الحلف سيستجيب إذا طلبت إسبانيا مساعدة بقية الحلفاء بشأن سبتة، إضافة إلى نصحه مدريد بطرح ملف المدينتين على الحلف، وفق المادة الرابعة من معاهدة شمال الأطلسي، من أجل دراسة الوضع. ففي مقالات سابقة، وكذلك في كتابي «المغرب في الفكر الإسباني» الصادر سنة 2023، عالجت كيف نجح الجيش المغربي، نسبيا، في تقليص الفجوة في موازين القوة العسكرية بينه وبين إسبانيا، وهي الفجوة التي استمرت لقرون. وهذا ما يجعل إقدام إسبانيا على شن حرب ضد المغرب، مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار التحولات التي طرأت على طبيعة الحروب في عصرنا الراهن، إذ إن التفوق العسكري، في حد ذاته، لا يضمن تحقيق الانتصار. ولهذا، يبقى الرهان لضمان تفوق كمي ونوعي هو إقحام مؤسسات عسكرية دولية مثل الحلف الأطلسي والقوات الأوروبية.
في غضون ذلك، سيتم التوصل إلى حل مشكل الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن الأخير يلوح بعقوبات اقتصادية منها، تعليق اتفاقية الشراكة. ولكن من الصعب أن يقنع الاتحاد الأوروبي بالتراجع عن موقفه المؤيد لاستعمار إسبانيا لسبتة ومليلية. ويبقى السؤال المثير هو: لماذا لم يصدر رد سياسي من طرف المغرب على البرلمان الأوروبي. نعم، المغرب يعطي الأولوية لنزاع الصحراء، ولكن هذا لا يمنع الأحزاب السياسية من رد فعل حتى لا يكتب التاريخ أن المغرب وقف صامتا أمام اعتراف أوروبا بواقع استعماري لجزء من أراضيه، سبتة ومليلية التي حاولت أجيال وأجيال استعادتها.
كاتب مغربي
نيسان ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 00:00