حين يخلع القلب خوذة الحرب
نيسان ـ نشر في 2026/09/25 الساعة 00:00
وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ؛ يَمْضِي بِعُمْرِهِ، وَيَمْضِي عُمْرُهُ بِهِ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَ مَا يُرِيدُ، أَدْرَكَهُ الْعُمْرُ وَهُوَ فِي حَسْرٍ، يَحْمِلُ مِنْ أَيَّامِهِ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْجِبَالُ، وَيَجْرِي خَلْفَ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ يَلْحَقُ ظِلَّهُ، وَفِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، يَبْحَثُ عَنْ قَبَسٍ لَا يَنْطَفِئُ، وَعَنْ سَلَامٍ لَا يَخُونُهُ الْخَوْفُ، وَعَنْ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّي تُعِيدُ إِلَى الْقَلْبِ مَا سَلَبَتْهُ الأَيَّامُ.
وأنا مثلُ هذا الإنسان، أمضي بما كتبتُ، وأجرُّ خلفي ظلالَ ما مرَّ بي حتى أثقلني، وأضناني، وصار في حنجرتي من الكلام ما لا يخرج إلا وجعًا، فظننتُ أنني بلغتُ من الكلام منتهاه، فإذا بي أجد في قلمي حريقٌ، وفي ورقي حريق، ولستُ أدري، أفي حلم أستفيق، أم على وجع لا يفيق، إن سالَ قلمي فكلُّ سطرٍ أودعَ حرفًا، وإن صمتَ الورقُ عانيتُ من ضيقْ، ولم أعد أدري، أأكتب كي أحيا، أم أحيا كي أكتب؟
لكني تعبت، تعبتُ وأنا أكتب عن الحرب، فأجد الإنسانَ في قلب الخراب، وعن السلام، فأجد الخوفَ متربصًا خلفه، وعن الحرية، فأجد القيدَ أشدَّ حضورًا من أبوابها، وعن السياسة، فأجد الإنسانَ مختبئًا خلف القرار، وعن الأعياد، فأجد الفرحَ عابرًا كأنه يستعير من الحياة لحظةً ثم يمضي، تعبتُ من الكتابة التي كلما فتحتُ لها بابًا، أعادتني إلى الإنسان، وكلما ظننتُ أنني فرغتُ من وجعه، وجدتُ في داخلي وجعًا آخر لم أكتبه بعد.
تعبتُ من الحرب، لا لأن الحرب انتهت، بل لأن الكلام عنها صار يمشي في دمي كجنديٍّ أضناه الطريق، يحمل على كتفيه خرائط المدن المحترقة، ويجرّ خلفه ظلال الذين عبروا من الحياة ولم تعبر الحياة من أرواحهم، وكم كتبتُ عن السلام حتى خلتُ أن السلام نفسه قد أُرهق من كثرة ما نطلبه منه، وكم فتشتُ في وجه الأرض عن نافذة لا يطل منها دخان، وفي وجه الوطن عن ابتسامة لم تسرقها الأزمنة، وفي عيون الإنسان عن بقيةٍ لم تصل إليها يد الخراب، حتى أدركتُ أنني كلما كتبتُ عن الحرب كنتُ، من حيث لا أدري، أبحث عن الإنسان الذي خبأته الحرب تحت ركامها.
وكم تعبتُ من الكتابة عن السياسة، عن وجوهها المتبدلة، وعن الكلمات التي تصعد إلى المنابر ثم تهبط إلى الشوارع محمّلةً بوعودٍ كثيرة، وعن الخرائط التي ترسمها الأقلام قبل أن ترسمها الأقدار، وعن الإنسان الذي ظلّ، في قلب كل خطابٍ وكل قرارٍ وكل صراع، يبحث عن حياةٍ لا تثقلها الحسابات، وعن وطنٍ يستطيع أن يحلم فيه دون أن يتحول حلمه إلى معركة.
وكم تعبتُ من الكتابة عن الحرية، عن تلك الكلمة التي حملتها الشعوب على أكتافها، ورفعتها فوق الجراح كما تُرفع رايةٌ في مهبّ الريح، حتى كادت الحروف نفسها أن تكلّ من كثرة ما نحمّلها من أحلام، وكم كتبتُ عن الملاعب، عن تلك المساحات التي يركض فيها الإنسان خلف كرةٍ صغيرة، بينما تركض خلفها في الذاكرة أحلام المدن وأصوات الجماهير وفرحة الذين وجدوا في المدرجات فسحةً مؤقتةً من ثقل الحياة، حتى شعرتُ أنني أبحث في كل موضوعٍ أكتبه عن الشيء نفسه، عن إنسانٍ يريد أن يعيش، وأن يفرح، وأن يكون حرًّا، وأن يجد في هذا العالم مكانًا لا يخاف فيه من الغد.
فما الحرب إلا ذلك الوحش الذي لا يكتفي بأن يهدم البيوت، بل يريد أن يهدم في الإنسان قدرته على أن يحب، ولا يكتفي بأن يقتلع شجرة من ترابها، بل يريد أن يقتلع من القلب جذور الرحمة، ولا يكتفي بأن يسرق من المدن أسماءها، بل يحاول أن يمحو من الذاكرة معنى البيت، ومعنى الأم، ومعنى أن يعود المرء آخر النهار إلى وجهٍ ينتظره، وإلى يدٍ لا تسأل أين كنت، بل تقول في صمت: لقد عدت.
ومن هنا، بعد أن أثقلني صهيل المدافع، وجلبة الخرائط، وأخبار الذين صار موتهم رقمًا في نشرة، وبعد أن أتعبتني الكلمات عن السلام والحرية والسياسة، وحتى تلك الملاعب التي حاولتُ أن أرى فيها وجهًا آخر للحياة، شعرتُ أن الكتابة نفسها تريد أن تخلع عنها خوذة الحرب، وأن تمشي حافيةً في دروب الإنسان، تبحث عن ذلك النبض الصغير الذي ظلّ، رغم كل شيء، يرفض أن يموت.
هناك، في آخر الطريق، وجدتُ الحب، لم أجده وردةً معلقةً على نافذة عاشق، ولا قصيدةً تتكئ على كتف امرأة، ولا وعدًا عابرًا بين قلبين، وجدته أوسع من ذلك كله، وجدته ذلك السر القديم الذي يجعل الإنسان، رغم كل ما انكسر فيه، قادرًا على أن يمد يده إلى إنسان آخر، وأن يقول له دون كلام: لا تخف، ما زال في هذا العالم متسعٌ لك.
وجدتُ الحب في أمٍّ تنتظر ابنها عند الباب، وفي طفلٍ يضحك وسط مدينةٍ أثقلها الرماد، وفي يدٍ تمسح دمعةً لا تعرف صاحبها، وفي غريبين تلاقيا في زحام العمر فشعرا، لوهلة أن العالم لم يكن قاسيًا إلى هذا الحد، وفي قلبٍ أُنهك من الفقد ثم بقي، رغم جراحه، قادرًا على أن يخفق.
وما أغرب القلب حين يُصاب ولا يموت، حين تهوي عليه الأيام كالمطارق ثم يظل في صدر صاحبه قطعةً من نور، وحين تُكثر الحياة من تعليمه القسوة فيعود إليها بالرحمة، كأن في أعماقه عهدًا قديمًا لا تستطيع الحروب أن تنقضه.
الحب ليس ترفًا حين يضيق العالم، وليس هروبًا من وجع الأرض، وليس انحناءةً عاطفيةً أمام جمال عابر، الحب في جوهره مقاومةٌ صامتة لكل ما يريد أن يحوّل الإنسان إلى حجر، هو أن تبقى قادرًا على الحنان حين تصبح القسوة أسهل، وأن ترى الخراب ولا تصبح خرابًا، وأن تعبر بين الحرائق وفي قلبك موضعٌ لم تطله النار.
ولعلّ أجمل ما في الحب أنه لا يسأل الإنسان من أي جهة جاء، ولا من أي وطن، ولا من أي مدينةٍ يحمل غباره، ولا كم حربًا عبر، ولا كم مرةٍ خذلته الحياة، يكفيه أن يكون قلبًا، ويكفي القلب أن يجد قلبًا آخر لم يتحول بعد إلى رماد.
لهذا عدتُ إلى الحب، لا لأكتب عن قلبٍ واحد، بل عن قلوبٍ كثيرةٍ تفرقت في الجهات وظلت تبحث عن بعضها في عتمة العالم، عن الذين أخفوا حاجتهم إلى الحنان خلف ملامح صلبة، وعن الذين ناموا وهم يقولون «أنا بخير» بينما كانت أرواحهم في مكان آخر تبكي بصمت، وعن الذين لم يعودوا يريدون من الحياة انتصارًا عظيمًا، بل يدًا لا تترك يدهم في منتصف الطريق.
فالحرب قد تجعل الإنسان ينسى كيف يبتسم، لكنها لا تستطيع أن تمنعه إلى الأبد من الحنين إلى ابتسامة.
وقد تهدم البيوت لكنها لا تستطيع أن تهدم تمامًا ذلك البيت الخفي الذي يبنيه الإنسان في قلب إنسان آخر.
وقد تقتل الجسد، لكنها لا تعرف كيف تقتل المعنى.
وكنتُ أبحث عن السلام في الخرائط، فإذا بي أجده في القلب، أبحث عنه بين الحدود والمسافات، فإذا به يسكن المسافة القصيرة بين يدٍ ويد، وبين عينٍ وعين، وبين روحٍ تقول لروحٍ أخرى: ما زلتَ هنا، وأنا ما زلتُ أراك.
وربما لهذا السبب لا يكون الحب نقيض الحرب فحسب، بل يكون نقيض الموت الداخلي الذي تتركه الحرب خلفها، لأن الحرب قد تنتهي ذات صباح، وتبقى شظاياها في الأرواح، ويبقى الإنسان محتاجًا إلى شيءٍ يعيد إليه صورته الأولى، إلى شيءٍ يغسل عن قلبه غبار السنوات، ويقول له إن النجاة ليست أن تخرج من النار فقط، بل أن تخرج منها وما زال فيك شيءٌ يصلح للحب.
الحب لا يطفئ الحرب وحده، لكنه يمنعها من أن تتم مهمتها الأخيرة، يمنعها من أن تقنع الإنسان بأن القسوة قدر، وأن الخراب لغة، وأن النجاة لا تكون إلا على حساب الآخر.
ولهذا، حين عدتُ إلى الكتابة عن الحب، لم أجدني أبتعد عن الحرب، بل وجدتني أذهب إلى أبعد نقطةٍ فيها، إلى ذلك المكان الذي كانت الحرب تريد الوصول إليه ولم تستطع: قلب الإنسان.
هناك، حيث لا مدافع ولا خرائط ولا حدود، بقي شيءٌ صغيرٌ يضيء، كقنديلٍ وحيدٍ في آخر نفقٍ طويل، ذلك الشيء اسمه الحب، وربما ليست القضية في أن نحب فقط، بل أن نحافظ على قدرتنا على الحب بعد أن تمرّ بنا كل الأشياء التي كان يمكن أن تجعلنا نكره، أن نرى العالم وهو ينكسر، ولا نكسر ما فينا من إنسانية، أن نعبر العمر مثقلين بما رأينا، ثم نصل إلى آخر الطريق وفي أيدينا بدل الحجارة وردة، لذا ماذا يبقى للإنسان حين تسقط عنه كل أسمائه، وحين تصمت المدن، وتبهت الرايات، وتنطفئ الأضواء، ويعود وحيدًا إلى نفسه؟
يبقى قلبه وفي القلب، إذا لم تقتله الأيام، يبقى ذلك السر الذي لم تستطع الحرب أن تنتصر عليه، الحب، فوحده ذلك النبض الذي يقول للإنسان، كلما أوشك أن يصير حجرًا:
لا تكن ما أراد لك الخراب أن تكون.
كن إنسانًا.
وأنا مثلُ هذا الإنسان، أمضي بما كتبتُ، وأجرُّ خلفي ظلالَ ما مرَّ بي حتى أثقلني، وأضناني، وصار في حنجرتي من الكلام ما لا يخرج إلا وجعًا، فظننتُ أنني بلغتُ من الكلام منتهاه، فإذا بي أجد في قلمي حريقٌ، وفي ورقي حريق، ولستُ أدري، أفي حلم أستفيق، أم على وجع لا يفيق، إن سالَ قلمي فكلُّ سطرٍ أودعَ حرفًا، وإن صمتَ الورقُ عانيتُ من ضيقْ، ولم أعد أدري، أأكتب كي أحيا، أم أحيا كي أكتب؟
لكني تعبت، تعبتُ وأنا أكتب عن الحرب، فأجد الإنسانَ في قلب الخراب، وعن السلام، فأجد الخوفَ متربصًا خلفه، وعن الحرية، فأجد القيدَ أشدَّ حضورًا من أبوابها، وعن السياسة، فأجد الإنسانَ مختبئًا خلف القرار، وعن الأعياد، فأجد الفرحَ عابرًا كأنه يستعير من الحياة لحظةً ثم يمضي، تعبتُ من الكتابة التي كلما فتحتُ لها بابًا، أعادتني إلى الإنسان، وكلما ظننتُ أنني فرغتُ من وجعه، وجدتُ في داخلي وجعًا آخر لم أكتبه بعد.
تعبتُ من الحرب، لا لأن الحرب انتهت، بل لأن الكلام عنها صار يمشي في دمي كجنديٍّ أضناه الطريق، يحمل على كتفيه خرائط المدن المحترقة، ويجرّ خلفه ظلال الذين عبروا من الحياة ولم تعبر الحياة من أرواحهم، وكم كتبتُ عن السلام حتى خلتُ أن السلام نفسه قد أُرهق من كثرة ما نطلبه منه، وكم فتشتُ في وجه الأرض عن نافذة لا يطل منها دخان، وفي وجه الوطن عن ابتسامة لم تسرقها الأزمنة، وفي عيون الإنسان عن بقيةٍ لم تصل إليها يد الخراب، حتى أدركتُ أنني كلما كتبتُ عن الحرب كنتُ، من حيث لا أدري، أبحث عن الإنسان الذي خبأته الحرب تحت ركامها.
وكم تعبتُ من الكتابة عن السياسة، عن وجوهها المتبدلة، وعن الكلمات التي تصعد إلى المنابر ثم تهبط إلى الشوارع محمّلةً بوعودٍ كثيرة، وعن الخرائط التي ترسمها الأقلام قبل أن ترسمها الأقدار، وعن الإنسان الذي ظلّ، في قلب كل خطابٍ وكل قرارٍ وكل صراع، يبحث عن حياةٍ لا تثقلها الحسابات، وعن وطنٍ يستطيع أن يحلم فيه دون أن يتحول حلمه إلى معركة.
وكم تعبتُ من الكتابة عن الحرية، عن تلك الكلمة التي حملتها الشعوب على أكتافها، ورفعتها فوق الجراح كما تُرفع رايةٌ في مهبّ الريح، حتى كادت الحروف نفسها أن تكلّ من كثرة ما نحمّلها من أحلام، وكم كتبتُ عن الملاعب، عن تلك المساحات التي يركض فيها الإنسان خلف كرةٍ صغيرة، بينما تركض خلفها في الذاكرة أحلام المدن وأصوات الجماهير وفرحة الذين وجدوا في المدرجات فسحةً مؤقتةً من ثقل الحياة، حتى شعرتُ أنني أبحث في كل موضوعٍ أكتبه عن الشيء نفسه، عن إنسانٍ يريد أن يعيش، وأن يفرح، وأن يكون حرًّا، وأن يجد في هذا العالم مكانًا لا يخاف فيه من الغد.
فما الحرب إلا ذلك الوحش الذي لا يكتفي بأن يهدم البيوت، بل يريد أن يهدم في الإنسان قدرته على أن يحب، ولا يكتفي بأن يقتلع شجرة من ترابها، بل يريد أن يقتلع من القلب جذور الرحمة، ولا يكتفي بأن يسرق من المدن أسماءها، بل يحاول أن يمحو من الذاكرة معنى البيت، ومعنى الأم، ومعنى أن يعود المرء آخر النهار إلى وجهٍ ينتظره، وإلى يدٍ لا تسأل أين كنت، بل تقول في صمت: لقد عدت.
ومن هنا، بعد أن أثقلني صهيل المدافع، وجلبة الخرائط، وأخبار الذين صار موتهم رقمًا في نشرة، وبعد أن أتعبتني الكلمات عن السلام والحرية والسياسة، وحتى تلك الملاعب التي حاولتُ أن أرى فيها وجهًا آخر للحياة، شعرتُ أن الكتابة نفسها تريد أن تخلع عنها خوذة الحرب، وأن تمشي حافيةً في دروب الإنسان، تبحث عن ذلك النبض الصغير الذي ظلّ، رغم كل شيء، يرفض أن يموت.
هناك، في آخر الطريق، وجدتُ الحب، لم أجده وردةً معلقةً على نافذة عاشق، ولا قصيدةً تتكئ على كتف امرأة، ولا وعدًا عابرًا بين قلبين، وجدته أوسع من ذلك كله، وجدته ذلك السر القديم الذي يجعل الإنسان، رغم كل ما انكسر فيه، قادرًا على أن يمد يده إلى إنسان آخر، وأن يقول له دون كلام: لا تخف، ما زال في هذا العالم متسعٌ لك.
وجدتُ الحب في أمٍّ تنتظر ابنها عند الباب، وفي طفلٍ يضحك وسط مدينةٍ أثقلها الرماد، وفي يدٍ تمسح دمعةً لا تعرف صاحبها، وفي غريبين تلاقيا في زحام العمر فشعرا، لوهلة أن العالم لم يكن قاسيًا إلى هذا الحد، وفي قلبٍ أُنهك من الفقد ثم بقي، رغم جراحه، قادرًا على أن يخفق.
وما أغرب القلب حين يُصاب ولا يموت، حين تهوي عليه الأيام كالمطارق ثم يظل في صدر صاحبه قطعةً من نور، وحين تُكثر الحياة من تعليمه القسوة فيعود إليها بالرحمة، كأن في أعماقه عهدًا قديمًا لا تستطيع الحروب أن تنقضه.
الحب ليس ترفًا حين يضيق العالم، وليس هروبًا من وجع الأرض، وليس انحناءةً عاطفيةً أمام جمال عابر، الحب في جوهره مقاومةٌ صامتة لكل ما يريد أن يحوّل الإنسان إلى حجر، هو أن تبقى قادرًا على الحنان حين تصبح القسوة أسهل، وأن ترى الخراب ولا تصبح خرابًا، وأن تعبر بين الحرائق وفي قلبك موضعٌ لم تطله النار.
ولعلّ أجمل ما في الحب أنه لا يسأل الإنسان من أي جهة جاء، ولا من أي وطن، ولا من أي مدينةٍ يحمل غباره، ولا كم حربًا عبر، ولا كم مرةٍ خذلته الحياة، يكفيه أن يكون قلبًا، ويكفي القلب أن يجد قلبًا آخر لم يتحول بعد إلى رماد.
لهذا عدتُ إلى الحب، لا لأكتب عن قلبٍ واحد، بل عن قلوبٍ كثيرةٍ تفرقت في الجهات وظلت تبحث عن بعضها في عتمة العالم، عن الذين أخفوا حاجتهم إلى الحنان خلف ملامح صلبة، وعن الذين ناموا وهم يقولون «أنا بخير» بينما كانت أرواحهم في مكان آخر تبكي بصمت، وعن الذين لم يعودوا يريدون من الحياة انتصارًا عظيمًا، بل يدًا لا تترك يدهم في منتصف الطريق.
فالحرب قد تجعل الإنسان ينسى كيف يبتسم، لكنها لا تستطيع أن تمنعه إلى الأبد من الحنين إلى ابتسامة.
وقد تهدم البيوت لكنها لا تستطيع أن تهدم تمامًا ذلك البيت الخفي الذي يبنيه الإنسان في قلب إنسان آخر.
وقد تقتل الجسد، لكنها لا تعرف كيف تقتل المعنى.
وكنتُ أبحث عن السلام في الخرائط، فإذا بي أجده في القلب، أبحث عنه بين الحدود والمسافات، فإذا به يسكن المسافة القصيرة بين يدٍ ويد، وبين عينٍ وعين، وبين روحٍ تقول لروحٍ أخرى: ما زلتَ هنا، وأنا ما زلتُ أراك.
وربما لهذا السبب لا يكون الحب نقيض الحرب فحسب، بل يكون نقيض الموت الداخلي الذي تتركه الحرب خلفها، لأن الحرب قد تنتهي ذات صباح، وتبقى شظاياها في الأرواح، ويبقى الإنسان محتاجًا إلى شيءٍ يعيد إليه صورته الأولى، إلى شيءٍ يغسل عن قلبه غبار السنوات، ويقول له إن النجاة ليست أن تخرج من النار فقط، بل أن تخرج منها وما زال فيك شيءٌ يصلح للحب.
الحب لا يطفئ الحرب وحده، لكنه يمنعها من أن تتم مهمتها الأخيرة، يمنعها من أن تقنع الإنسان بأن القسوة قدر، وأن الخراب لغة، وأن النجاة لا تكون إلا على حساب الآخر.
ولهذا، حين عدتُ إلى الكتابة عن الحب، لم أجدني أبتعد عن الحرب، بل وجدتني أذهب إلى أبعد نقطةٍ فيها، إلى ذلك المكان الذي كانت الحرب تريد الوصول إليه ولم تستطع: قلب الإنسان.
هناك، حيث لا مدافع ولا خرائط ولا حدود، بقي شيءٌ صغيرٌ يضيء، كقنديلٍ وحيدٍ في آخر نفقٍ طويل، ذلك الشيء اسمه الحب، وربما ليست القضية في أن نحب فقط، بل أن نحافظ على قدرتنا على الحب بعد أن تمرّ بنا كل الأشياء التي كان يمكن أن تجعلنا نكره، أن نرى العالم وهو ينكسر، ولا نكسر ما فينا من إنسانية، أن نعبر العمر مثقلين بما رأينا، ثم نصل إلى آخر الطريق وفي أيدينا بدل الحجارة وردة، لذا ماذا يبقى للإنسان حين تسقط عنه كل أسمائه، وحين تصمت المدن، وتبهت الرايات، وتنطفئ الأضواء، ويعود وحيدًا إلى نفسه؟
يبقى قلبه وفي القلب، إذا لم تقتله الأيام، يبقى ذلك السر الذي لم تستطع الحرب أن تنتصر عليه، الحب، فوحده ذلك النبض الذي يقول للإنسان، كلما أوشك أن يصير حجرًا:
لا تكن ما أراد لك الخراب أن تكون.
كن إنسانًا.
نيسان ـ نشر في 2026/09/25 الساعة 00:00