كاترينا وساندي..عندما أصبحت الأعاصير 'نساء'

نيسان ـ نشر في 2026/09/28 الساعة 00:00
لم تكن أسماء الأعاصير مجرد اختيار عشوائي.. فمن تقاليد بحرية قديمة إلى جدل حول الصور النمطية، مرّت طريقة تسمية العواصف بتاريخ طويل ومثير للجدل.
عندما اجتاحت العاصفة الاستوائية "إميلي" ولاية فلوريدا الأمريكية في يوليو 2017، لم تكن المفاجأة في قوة العاصفة وحدها، بل في الطريقة التي تعامل بها البعض مع اسمها، إذ تحولت "إميلي" سريعا إلى مادة للسخرية على الإنترنت بعد تراجع تصنيفها من عاصفة استوائية إلى منخفض استوائي.
لكن وراء أسماء مثل "إميلي" و"كاترينا" و"ساندي" قصة تاريخية أقدم بكثير، فعلى مدى عقود، كانت الولايات المتحدة تطلق أسماء نسائية فقط على الأعاصير والعواصف الاستوائية، قبل أن يتغير النظام ويصبح استخدام أسماء الرجال والنساء بالتناوب هو القاعدة المعتمدة.
لم تكن هناك قاعدة موحدة لتسمية العواصف في بدايات القرن العشرين، وكانت الأسماء تُختار أحيانا بطريقة شخصية، أو تُنسب إلى أماكن أو شخصيات عامة أو حتى أشخاص مقربين من المسؤولين عن رصد الطقس.
وخلال الحرب العالمية الثانية، بدأ خبراء الأرصاد في الجيش والبحرية الأمريكية استخدام أسماء زوجاتهم وقريباتهم للإشارة إلى العواصف، في تقليد ساعد على ترسيخ الأسماء النسائية في ثقافة التنبؤ بالأعاصير.
وفي عام 1953، تبنت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية نظاما رسميا يعتمد أسماء النساء لتسمية الأعاصير.
ولم يكن اختيار الأسماء النسائية أمرا محسوم الأسباب تماما، إلا أن أحد التفسيرات يرتبط بالتقليد البحري القديم الذي كان يشبّه البحر بالمرأة.
عندما أصبحت الأعاصير "نساء"
مع انتشار الأسماء النسائية، لم يقتصر الأمر على الاسم نفسه، بل بدأ بعض خبراء الأرصاد ووسائل الإعلام في استخدام أوصاف ذات طابع شخصي عند الحديث عن العواصف.
فقد وُصفت بعض الأعاصير بأنها "مزاجية"، وأخرى بأنها "تغازل" السواحل وهي تعبيرات أثارت اعتراض عالمات الأرصاد وناشطات حقوق المرأة.
وكانت الناشطة النسوية الأمريكية روكسي بولتون من أبرز الأصوات التي طالبت بتغيير هذا النظام، ورأت بولتون أن ربط أسماء النساء بالكوارث بصورة عشوائية يحمل دلالة غير مقبولة، وقادت حملات ساهمت، إلى جانب جهود ناشطات أخريات، في تغيير طريقة تسمية العواصف.
وبحلول عام 1979، بدأت الولايات المتحدة استخدام أسماء الرجال والنساء بالتناوب، لينتهي بذلك نظام إطلاق الأسماء النسائية فقط على الأعاصير.
كيف يتم اختيار أسماء الأعاصير اليوم؟
اليوم، تتولى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إدارة قوائم أسماء الأعاصير المدارية، وتضم القوائم أسماء سهلة التذكر للرجال والنساء، ويتم استخدامها وفق ترتيب أبجدي محدد.
وتُعاد القوائم عادةً كل ست سنوات، لكن أسماء الأعاصير التي تتسبب في دمار استثنائي أو خسائر بشرية كبيرة يمكن حذفها نهائيا من القائمة واستبدالها بأسماء أخرى.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة عام 2005، والإعصار هايان الذي ضرب الفلبين ومناطق أخرى عام 2013.
وفي المواسم شديدة النشاط، عندما تنفد قائمة الأسماء المخصصة للعواصف، يمكن اللجوء إلى أنظمة بديلة لتسمية العواصف الإضافية.
هل اسم الإعصار يؤثر في طريقة تعامل الناس معه؟
هنا تبدأ واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل، فقد درس باحثون من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين بيانات مرتبطة بالأعاصير في الولايات المتحدة، وخلصوا في دراسة إلى أن الناس قد ينظرون بصورة لا واعية إلى الإعصار ذي الاسم النسائي باعتباره أقل خطورة، ما قد يؤثر في مستوى الاحتياطات التي يتخذونها.
وفي تجارب أخرى، عُرضت على المشاركين أسماء افتراضية مثل "ألكسندرا" و"ألكسندر"، ووجد الباحثون أن المشاركين صنفوا العاصفة ذات الاسم النسائي باعتبارها أقل خطورة.
ويفسر الباحثون ذلك باحتمال وجود صور نمطية مرتبطة بالنوع، تجعل بعض الأشخاص ينظرون إلى الأسماء الرجالية باعتبارها أكثر ارتباطًا بالقوة أو العدوانية.
لكن هذه النتائج ليست حقيقة محسومة، فقد أشار باحثون آخرون إلى أن الدراسة كانت من بين المحاولات الأولى لإثبات هذا الارتباط، وأن هناك عوامل عديدة تؤثر في عدد ضحايا الأعاصير، من قوة العاصفة ومسارها إلى الاستعداد للإخلاء والبنية التحتية والتحذيرات الرسمية.
الاسم لا يحدد قوة الإعصار
وبعيدا عن الجدل النفسي والاجتماعي، تبقى حقيقة أساسية، وهي أن اسم الإعصار لا علاقة له بقوته أو خطورته الفعلية.
فإعصار "كاترينا"، الذي حمل اسما نسائيا، أصبح أحد أكثر الأعاصير فتكا وتكلفة في التاريخ الأمريكي، بينما تسببت أعاصير تحمل أسماء رجالية أيضا في خسائر بشرية ومادية هائلة.
وهكذا، فإن الاسم الذي نسمعه في نشرات الطقس ليس مجرد لقب للعاصفة، بل نتيجة تاريخ طويل من التقاليد والتغييرات العلمية والاجتماعية، تاريخ بدأ بأسماء شخصية، مرّ بمرحلة اقتصرت فيها الولايات المتحدة على أسماء النساء، وانتهى بنظام حديث يضم أسماء الرجال والنساء ويستبعد أسماء العواصف الأكثر تدميرا من الاستخدام مرة أخرى.
    نيسان ـ نشر في 2026/09/28 الساعة 00:00