محبوبتي في يومها

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00
أنفقت قبل أسابيع ساعات بتعربش طرق زلقة في جبل كيليمانجارو شمال جمهورية تنزانيا الاتحادية. الوصول إلى قرية ماتيروني كان هدفي الجميل للقاء محبوبة وقعت في طيبات حبها منذ كنت في الخامسة.
انفرجت أساريري حين اندغمت في غابة القهوة وقد زادها رذاذ الشلالات المنداحة من قمة الثلج يانعة وعطرا. لم أجد نوارة القهوة لأقبّلها وأمتص رحيقها حتى الإغماء. فالموسم قطاف ثمار، فخمنت بقلبي أن شجرة تمنح كل الطيب المعروف لا بد ويكون نوّارها عصيا على كل شعر ونثر وموسيقى.
لا يمكن لي وصف سعادتي وأنا أستعيد الآن تفاصيل يومين لذيذين مع أفراد من قبيلة التشاغا المحترفين بصناعة القهوة والعابقين بالطيبة والدهشة. في تلك القرية المعلقة بخاصرة المطر عشت تفاصيل القهوة بدءا من قطاف حباتها الناضجة الحمراء الملتاعة كالجمرات مرورا بتجفيفها بين ظل وشمس ثم تقشيرها وتحميصها وتدقها بهاون خشبي ثقيل منحوت من شجر المنيانغا.
أستعيد تلك الذكريات الطازجة وأنا أحتفي باليوم العالمي لمحبوبة السمراء. القهوة. رغم عدم محبتي تخصيص يوم لبعض الأشياء كيوم الحب أو الصداقة أو العمال أو المرأة؛ لأنني أخشى أننا نقترف ذلك الفعل البروتوكولي لشعورنا أنها أشياء آيلة للانقراض والبهوت، وأن اليوم الاحتفالي ما كان إلا ليهمز ذاكرتنا المهترئة، ويبث فيها شيئا من نسغ الحياة.
ثمة من يرى أن القهوة اكتشفت في إثيوبيا، فيما يقول آخرون إنها عُرفت للمرة الأولى في اليمن، يوم كان سعيداً، ويضيفون أن راعياً اكتشفها بعد ملاحظة أن أغنامه تغدو نشطة عقب أكلها. ذلك الراعي، وبعد أن جربها وجد في نفسه شعورا لا يوصف من الزهزهة والبهجة الغامرة، ويقولون إنها سميت قهوة؛ كونها تقهي عن الطعام، أي تجعل شاربها لا يشتهي شيئا غيرها، وهذا الاسم كما تعرفون، كان يمنح للخمر القوية عند العرب، وفيما بعد، وحين حملت إلى العالم في القرون الوسطى صارت تسمى في الغرب نبيذ العرب.
بدوري اكتشفتها في الخامسة من عمري بعد أن كنت أرعى قطعان الغيم من شباك بيتنا المطل على قلعة عجلون، وتحديدا قبل أن تضبطني أمي متلبساً بلعق بقايا الفناجين إثر مغادرة جاراتها. وأذكر كيف أخذتني إليها، ومسحت عن فمي الشاربين المضحكين؛ لتنهال عليّ بالقبلات الصاخبات، داعية ربها أن أكبر لينبت لي شاربان يرقص فوقهما صقر عتيد.
في تلك السنة حفظت من أبي أبيات شعر ما زلت أنشدها بذات الحماس، أنا المحبوبة السمراء، وأجلا في الفناجين، وعودُ الهند لي عطر، وذكري شاع في الصين. وحين كنت أرافقه إلى الأعراس، كنت أتحمّص غضباً إذا ما تجاوزني صبّاب القهوة، ولم يسكب لي فنجاناً، أهزّه بعد أن أروى، كما يفعل الكبار.
العرب تسمي الماء والتمر بالأسودين، وفي عالمنا اليوم ثمة أسودان جديدان يحركانه أو يحرقانه؛ القهوة والنفط. وهي السلعة الثانية التي يتداولها البشر بعد النفط، وأن أكثر من ثلاثة مليارات فنجان تصنع منها يوميا، ولهذا يعجبني أن أسمع كل من يمقت الحروب، وهو يكرّر في وجه العالم المبتلى بالويلات. ما دمنا نرتشف كل تلك القهوة، فلماذا لم تقهنا وتصدنا عن الحروب والشرور والغرور؟
    نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00