عوض و'مطعم الأشرار' (3)

علي أحمد الرحامنة
نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00
​عاد عوض من ضوضاء الوليمة ومتاعبها ووصل البيت قبيل الفجر... كانت المكافآت مجزية إلى حدّ أدار رأسه، وكانت المشاعر المختلطة كبيرة أيضا، إلى حدّ كاد يطيح بفرحته بما أنجزه وما حقّقه! وكانت زوجته شروق (أم أمل) في الانتظار، ولم تكن قد نامت بانتظار زوجها، خاصة وأن مسافة عودته من الوليمة إلى عمّان تستغرق نحو ساعة ...
​سألَتْ شروق إن كان عوض يرغب بشيء من الطعام، فضحك عوض وقال لها: لقد رأيت من الطعام والشراب هذه الليلة ما لم أره أو أسمع به طوال حياتي... أي طعام تتحدثين عنه يا شروق قلبي؟! لقد رأيتُ و"تذوّقتُ"، بحكم عملي، بعضا منه، وشبعت، شبعت "بزيادة" يا حبيبتي!!
​وبعد برهة واستراحة قصيرة، سألت (أم أمل): قل لي يا عوض، وأعرف أنك تعِب وتريد الراحة بعد هذه الليلة التي أثقَلت كاهلك: ما هو انطباعك عن الوليمة، والمدعوّين، وكل الأجواء التي عشتها الليلة؟ وكن صريحا معي، كعادتِك!
​تنهّد عوض، وتمنّى في قرارة نفسه لو لم تَطرح عليه شروق هذا السؤال... وقال: (يا شروق، أنتِ درستِ العلوم السياسية، وأنا خرّيج تخصّص الفندَقة، وأنت الآن تطلبين مني، بسؤالِك، تقديم إجابة، يختلط فيها السياسي بالفندقي بالـ "جوّانيات"، وأنا لست قادرًا على ذلك)!!
​تنهّدت شروق تنهيدة عميقة، ونظرت مباشرة في عينيّ عوض وقالت: (يا حبيبي، حينما التقينا وتعارفنا وشاءت الأقدار ورغبتنا ومباركة أهلنا أن نكون معًا، كنتُ أسعدُ مَن على هذه الأرض ... أحببت إنسانًا نقيا صادقا ذا ضمير، يقف مع الحق، ويكره الباطل، ... يناصر المظلوم على الظالم، كائنا من كان الظالم، وأيًّا كانت حدود جبروته ... هذا هو عوض الذي أحببته وأصبحتُ زوجته، وأنا أسعد الناس بذلك. أمّا السياسة ودهاليزها، فكنت أدرك أنك ستراها وتسمعها و"تشم روائحها"، الزكية أو المقززة، حين تريك الحياة أن السياسة هي حياة جموع الناس ... أنت وأنا وابنتنا (أمل)، وملايين مثلنا ... السياسة تقرّر حياتنا يا حبيبي. هنا هو السؤال)..
​ارتبك (أبو أمل)، وقال: وماذا عن كل ما نسمعه من مبادرات إصلاح سياسي وإداري وخطط ومشروعات...؟ ​​
انتفضت شروق، وقالت: يا عوض، كم علّمتنا الحياة: النوايا قد تكون طيبة والخطط ممتازة والإجراءات الشكلية في أرقى التصنيفات، وحتى على المستوى العالمي والدولي، ... اقرأ الأوراق النقاشية للملك، واقرأ مخرجات لجان الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري وغيره كثير، واسأل نفسك: من الذي يعطّل التنفيذ؟!!
اسأل نفسك أيضا: أين تقبع الجغرافيا الجهوية الفاجرة في كل إخفاق تنفيذيّ؟!
    نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00