الحرب والانتخابات… حسابات ترامب على جبهتين
نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00
الحرب الدائرة أمام أنظار المجتمع الدولي، هيَ حربٌ بين دولتين كبيرتين هما الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران، وتعود أسبابها التاريخية لاختلاف في التوجهات السياسية بين الدولتين، تصاعد الخلاف إلى صراع عسكري مدمر، ليسَ حول المشروع النووي وحده كما في الإعلام، بل تطور إلى ما يتصل بالمضائق المائية التي تمر عبرها ناقلات النفط من مختلف أنحاء المعمورة..
الأخطر في هذا الصراع، أن آثاره تجاوزت حال الدولتين، إلى أحوال العالم، بما يمس، ليس السياســة وحدها، بل السلم والأمن الدوليين في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والصحة والبيئة، وسواها مما يمس حياة الإنسان والحياة عمــوما.
تتزايد مخاوف البشرية وخشيتها إزاء ذلك الاضطراب الذي قد يفضي بالعالم إلى حربٍ عالمية ثالثة، لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها، خاصة أن آليات احتواء مثل ذلك الاحتمال غائبة تماما، إذ أن المنظمة الأممية عاجزة والوساطات متعثرة تماما.. المشهد الآن يتلخص في غموض مطبق حول ما ستسفر عنه هذه الحرب إن قدر لها أن تجتاح العالم لتتركه واقفا على أخمص قدميه.
أيكون القرار الأمريكي بيد الرئيس الأمريكي، ومن حوله مستشارون أدوارهم شبه غائبة، وإن يظهروا في الإعلام، مكتفين بالوقوف مثل جوقة موسيقية في البيت الأبيض، وراء مايسـترو البيت الأبيض، دونالد ترامب؟ ثم هنالك القرار الإيراني حول مآلات الحرب والتفاوض، أيكون بيد رئيس الجمهورية الإيرانيـة، أم بيـد مرشــدها الغائب، أم عند قيادة «الباسْـدران» ، وهو الحرس الثوري صاحب الصوت الأعلى؟
إن لهيكل الرئاسة في طهران تركيبة معـقـدة، بسبب تداخل الصلاحيات السيادية والتنفيذية والتشريعية والعسكرية، إذ لـ»ولي الفقـيه» صلاحيات الإشراف على الدولة، بما في ذلك جميع السلطات، ويضاف إليها السلطة العليا على مجلس الخبراء، وهو جهاز دستوري له صلاحيات استشارية، وذات تأثير حاسم في اختيار «الولي الفقـيه»، «المرشــد الأعلى للثورة الإيرانيــة». هناك برلمان منتخب وفاعل، كما أن هناك جهازها القضائي المستقل. أما الجانب العسكري، فهو أكثر تعقيدا، «الباسـدران» الحرس الثوري بتشعباته واختصاصاته وفيالـقـه، هو المعني بحماية الثورة والدولة، وله علاقاته وامتداداته الخارجيـة. أما قوات «الباسِــيج»، فهي قوة نظامية معنية بالانضباط الداخلي في البلاد، وبحفظ الأمن والنظام في الداخل.
تتزايد مخاوف البشرية وخشيتها إزاء الاضطراب الذي قد يفضي بالعالم إلى حربٍ عالمية ثالثة، لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها، خاصة أن آليات احتواء مثل ذلك الاحتمال غائبة تماما
لو نظرنا للمقارنة، إلى حال الولايات المتحدة، فهناك رئيس منتخب ولفترة رئاسية ربما لن تكون قابلة للتجديد مرة واحدة، ويتولى مسؤولية إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن برقابة برلمانية فاعلة. غير أن الرئيس ترامب قد اختار أن يحتكر إعلان إصدار القرارات الرئاسـية من مكتبه في البيت الأبيض، وأمام ممثلي أجهزة الإعلام، إذ درج الإعلاميون على حضور اجتماعات الرئيس، وهو أسلوب غير معهود لرئيس أمريكي يدير دفـة الحكم من مكتبه، بما في ذلك استقبال ضيوفه وتلقي أسئلة الإعلاميين. لا يترك الرئيس ترتيب تلك اللقاءات لمساعديه، بل يتولى الأمر بنفسه. ثمة إعلاميون يؤذن لهم بالحضور، وآخرون يمنعون. مؤخرا خاصم الرئيس الأمريكي عدداً من الشركات الإعلامية الأمريكية المرموقة، بينها شبكة أمريكية عالمية هي «سي إن إن» من المشاركة في تغطية نشاطاته. لعل أوضح ما يلاحظه الإعلاميون، أنهم يعولون على تصريحات الرئيس، من دون أدنى اهتمام بما يصدر من غيره من مسؤولي إدارته، بل حتى مما يصدر عن مستشاريه وممثلـيه الذين اختارهم بنفسه لمساعدته. هو «المايسترو» قائد الفرقـة، أما «الكومبارس» فلا دور لهم إعلامياً في مشاهد السـلطة. لا يظهر في مشهد القيادة الأمريكية، إلا رئيس حاضر ينفرد بالقرارات، من دون مساعديه وممثليه ومستشاريه.
في المقابل وللمقارنة، يبدو مشهد القيادة الإيرانية وما يصدر عنها، مختلفاَ جـدا. في طهران مساعدون ومستشارون، مدنيون وعسكريون، ومؤسسات، غير أن المشهد خالٍ من «مايسترو» يدير الجوقة، إذ المرشـد الأعلى غائب. إن التناقض بين المشهدين، قد يفسر ذلك الاستعصاء الذي يكتنف محاولات الوسطاء- من دون جـدوى – في تيسير إدارة تفاوض، تتعثر جولاته بين الفينة والأخرى، ويقع التراشق في التصريحات، وكأنه صار أسلوباً مبتكراً في الحوار بين الدولتين المتصارعتين..
في ما تابع المراقبون كيف استعان الرئيس ترامب في الشهور الأولى من ولايته، بمستشارين ساعدوه في معالجة الترهل الذي أزعج أسلوبه في إدارة السياسة الخارجية، نجده قد جنحَ للتخلص من آلاف الموظفين في وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية الأخرى، والعديد من الوزارات المهمة. كان ذلك إيذاناً بمرحلة يتولى فيها الرئيس منفرداً، إعلان قرارات السياسة الخارجية بنفســه، وليسَ عبر الوزراء المعينين لإدارة دواوين الحكومة، ولا عبر مستشاريه. ذلك مسلك من ســيد «البيت الأبيض»، لم يكن مرضياً لخصومه داخل البرلمان بغرفتيه، وإن كان الديمقراطيون قلة لا تملك قرارات تعارض. من حسن حظ الرئيس الجمهوري الحالي، أن الأغلبية التي يتمتع بها الجمهوريون في الغرفتين، قد ساعدته في مواجهاته مع معارضيه من الحزب الديمقراطي، غير ان الانتخابات النصفية التي ستقلق منامه، وهي الان على بعد شهرين على الأكثر، وتلك انتخابات لـها ما بعـدها، قد تقلق منامه، من دون شك.
ها هو العالم يتابع مجريات تفاوضٍ كسيح بين مساعدين ومستشارين في طهران قائدهم الأعلى غائب، ورئيس أمريكي حاضر ينفرد بإصدار قراراتٍ، لا يعرف أحد إنْ كان يستمع قبلها لتقارير مستشاريه ومساعديه المتجولين هنا وهناك.
يطلق الرئيس الأمريكي تصريحاته في الفضائيات، ويتلقاها المسؤولون الإيرانيون ويردون عليها. لكأن ما يدور هو نوع من التفاوض الإسفيري غير المباشر، حتى نائبه جي. دي. فانـس الذي رعى التفاوض ذات مرحلة، أقلقه إبداء أطراف إسـرائيلية انتقادات لقبول الرئيس الأمريكي بالحوار مع إيران، وحول ما إذا كان ذلك التوافق قد يفضي إلى تحولٍ محتملٍ يهدد تماسك التحالف الإسرائيلي الأمريكي القائم. وفي حقيقة الأمر، أن الإدارة الأمريكية تحت حكم ترامب الآن، واقعة بين عدة نيران صديقة وغير صديقة. ليسَ أشــدها تداعياتٌ اقتصادية حول مضيق «هرمز» فحسب، بل الخشــية من انتخابات نصفية قادمة قد تهدد قراراته في بقية فترة إدارته.
يقف المجتمع الدولي على أطراف أصابعه، فيما الأمم المتحدة – وهي في عجز ظاهر – يحسب أمينها العام الحالي أيامه الأخيرة فيها، من قبل أن تنهار، ليسَت فاعليتها وحدها، بل وكالاتها وهياكلـها وجـدوى وجودها من أسـاســه. ويبقى سؤال الجغرافيا ماثلاً، حول مصائر الشرق الأوســط: أي خرائط سيعاد رسـمها، أي أحلافٍ ستزول، وأي أخرى سـتبرز إلى السطح، إثر الحروب والاضطرابات الدائرة في أنحاء العالم؟ والسؤال الثاني: هل سيبقى ترامب، الذي حسب نفسه أقوى أقـوياء زمانه، متماسكاً أم ان اختبار الانتخابات النصفية القادمة، قد تبدل أحواله، فتلجـم رغباته الجامحة الأجهزةُ التشريعية في الدولة التي زَعـمَ أن شـعبها انتخبه رئيساً لكي يستعيد عـزتها ومجــدهـا؟
كاتب سوداني
الأخطر في هذا الصراع، أن آثاره تجاوزت حال الدولتين، إلى أحوال العالم، بما يمس، ليس السياســة وحدها، بل السلم والأمن الدوليين في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والصحة والبيئة، وسواها مما يمس حياة الإنسان والحياة عمــوما.
تتزايد مخاوف البشرية وخشيتها إزاء ذلك الاضطراب الذي قد يفضي بالعالم إلى حربٍ عالمية ثالثة، لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها، خاصة أن آليات احتواء مثل ذلك الاحتمال غائبة تماما، إذ أن المنظمة الأممية عاجزة والوساطات متعثرة تماما.. المشهد الآن يتلخص في غموض مطبق حول ما ستسفر عنه هذه الحرب إن قدر لها أن تجتاح العالم لتتركه واقفا على أخمص قدميه.
أيكون القرار الأمريكي بيد الرئيس الأمريكي، ومن حوله مستشارون أدوارهم شبه غائبة، وإن يظهروا في الإعلام، مكتفين بالوقوف مثل جوقة موسيقية في البيت الأبيض، وراء مايسـترو البيت الأبيض، دونالد ترامب؟ ثم هنالك القرار الإيراني حول مآلات الحرب والتفاوض، أيكون بيد رئيس الجمهورية الإيرانيـة، أم بيـد مرشــدها الغائب، أم عند قيادة «الباسْـدران» ، وهو الحرس الثوري صاحب الصوت الأعلى؟
إن لهيكل الرئاسة في طهران تركيبة معـقـدة، بسبب تداخل الصلاحيات السيادية والتنفيذية والتشريعية والعسكرية، إذ لـ»ولي الفقـيه» صلاحيات الإشراف على الدولة، بما في ذلك جميع السلطات، ويضاف إليها السلطة العليا على مجلس الخبراء، وهو جهاز دستوري له صلاحيات استشارية، وذات تأثير حاسم في اختيار «الولي الفقـيه»، «المرشــد الأعلى للثورة الإيرانيــة». هناك برلمان منتخب وفاعل، كما أن هناك جهازها القضائي المستقل. أما الجانب العسكري، فهو أكثر تعقيدا، «الباسـدران» الحرس الثوري بتشعباته واختصاصاته وفيالـقـه، هو المعني بحماية الثورة والدولة، وله علاقاته وامتداداته الخارجيـة. أما قوات «الباسِــيج»، فهي قوة نظامية معنية بالانضباط الداخلي في البلاد، وبحفظ الأمن والنظام في الداخل.
تتزايد مخاوف البشرية وخشيتها إزاء الاضطراب الذي قد يفضي بالعالم إلى حربٍ عالمية ثالثة، لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها، خاصة أن آليات احتواء مثل ذلك الاحتمال غائبة تماما
لو نظرنا للمقارنة، إلى حال الولايات المتحدة، فهناك رئيس منتخب ولفترة رئاسية ربما لن تكون قابلة للتجديد مرة واحدة، ويتولى مسؤولية إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن برقابة برلمانية فاعلة. غير أن الرئيس ترامب قد اختار أن يحتكر إعلان إصدار القرارات الرئاسـية من مكتبه في البيت الأبيض، وأمام ممثلي أجهزة الإعلام، إذ درج الإعلاميون على حضور اجتماعات الرئيس، وهو أسلوب غير معهود لرئيس أمريكي يدير دفـة الحكم من مكتبه، بما في ذلك استقبال ضيوفه وتلقي أسئلة الإعلاميين. لا يترك الرئيس ترتيب تلك اللقاءات لمساعديه، بل يتولى الأمر بنفسه. ثمة إعلاميون يؤذن لهم بالحضور، وآخرون يمنعون. مؤخرا خاصم الرئيس الأمريكي عدداً من الشركات الإعلامية الأمريكية المرموقة، بينها شبكة أمريكية عالمية هي «سي إن إن» من المشاركة في تغطية نشاطاته. لعل أوضح ما يلاحظه الإعلاميون، أنهم يعولون على تصريحات الرئيس، من دون أدنى اهتمام بما يصدر من غيره من مسؤولي إدارته، بل حتى مما يصدر عن مستشاريه وممثلـيه الذين اختارهم بنفسه لمساعدته. هو «المايسترو» قائد الفرقـة، أما «الكومبارس» فلا دور لهم إعلامياً في مشاهد السـلطة. لا يظهر في مشهد القيادة الأمريكية، إلا رئيس حاضر ينفرد بالقرارات، من دون مساعديه وممثليه ومستشاريه.
في المقابل وللمقارنة، يبدو مشهد القيادة الإيرانية وما يصدر عنها، مختلفاَ جـدا. في طهران مساعدون ومستشارون، مدنيون وعسكريون، ومؤسسات، غير أن المشهد خالٍ من «مايسترو» يدير الجوقة، إذ المرشـد الأعلى غائب. إن التناقض بين المشهدين، قد يفسر ذلك الاستعصاء الذي يكتنف محاولات الوسطاء- من دون جـدوى – في تيسير إدارة تفاوض، تتعثر جولاته بين الفينة والأخرى، ويقع التراشق في التصريحات، وكأنه صار أسلوباً مبتكراً في الحوار بين الدولتين المتصارعتين..
في ما تابع المراقبون كيف استعان الرئيس ترامب في الشهور الأولى من ولايته، بمستشارين ساعدوه في معالجة الترهل الذي أزعج أسلوبه في إدارة السياسة الخارجية، نجده قد جنحَ للتخلص من آلاف الموظفين في وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية الأخرى، والعديد من الوزارات المهمة. كان ذلك إيذاناً بمرحلة يتولى فيها الرئيس منفرداً، إعلان قرارات السياسة الخارجية بنفســه، وليسَ عبر الوزراء المعينين لإدارة دواوين الحكومة، ولا عبر مستشاريه. ذلك مسلك من ســيد «البيت الأبيض»، لم يكن مرضياً لخصومه داخل البرلمان بغرفتيه، وإن كان الديمقراطيون قلة لا تملك قرارات تعارض. من حسن حظ الرئيس الجمهوري الحالي، أن الأغلبية التي يتمتع بها الجمهوريون في الغرفتين، قد ساعدته في مواجهاته مع معارضيه من الحزب الديمقراطي، غير ان الانتخابات النصفية التي ستقلق منامه، وهي الان على بعد شهرين على الأكثر، وتلك انتخابات لـها ما بعـدها، قد تقلق منامه، من دون شك.
ها هو العالم يتابع مجريات تفاوضٍ كسيح بين مساعدين ومستشارين في طهران قائدهم الأعلى غائب، ورئيس أمريكي حاضر ينفرد بإصدار قراراتٍ، لا يعرف أحد إنْ كان يستمع قبلها لتقارير مستشاريه ومساعديه المتجولين هنا وهناك.
يطلق الرئيس الأمريكي تصريحاته في الفضائيات، ويتلقاها المسؤولون الإيرانيون ويردون عليها. لكأن ما يدور هو نوع من التفاوض الإسفيري غير المباشر، حتى نائبه جي. دي. فانـس الذي رعى التفاوض ذات مرحلة، أقلقه إبداء أطراف إسـرائيلية انتقادات لقبول الرئيس الأمريكي بالحوار مع إيران، وحول ما إذا كان ذلك التوافق قد يفضي إلى تحولٍ محتملٍ يهدد تماسك التحالف الإسرائيلي الأمريكي القائم. وفي حقيقة الأمر، أن الإدارة الأمريكية تحت حكم ترامب الآن، واقعة بين عدة نيران صديقة وغير صديقة. ليسَ أشــدها تداعياتٌ اقتصادية حول مضيق «هرمز» فحسب، بل الخشــية من انتخابات نصفية قادمة قد تهدد قراراته في بقية فترة إدارته.
يقف المجتمع الدولي على أطراف أصابعه، فيما الأمم المتحدة – وهي في عجز ظاهر – يحسب أمينها العام الحالي أيامه الأخيرة فيها، من قبل أن تنهار، ليسَت فاعليتها وحدها، بل وكالاتها وهياكلـها وجـدوى وجودها من أسـاســه. ويبقى سؤال الجغرافيا ماثلاً، حول مصائر الشرق الأوســط: أي خرائط سيعاد رسـمها، أي أحلافٍ ستزول، وأي أخرى سـتبرز إلى السطح، إثر الحروب والاضطرابات الدائرة في أنحاء العالم؟ والسؤال الثاني: هل سيبقى ترامب، الذي حسب نفسه أقوى أقـوياء زمانه، متماسكاً أم ان اختبار الانتخابات النصفية القادمة، قد تبدل أحواله، فتلجـم رغباته الجامحة الأجهزةُ التشريعية في الدولة التي زَعـمَ أن شـعبها انتخبه رئيساً لكي يستعيد عـزتها ومجــدهـا؟
كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:00