ترامب ونتنياهو: حين تصبح السلطة مرآة للأنا

أ.د. احمد القطامين
نيسان ـ نشر في 2026/10/02 الساعة 00:00
هناك لحظات في التاريخ لا تبدو فيها الانتخابات مجرد صناديق اقتراع، ولا تبدو السياسة مجرد تنافس على السلطة. تتحول الانتخابات إلى مرآة كبيرة، يقف أمامها القادة ليروا صورتهم، وتقف الشعوب أمامها لتسأل: هل نحن أمام مشروع سياسي، أم أمام رجل أصبح مشروعه السياسي جزءاً من صورته عن نفسه؟
ربما لا ينطبق هذا السؤال على اثنين كما ينطبق اليوم على دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.
كلاهما يقف على عتبة اختبار انتخابي بالغ الحساسية. ترامب يواجه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، بينما يتجه نتنياهو إلى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر. وفي الحالتين، تبدو المعركة أكبر من مجرد مقاعد برلمانية؛ إنها اختبار لمدى قدرة الرجل على إقناع جمهوره بأن حضوره الشخصي ما زال ضرورياً لاستمرار الاتجاه الذي يمثله.
ترامب لا يدخل السياسة كسياسي تقليدي. لقد جعل من شخصيته جزءاً من الخطاب، ومن اسمه علامة سياسية، ومن المواجهة الدائمة وسيلة للحضور. حتى عندما يتحدث عن الاقتصاد، يبدو كأنه يخوض معركة على صورته أكثر مما يخوض نقاشاً تقنياً حول الأرقام. وقد أقر أخيراً بأنه لم ينجح في إيصال إنجازاته الاقتصادية إلى الأمريكيين كما يريد، في وقت تواجه إدارته ضغوطاً بسبب أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والحرب مع إيران.
أما نتنياهو، فقد أتقن طوال عقود بناء صورة السياسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في مواجهة الأخطار. واليوم، وهو يستعد لانتخابات أكتوبر، يعيد تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على حماية إسرائيل في منطقة لا تنتهي فيها التهديدات. لكن هذه الصورة تواجه اختباراً قاسياً منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من حروب وأزمات أمنية وسياسية ودبلوماسية.
المفارقة أن الرجلين، رغم اختلاف البلدين والتاريخين، يبدوان كأنهما يتحركان داخل المسرح ذاته: الخوف، العدو، القوة، والزعيم الذي يقول لجمهوره: لا أحد يستطيع أن يفعل ما أفعله أنا.
وهنا تصبح الأنا السياسية أكثر من مجرد غرور شخصي. إنها طريقة في فهم السلطة. يصبح التراجع تنازلاً، والاعتراف بالخطأ ضعفاً، والتسوية أحياناً تهديداً للصورة التي بُنيت حول الزعيم.
ولذلك فإن الحروب، في مثل هذه اللحظات، لا تبقى دائماً مجرد أدوات للسياسة الخارجية. يمكن أن تتحول إلى خلفية انتخابية، وإلى لغة تعبئة، وإلى وسيلة لإعادة ترتيب الخوف في وعي الناخب.
لكن التاريخ لا يرحم كثيراً أولئك الذين يخلطون بين صورتهم وصورة الدولة.
فالدولة أكبر من الزعيم، والانتخابات أكبر من الحملة، والشعوب لا تعيش إلى الأبد داخل الخطابات التي يصنعها القادة عن أنفسهم.
ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر إثارة في قصة ترامب ونتنياهو: كلاهما شديد الحضور، لكن المستقبل السياسي لا يملكه الحضور وحده. في النهاية، تأتي لحظة يخرج فيها الزعيم من المرآة، ويضطر إلى النظر إلى الواقع كما هو.
وعندها فقط يتضح السؤال الحقيقي: هل كان الرجل يقود المرحلة، أم أن المرحلة كانت تقوده إلى حيث لم يعد يستطيع التحكم في نهايته.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/02 الساعة 00:00